الطفل الثرثار والتعامل مع الطفل كثير الكلام

طفلي يتلكم كثيراً! تعريف الطفل الثرثار وأسباب كثرة الكلام عند الأطفال، هل كثرة الكلام عند الطفل طبيعية؟ وهل يحتاج الطفل الثرثار لعلاج؟ كيف أتعامل مع طفلي الذي يتكلم كثيراً؟

الطفل الثرثار والتعامل مع الطفل كثير الكلام

الطفل الثرثار والتعامل مع الطفل كثير الكلام

يتلهف الآباء والأمهات لسماع كلمات طفلهم الأولى، لكن عندما يبدأ الطفل بصياغة جمل طويلة ويحكي قصصاً وروايات؛ يبدأ الشعور بالضغط نتيجة كثرة كلام الطفل، والشعور بالقلق أيضاً حول أسباب كثرة الكلام والثرثرة عند الأطفال، وعلى الأهل أن يقلقوا فعلاً لكثرة كلام الطفل في حالات معينة!
نتعرف وإياكم إلى تعريف الطفل الثرثار أو الطفل كثير الكلام، ومتى تكون ثرثرة الأطفال طبيعية ومتى تكون مؤشراً على وجود مشكلة، أسباب كثرة الكلام عند الأطفال والحديث دون توقف، إضافة إلى طريقة علاج الطفل كثير الكلام وتعديل سلوك الطفل الثرثار.

ابنتي كثيرة الكلام! طفلي ثرثار ويتكلم كثيراً هل هذا طبيعي؟
الطفل كثير الكلام أو الثرثرة عند الأطفال حالة شائعة تتمثل بالكلام المستمر والمتصل الذي قد لا ينتهي دون الإشارة للطفل أن الوقت قد حان للصمت والتوقف عن الكلام، وعادةً ما يظهر ميل الطفل لكثرة الكلام مع بداية قدرته على تشكيل جملٍ معبرة، ويتناقص تدريجياً من سن الخامسة وحتى السابعة من عمر الطفل، حيث يبدأ الطفل بفهم المهارات الاجتماعية ويتعلم كيف يسيطر على نفسه ويتوقف عن الكلام.[1]

معظم الأطفال يتحدثون بكثرة واستفاضة وبشكل متصل حول ما يهمهم ويحمّسهم، ومع نموهم وتطور خبرتهم الاجتماعية من المفترض أن يتناقص هذا الميل للثرثرة، والحالة الأكثر شيوعاً والأقل إثارة للقلق هي الثرثرة والكلام الكثير في سن ما قبل المدرسة، حيث يستطيع الطفل في سن الروضة والسنة الأولى في المدرسة أن يميز الأوقات المناسبة للحديث ويعرف أصول المحادثة مع الآخرين ويميّز أيضاً الفرق بين محادثة مع صديق له ومحادثة مع والديه ومحادثة مع معلمه في الروضة أو المدرسة.[2]

في إحدى الاستشارات على حِلّوها تشتكي الأمّ من ثرثرة ابنها البالغ من العمر 3 سنوات، تقول "طفلي كثير الكلام بشكل مزعج ولا يسكت ولا يتوقف عن طرح الأسئلة".
أجابتها الخبيرة التربوية في موقع حِلّوها أن عليها أخذ خصوصية العمر بعين الاعتبار، وأنه من الطبيعي أن يكون الطفل في هذا العمر كثير الأسئلة وكثير الكلام، وعليها استيعابه ومساعدته على فهم العالم من حوله.

بالنتيجة؛ في الحالة الطبيعية غالباً ما يستطيع الطفل فهم ضوابط الحديث عند سن الخامسة تقريباً وحتى السابعة، وهذا لا يعني أنّه سيتوقف عن الثرثرة والكلام الكثير لكنه سيكون أكثر انضباطاً، فيما قد يشير استمرار الطفل بالثرثرة وكثرة الكلام بعد دخوله المدرسة إلى مشكلة يجب التعامل معها، والبحث في الأسباب السلوكية أو الصحية المحتملة والتي تجعل الطفل لا يتوقف عن الكلام.

هناك مجموعة من الأسباب التي قد تجعل الطفل كثير الكلام أو تفقده القدرة على السيطرة وكبح رغبته في الحديث المستمر، بعض هذه الأسباب سلوكي يمكن تعديله من خلال الوسائل التربوية، وبعضها يعود إلى مشاكل واضطرابات نفسية وعصبية، لذلك على الأهل أن يهتموا بعدم قدرة الطفل على السكوت واستمراره بالثرثرة والكلام المستمر ويحاولوا فهم الأسباب، على ألّا يتحوّل اهتمامهم هذا إلى محاولة لقمع الطفل وإسكاته بالقوة، وأن يراعوا خصوصية المرحلة العمرية للطفل، وإليكم أبرز الأسباب التي تجعل الطفل ثرثاراً وكثير الكلام:

  • الثرثرة الطبيعية عند الأطفال: لا شك أنّ هناك حالة من الثرثرة الطبيعية والمشروعة عند الأطفال تظهر بجلاء بين السنة الثالثة وحتى السابعة، الأمر ببساطة أن الأطفال يفكرون بصوتٍ عالٍ، ويقولون كل ما يجول في تفكيرهم على الملأ، ونلاحظ أيضاً أن الأطفال في هذا العمر قد يخوضون حديثاً طويلاً مع الذات بصوت مرتفع، ريثما تتطور لديهم مهارة الحديث الداخلي ويستطيعون السيطرة على أفكارهم التي يجب ألّا تخرج على شكل كلمات.[3]
  • محاولة لفت الانتباه والحصول على الاهتمام: أحد الأسباب التي تدفع الطفل للثرثرة وكثرة الكلام شعوره بنقص الاهتمام أو الحاجة للفت الانتباه باستمرار، إنه يحاول أن يكون موجوداً من خلال الحديث المستمر والمتصل، وقد يلعب الأهل دوراً في تطوير هذه الحالة من خلال إهمالهم للطفل أو محاولة تجاهله عندما يتحدث.
  • عدوى الثرثرة والسلوك النموذجي: يجب أن ينتبه الأهل أيضاً أن الأطفال قد يكتسبون عادة الثرثرة من المحطين بهم، من الأمّ أو الأب أو حتى من الأخوة الأكبر سناً، ويشعرون أن الثرثرة والكلام الكثير جزء من الاندماج في محيطهم الأسري، كما أن تشجيع الطفل على الثرثرة في بداية تعلّمه الكلام من خلال المديح واستعراض ثرثرته أمام الآخرين؛ قد يقوده إلى ترسيخ نموذج إيجابي، فيزيد من الثرثرة وكثرة الكلام طمعاً بالمديح والثناء.
  • الثرثرة لتهدئة القلق: قد يلجأ الأطفال أيضاً إلى الثرثرة والكلام الكثير إذا كان هناك ما يشعرهم بالقلق، حيث لا يمتلك الأطفال الكثير من الآليات لتهدئة أنفسهم والسيطرة على الغضب أو القلق والتوتر، فهناك خيارات محدودة أحدها الحديث المستمر.
  • مشاكل المهارات الاجتماعية عند الطفل: حيث يعاني بعض الأطفال من صعوبة فهم الإشارات الاجتماعية التي تدل على طريقة تفاعل الآخرين معهم، فقد لا يستطيع الطفل قراءة لغة الجسد أو التعابير غير اللفظية التي تدل على انزعاج الآخرين من حديثه الكثير والمستمر، وقد لا يستطيع الطفل التمييز أيضاً بين المواقف الاجتماعية المختلفة التي تتحكم بكمية ونوعية الأحاديث.
  • كثرة الكلام واضطراب فرط الحركة: "ولدي كثير الحركة والكلام" قد تكون كثرة الكلام والثرثرة عند الطفل جزءاً من أعراض اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه ADHD، حيث يعاني الطفل من صعوبة التحكم والسيطرة على النشاط الحركي واللفظي، وتظهر عليهم أعراض مثل الهمهمة المفرطة والثرثرة والتململ تزامناً مع فرط الحركة.[5]
  • متلازمة أسبرجر من اضطرابات طيف التوحد: متلازمة أسبرجر Asperger syndrome هي إحدى اضطرابات طيف التوحد يعاني فيها الطفل من صعوبة فهم وإدراك المهارات الاجتماعية ما قد يجعله لا يتوقف عن الكلام، لكن الثرثرة أو كثرة الكلام لدى المصابين بهذه المتلازمة تكون انتقائية، بمعنى أن الطفل يكون ثرثاراً مع أشخاص محددين يعتاد عليهم، فيما يميل إلى الصمت مع أشخاص آخرين.
  • اضطراب التعلم غير اللفظي Non-Verbal Learning: يؤثر اضطراب التعلم غير اللفظي على الجانب الأيمن من الدماغ، ويعاني الأطفال في هذا الاضطراب من صعوبة فهم الإشارات الاجتماعية ومهارات التواصل مع الآخرين، كما يظهر الأطفال المصابون بهذا الاضطراب ميلاً للحديث بكثرة وبشكل مستمر وكثيف.

الخطوة الأولى في علاج الطفل كثير الكلام هي استبعاد الأسباب الصحية والعصبية، وذلك من خلال ملاحظة الأعراض الأخرى التي تظهر على الطفل وتبدو غير طبيعية، ثم الذهاب إلى الطبيب المختص لتقييم وتشخيص حالة الطفل ووضع الخطة العلاجية المناسبة.
ويجب أن ينتبه الأهل في هذه الحالة إلى الأعراض التي تصاحب اضطراب فرط النشاط وتشتت الانتباه مثل الحركة المبالغ به وفقدان الطفل للسيطرة على الاندفاع، كذلك الأعراض المصاحبة لاضطراب طيف التوحد مثل صعوبة التواصل البصري أو التمسّك بالسلوك الروتيني، إضافة إلى أعراض اضطرابات التعلم والنماء.
ولا ننصح أن يحاول الأهل أو المربون معالجة الطفل بمفردهم في حال لاحظوا عليه أعراض تشير إلى أن كثرة الكلام لديه ترتبط باضطراب ما، بل يجب عليهم اللجوء إلى الطبيب فوراً.
وأما في حال كان الطفل كثير الكلام يعاني من مشكلة سلوكية فقط؛ هناك مجموعة من الاستراتيجيات والأساليب التربوية لمساعدة الطفل على التخلص من الثرثرة والتوقف عن الكلام المفرط، لنتعرف عليها معاً.

