مفهوم التكافل الاجتماعي وطرق تحقيقه

ما معنى التكافل الاجتماعي؟ تعريف التكافل الاجتماعي وأنواعه، أهداف التكافل الاجتماعي وتأثيره على حياة الأفراد والمجتمع، وطرق ووسائل تحقيق التكافل الاجتماعي

مفهوم التكافل الاجتماعي وطرق تحقيقه

مفهوم التكافل الاجتماعي وطرق تحقيقه

من المعروف أنّنا كبشر كائنات اجتماعية لا نستطيع العيش دون الاختلاط بالآخرين وهو أمرٌ واضحٌ منذ القدم، لطالما تواجد الإنسان ضمن تجمعاتٍ بشرية سواء كانت صغيرةً نسبيةً كالعائلة والقبيلة أو أكبر حجماً كالقرى والمدن. لكن وباختلاف هذه التجمعات سيكون هنالك العديد من الفروقات دوماً بين الأفراد سواء من حيث القدرة المادية أو العلمية أو الصحية وغيرها وهنا في هذه الحالات تبرز أهمية التكافل الاجتماعي ومساعدة الأفراد بعضهم البعض لتجاوز المحن والصعوبات.

في البداية وإن أردنا أخذ المعنى اللغوي للتكافل الاجتماعي فسنجد أنّ التكافل يأتي من الكفالة بما يعني المساعدة والإعانة وبكلماتٍ أخرى المساعدة على تحقيق حاجات الشخص المكفول، كما يندرج تحته مفهوم التعايش المتبادل والمساعدة لمجموعةٍ من الأشخاص. [1]
من ناحيةٍ أكثر شمولاً يمكن القول أنّ التكافل الاجتماعي هو الحالة التي يحرص فيها أفراد المجتمع على العناية ببعضهم البعض بحيث يُقدم الأغنياء المساعدة للفقراء ويُوفر القوي الحماية لغيره من الضعفاء ويقف أفراد المجتمع مع بعضهم البعض في لحظات الضعف والأحزان ويُشاركوهم لحظات النجاح والفرح. [2]

    قد يعتقد البعض أنّ التكافل الاجتماعي يقتصر فقط على تقديم المال للمحتاجين والتبرع للفقراء ولكنّ ذلك ليس صحيحاً، فحيث أنّ حاجات البشر لا تقتصر على الحصول على المال وتمتد إلى مجالات أخرى كالحاجات النفسية مثلاً ظهرت أشكالٌ مختلفةٌ من التكافل الاجتماعي للمساعدة على تحقيق حاجات الأفراد وتحسين شكل الحياة، ومن أبرز أنواع التكافل الاجتماعي: [3]

    1. التكافل المادي أو المعيشي: هذا النوع من التكافل يتضمن مساعدة الآخرين عبر توفير الدعم المادي للمحتاجين، تختلف أشكال هذا التكافل فيمكن أن يتم من خلال تقديم المساعدة المالية أو توفير أساسيات المعيشة من أطعمة ومكان للسكن ولباس، كما يمكن أن يتضمن إقراض المحتاج لمساعدته على قضاء حاجاته.
    2. التكافل العلمي: يُعتبر التعليم من الأمور التي يجب أن تكون من الحقوق الأساسية للجميع ولكن البعض قد لا يتمكنون من الحصول على تعليم مناسب أو من إكمال تعليمهم. التكافل العلمي يهدف لمساعدة هؤلاء الأشخاص سواء من خلال تعليم القراءة والكتابة للأفراد الأميين ومساعدة الطلبة المتميزين على تأمين فرص لإكمال الدراسة.
    3. التكافل الاقتصادي: الفكرة الأساسية من التكافل الاقتصادي هي حماية اقتصاد المجتمع وذلك من خلال حماية الثروات الموجودة ضمن المجتمع وتطبيق المعايير الاقتصادية الصحيحة لتوفير الرفاهية دون إسراف.
    4. التكافل الأخلاقي: الأخلاق والقيم العليا هي الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات كافةً وهو ما يُنظم العلاقات بين البشر ويحمي المجتمع من انتشار الفوضى، التكافل الأخلاقي هو الجهد الذي يبذله أفراد المجتمع بهدف حماية المجتمع من الانهيار الأخلاقي من خلال التعامل مع الآخرين بحب ولطف ورفض الأعمال اللاأخلاقية.
    5. التكافل الحضاري: لطالما كانت الحضارة مرتبطةً بوجود الجماعة وليس بالأفراد فوجود البشر معاً هو ما كان الخطوة الأولى لإنشاء الحضارة، والتكافل الحضاري هو الأمور التي نبذلها في سبيل حماية مصالح الجماعة وتقويتها وهذا النوع من التكافل يتضمن أشكالاً مختلفة من التكافل سواء كان مادياً أو معنوياً.

    التكافل الاجتماعي لا يحمل النفع لطرفٍ واحد فحسب بل يمتد النفع إلى كلا الطرفين أو حتى المجتمع بأكمله في بعض الأحيان، ومن أهم فوائد التكافل الاجتماعي: [4]

    1. الشعور بالسعادة عند مساعدة الآخرين: هناك العديد من الأدلة التي تُشير إلى أنّ قيامك بمساعدة الآخرين يُحفز بعض التغييرات الفسيولوجية في الدماغ والتي ترتبط بالسعادة،
    2. الشعور بالانتماء: عندما تُساعد شخصاً ما فأنت تخلق صداقةً بينك وبين هذا الشخص، هذه الروابط الاجتماعية الناشئة عن مساعدة الآخرين ستجعلك تشعر بالانتماء والارتباط بالمجموعة البشرية ويمكن أن تدفعك للانخراط في نشاطاتٍ اجتماعية فتبعدك عن الوحدة.
    3. الحصول على هدف حياتي: الحياة التي تخلو من الأهداف غالباً ما تكون فارغةً ومتعبة، لكن وعندما تقوم بمساعدة الآخرين سواء بالمال أو عبر التطوع أو تقديم الخدمات أو أياً كانت الطريقة فستشعر بالرضا والسعادة مع إحساسٍ بأنّ حياتك ليست فارغةً.
    4. تعزيز الشعور بالرضا: دوماً ما يوجد في الحياة من يمتلكون ظروفاً أسوأ من ظروفنا ومن تُسعفهم الظروف في أن يتفوقوا علينا، وفي خضم المنافسة الكبيرة في الحياة يمكن أن يجعلنا التكافل الاجتماعي ومساعدة الآخرين نشعر بمعاناة من هم أقل حظاً منّا فنقدّر النعم التي نمتلكها.
    5. تشجيع الآخرين على المساعدة: بينت الدراسات أنّ مشاهدتك لشخصٍ يُساعد الآخرين يزيد من احتمال تقديمك المساعدة للآخرين، وضمن نظام التكافل الاجتماعي يمكن أن تدفع مساعدة الأفراد لبعضهم أشخاصاً آخرين لسلوك ذات الطريق مما يعود بالنفع على المجتمع بأكمله.
    6. إطالة مدة الحياة: يمكن للقلق والتوتر أن تؤثر على حياتك وصحة جسدك ولكن عندما تقوم بمساعدة الآخرين فإنّك تُصبح أكثر قدرةً على التعامل مع التوتر والقلق وهذا يمكن أن يُقلل من مدى إصابتك بالأمراض.
    7. الشعور بالتجدد وتخطي الأزمات: عندما تقع في أزمةٍ معينة أو عندما تواجه مصيبة ستجد نفسك غارقاً في الحزن ولن تشعر وكأنك نفس الشخص الذي تكون عليه عندما تكون سعيداً، التكافل الاجتماعي ومساعدة الآخرين يمكن أن يُساعدك على تخطي الأمر واستعادة طبيعتك الحقيقية.
    8. تعزيز الثقة بالنفس: مساعدتك للآخرين ودعمهم ستعود عليك بالفائدة وتجعلك أكثر ثقة بنفسك وهو ما أكدته العديد من الدراسات.

    حتى إن كنت لا تمتلك المال أو لم تكن قادراً على نشر العلوم فأنت لست عاجزاً عن المشاركة في التكافل الاجتماعي، ويمكننا تقسيم مجالات التكافل الاجتماعي إلى ثلاثة مجالات أساسية هي: [5]

    • التكافل الاجتماعي بين الفرد ونفسه: إنّ مساعدة النفس من أهم أشكال التكافل الاجتماعي فالإنسان يمتلك مسؤوليةً تجاه نفسه وذاته وعليه بالتالي أن يعمل على دفع نفسه للقيام بالأعمال الصالحة وإبعادها عما يُضرها، بكلماتٍ أخرى يمكن القول أنّ توفير حاجات النفس الأساسية المادية والروحية واهتمام الشخص بصحته تُعتبر من أهم أشكال التكافل الاجتماعي الفردي.
    • التكافل الاجتماعي بين أفراد الأسرة: الأسرة ليست أساس المجتمع وحسب بل هي مجتمعٌ مصغرٌ يجب أن يتكافل أفراده مع بعضهم البعض، المبدأ الأساسي للتكافل الاجتماعي داخل الأسرة هو قيام كل فردٍ من العائلة صغيراً كان أم كبيراً بواجباته نحو عائلته، فمن أشكال التكافل الاجتماعي أن يتعاون الزوجان على إنجاز أعمال المنزل وتربية الأطفال وتوفير مصروف العائلة، الأطفال من ناحيةٍ أخرى يجب أن يتعاملوا مع العائلة باحترام ولطف وبرّ، كما يمكن أن يُشاركوا الوالدين في العمل ضمن المنزل وتحمل جزء من المسؤولية.
    • التكافل الاجتماعي ضمن الجماعة: المجال الأوسع للتكافل الاجتماعي هو التكافل ضمن الجماعة وهو ما يتضمن التأكيد على حماية المصالح الفردية لك ولغيرك في المجتمع مع التأكيد على المصالح العامة أيضاً، التكافل الاجتماعي هنا يعني الحرص على حماية البنية المتماسكة للمجتمعات.