  • الهدوء أولاً: لن يكون الصراخ على الطفل كثير الكلام أو حتى ضربه وتعنيفه حلّاً للمشكلة، لأن الطفل كثير الكلام غالباً لا يستطيع فهم الوقت المناسب للصمت، ولا يمكنه تقدير ما هو الكلام المناسب وما هو الكلام الكثير، بالتالي ما يحتاجه هو إدراك هذه المفاهيم وليس العقاب، بل أن العقاب قد يؤثر على الجوانب المشرقة من شخصية الطفل الثرثار.[6]
  • ساعد الطفل على فهم أدوار المحادثة: يجب أن يتعرّف الطفل إلى أن المحادثة يجب أن تكون مثل لعبة كرة الطاولة وليست لعبة إسكواش، يمكنك البدء بتمرين كرة الطاولة مع طفلك من خلال إحضار كرة صغيرة والاتفاق مع الطفل أن الكلام فقط لمن تكون معه الكرة، نبهه عندما يستحوذ على الكرة، واعتذر منه إذا استحوذت أنت على الكرة لفترة طويلة.
  • اتفق مع طفلك على إشارة معينة للتوقف عن الكلام: يمكنك الاتفاق مع الطفل على إشارة غير لفظية تعني أن الوقت قد حان للتوقف عن الحديث، ربما عندما تضع يدك خلف رأسك أو تضع اصبعك على فمك، بالتدريج سيدرك الطفل الأوقات المناسبة للكلام ومتى يجب عليه أن يتوقف.
  •  تحدث مع طفلك عن أهمية الاستماع: حاول أن تشرح لطفلك أهمية الاستماع للآخرين عندما يتحدثون، ربما تسأله عن شعوره إن كان يريد قول شيء لكن لا أحد يستطيع سماعه، وربما تلجأ للقصص والحكايات التي تعلم الأطفال أهمية الاستماع، المهم أن يعرف الطفل ويدرك أهمية الاستماع للآخرين وترك فرصة لهم للحديث.
  • لا تترك طفلك يتحدث وحيداً: يلجأ البعض لتجاهل الطفل كثير الكلام وتركه يتحدث لوحده علّه يشعر بالملل، لكن للأسف النتيجة غالباً ما تكون عكسية، ويشعر الطفل أنه بحاجة للحديث أكثر ليفهم الآخرون عمّا يتحدث! يجب أن تشارك طفلك المحادثة وتطرح عليه الأسئلة وتناقشه بما يتحدث عنه، ثم تخطره بنهاية الحوار عند الوصول إلى نقطة مناسبة.
  • راجع نفسك أيضاً: طبيعة الأطفال أنهم يتحدثون أكثر، ربما يكون حديث طفلك ضمن الحدود الطبيعية والمشكلة عندك، فأنت كأب لا تريد أن تستمع إلى حديث مستمر بعد عودتك من يوم عمل شاق، وأنتِ كأمّ لا ترغبين بمحادثة مستمرة وطويلة أثناء ترتيب المنزل أو بعد العودة من العمل؛ لكن الطفل لا ذنب له بذلك ولا يجب أن يشعر بالذنب، لذلك حاول أن تجد وقتاً للهدوء والاسترخاء لتكون مستعداً للاستماع لطفلك.[7]
  • احذر من تقليل احترام الطفل لنفسه: للأسف من الشائع أن يستخدم الأهل عبارات سلبية لإسكات الأطفال، هذه العبارات التي تحتوي على صفات جارحة "بالع راديو، ثرثار..." والعبارات التي تشعر الطفل بالرفض "سمعنا ما يكفي عنك، اصمت الآن لا أريد أن أسمع صوتك..." كلها تؤثر على نظرة الطفل لذاته واحترامه لنفسه، وقد تقوده فيما بعد من طفل مرح ومنطلق إلى طفل انطوائي لا يعتقد أن له قيمة في أسرته!

أخيراً... يجب أن يهتم الأهل اهتماماً إيجابياً بالطفل كثير الكلام، لأن الثرثرة إن تحوّلت لعادة قهرية عند الطفل قد تؤثر على مستقبله الاجتماعي وعلاقاته مع الآخرين وحتى على حياته المهنية في المستقبل، لذلك على الأهل أن يعملوا على مساعدة الطفل على ضبط رغبته في الحديث والكلام، وأن يستبعدوا أي أسباب صحية أو نفسية قد تقود طفلهم للثرثرة، والأهم من ذلك كله أن يتحلوا بالصبر والهدوء في التعامل مع الطفل كثير الكلام.

المصادر و المراجعadd