      هناك العديد من الأهداف التي يمكن تحقيقها من خلال التطبيق الحقيقي للتكافل الاجتماعي والتي قد يكون من أبرزها:

      • حماية الأفراد من الفقر والعوز وذلك عن طريق تقديم المساعدات
      • تعزيز العلاقات الاجتماعية بين الأفراد
      • خلق مجتمع متماسك يصعب انهيار قيمه
      • نشر المحبة والود بين الأفراد

        يُعتبر التكافل الاجتماعي من الأساسيات التي ركز عليها الدين الإسلامي فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"، يمكننا ملاحظة تأكيد الدين الإسلامي على التكافل الاجتماعي وحرصه على بناء مجتمعات متماسكة فيما جاء في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وذلك في مجالات مختلفة: [6]

        • من الناحية الاجتماعية: أمر الإسلام ببر الوالدين وطلب من الأزواج أن يتعاملوا برفقٍ ولينٍ مع زوجاتهم، كما أمر بالتعامل بالحسنى مع الجيران وزيارة الأقرباء وصلة الرحم.
        • من الناحية المالية: أكد الدين الإسلامي بشدة على ضرورة مساعدة الفقراء كما جعل لكفالة الأيتام والمساكين منزلةً كبيرة وفرض العديد من العبادات التي تنطوي على إطعام الفقراء مثل كفارة الصيام في رمضان وتقديم المال والطعام في الأعياد.
        • من الناحية العلمية: أكّد الإسلام بشدة على أهمية العلوم الشرعية والدينية وجعل لها مرتبةً عظيمة فلا يغيب عن أذهاننا كيف كان تعليم 10 من المسلمين طريقةً لفداء أسرى معركة بدر.
        • من ناحية العبادة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأساسيات في الإسلام فمن الضروري على المسلم أن ينصح الآخرين بتجنب المنكرات ويحثهم على العبادات التي أمر بها الله.

        أوامر الإسلام المتعلقة بالتكافل الاجتماعي لم تقتصر بأثرها على المسلمين وحسب، بل طلب من المسلمين أن يُطبقوا مبادئ التكافل الاجتماعي على جميع البشر.

          يوجد العديد من الطرق التي تُساعد على تحقيق التكافل المادي والاجتماعي ومن أهم هذه الوسائل: [7]

          • الزكاة: أمر الله المسلمين المقتدرين بإخراج جزءٍ من أموالهم وتقديمها لمستحقيها من المحتاجين، ويُعتبر تقديم الزكاة من أهم العبادات ووسائل التكافل الاجتماعي على حدٍ سواء، فهو يُساعد على توفير الدعم المادي للفقراء ولا يترك الحقد يتسلل إلى قلوبهم.
          • النذور: من الشائع أن ينذر المسلمون بعض المال للفقراء ومن الواجب على المسلم أن يفي بما ينذره لقول الله "ليوفوا نذورهم".
          • الكفارات: يمكن أن يقوم الشخص بدفع مقدارٍ معين من المال للفقراء والمساكين تكفيراً عن ارتكابه لبعض الذنوب أو تقصيره في بعض العبادات، يمكن أن تكون الكفارة طعاماً أو مالاً بقدرٍ معين.
          • الأضاحي: من الشائع أن يقوم المقتدرون بذبح الأضاحي في الأعياد وتوزيع لحومها على الفقراء، هذه الأضاحي يمكن أن تكون مساعدةً للكثير من العوائل غير القادرة على شراء اللحوم.
          • الأعمال التطوعية: تقوم الكثير من الجمعيات ببعض الأعمال التطوعية المجتمعية والتي تتضمن أشكالاً مختلفةً من الخدمات للمحتاجين أو للمجتمع.
          • الإعارة: وهي أن تسمح لشخصٍ ما باستخدام أغراضك أو أغراضٍ معينة مجاناً بشرط إعادتها إليك لاحقاً.
          • بناء المدارس وتعليم الفقراء: يمكن للبعض التبرع لتمويل وبناء المدارس كما يمكن للبعض التبرع ببعض علومهم للآخرين، واليوم يمكن أن نرى الكثير من المنصات التعليمية تنشر بين الحين والآخر بعض الدروس بشكل مجاني كي يستفيد منها الجميع.

          مع العمل على تحقيق التكافل الاجتماعي يمكن لنا تحسين مجتمعاتنا من النواحي المادية والاجتماعية والأخلاقية وبناء مجتمعٍ ثابت البنيان لا يمكن اختراقه. هذا الأمر سيقود في المستقبل إلى نمو البلاد وتطورها لتصبح من القوى العظمى ويجعل من أفرادها أمثلةً يُحتذى بها دوماً.

          المصادر و المراجعadd