علاج العنصرية في الإسلام ومحاربة التمييز العنصري

كيف يحارب الإسلام العنصرية؟ موقف الإسلام من العنصريّة وآيات مكافحة العنصرية في القرآن الكريم، حلول العنصرية في الدين الإسلامي وأدلة نبذ العنصرية

علاج العنصرية في الإسلام ومحاربة التمييز العنصري

أسود أو أبيض.. طويل أو قصير.. مسلم أو مسيحي.. رجل أو امرأة.. فكلُّ اختلاف يؤذي الفرد العنصري الذي يبني خيريّته على الآخر بمعادلة خاطئة كلّياً، إنّما الاختلاف هو ميزة وثروة ينبغي علينا استثمارها فالذّهب الذي يتميز عن سائر المعادن لا يمكن استثماره بدون مزجه مع غيره من العناصر!
في مقالنا اليوم سنناقش العنصرية.. هذه الآفة الفتّاكة وموقف الإسلام منها وكيف طرح لها حلولاً طبّقها عمليّاً.

ربما تراودنا أسئلة عن ماهية العنصرية؟ وهل حقّاً العنصرية متجذّرةٌ في أدمغتنا؟ وكيف يمكننا مناهضة العنصرية؟
العنصرية هي تصوّرٌ فكريٌّ وقناعةٌ قائمةٌ على الاعتقاد بتفوّق وتفاضل مجموعة معينة أو فئة ما على غيرها من الفئات ثقافيّاً وحضارياً بناءً على الاختلاف في اللون أو الشكل أو العرق. وتُعزّ هذه الاختلافات والفروق إلى أمور موروثة متصلة بالأسباب البيولوجية والتصرفات والطبائع والعادات التي تختلف من ثقافة إلى أخرى.[1]
العنصرية ليست فطرة بل هناك من يزرعها والعالم يجني ثمارها، الطّفل قلبه يولد على الفطرة النقيّة لا توجد فيه عنصرية ولا تفرقة، فإذا لم يُحسن الأهل التربية يعلّمون الطفل العنصرية، والمدرسة إن لم تُحسن التّدريس يمنحون الطفل أفكاراً مشوهة، وكذلك الأصدقاء والإعلام فيكتسب ذلك الطفل عنصرية بأحد أشكالها ويصبح قلبه ملوّثاً بالكراهية أي أنه يصبح نتناً وهو ما حذرنا منه الرسول الكريم عندما قال: "دعوها فإنها مُنتنة" رواه ابن حبان.
فالعنصرية من أكثر الأمراض التي تفتك بالمجتمع، ومن أبرز الأسباب التي تؤدي إلى الحروب والنزاعات والنعرات الطائفية والمذهبية، ومن هنا فمناهضة العنصرية واجب على كل إنسان يؤمن بإنسانيته أولاً، ويسعى للنهوض بمجتمعه ثانياً، لذا علينا رؤية أخلاق الإنسان قبل النظر إلى جنسيته، والنظر إلى تفكيره قبل لونه أو شكله أو مذهبه، فمجتمعنا يحتاج إلى عبارة "أنا وأنت معاً" وليس "إمّا أنا وإمّا أنت!".

    لقد جمع الإسلام منذ بزوغ فجره الأول صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي وأبا بكر العربي القرشي تحت راية: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" فقضى بذلك على العصبية القبلية والعرقية والتعصب للأرض إذ قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "ليس منّا مَن دعا إلى عصبيّة، وليس منّا مَن قاتل على عصبيّة، وليس منّا مَن مات على عصبيّة" رواه أبو داود.[2]
    فقد بدأ الإسلام بنبذ العنصرية والتفرقة الطائفية والعرقية من خلال استهداف البنية الفكرية للمجتمع وذلك بالتّأكيد على أنّ الاختلاف في الخلق هو للتعارف وتحقيق التّوازن، فما أكثر الأمثلة على الزيجات التي قمعت الطبقية والعنصرية كزواج زيد بن حارثة والذي لم يكن ذا نسب من زينب بنت جحش ذات الحسب والنسب.
    كما أنه أقرّ المساواة في الحقوق والواجبات بين جميع الأفراد ففرض الزكاة وأمر بالصدقات لرعاية الفقراء والمحتاجين، ورفع من شأن المرأة وأكرم منزلتها وأوصى باليتيم وصان حقه.
    أما في عالمنا اليوم فإنّنا نعيش أشكالاً مختلفة من العنصرية وقوالب جديدة للتمييز العنصري، متمثلةً بالعولمة الحديثة ومظاهر التقدم والتطور المتسارع، فتجد هذه الأشكال والقوالب متفشية في المجتمعات الغربية والعربية والتي غرقت في مستنقع التفرقة والتمييز واللّا مساواة. [1]

      تمتدّ جذور العنصرية عبر التاريخ عميقة منذ الأزل، فالتّاريخ الإسلامي مليء بالشواهد والأحداث التي نبذت العنصرية بأشكالها المختلفة وبشتّى أنواعها، وكافحت التّمييز العنصري ولا سيما أن الدّين الإسلامي بُعث للعالمين قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ سورة الأنبياء:107.
      فإذا سافرنا عبر تاريخنا الإسلامي بدءاً بسيد المرسلين النبي الكريم محمد صلى الله عليه وسلم ومروراً بالخلفاء الراشدين والصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، نجد نماذج رائعة تصوّر لنا مدى حرص الإسلام على نشر المساواة والعدل بين الناس ومن هذه النماذج:
      فقد دعا نبينا الكريم إلى المساواة بين الناس بأقواله وأفعاله وأمر بعدم التمييز بين أفراد أو جماعات كما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم "كلُّكم من آدم وآدم من تُراب" رواه الترمذي.
      إنّ الإسلام جاء لحل مشاكل البشرية، ومن بينها العنصرية، وهو المشهد الذي نراه كل يوم في الصّلاة ألا وهو المساواة! فقد نبذ الإسلام العنصرية فأول من أذن في المصليّن هو الصحابي الجليل بلال بن رباح والذي كان عبداً قبل مجيء الإسلام وكيف أصبح رمزاً للأمة في تحقيق السواسية بين البشر على اختلاف ألوانهم.

      قصص عن مكافحة العنصرية في الإسلام

      كان العدل هو أساس المجتمع الإسلامي ففي عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب إذ أن ابن عمرو بن العاص رضي الله عنهما الذي كان والياً على مصر، قد ضرب رجلاً من الأقباط بعد أن هزمه في سباق للخيول محتمياً بسلطان أبيه، فقام والد القبطي بالسفر إلى المدينة المنورة بصحبة ابنه، فاشتكى لأمير المؤمنين عمر عمّا حدث، فأرسل عمر إلى عمرو بن العاص أن يأتيه بصحبة ابنه، فلما حضرا، ناول عمر الغلام القبطي سوطاً وأمره أن يقتصّ لنفسه من ابن عمرو بن العاص، فضربه حتى استوفى حقّه، ثم قال له عمر: لو ضربت عمرو بن العاص ما منعتك، لأنّ الغلام إنما ضربك لسلطان أبيه، ثم التفت إلى عمرو بن العاص قائلاً: "متى استعبدتُّم النّاس وقد وَلَدَتهُم أمُّهاتهم أحراراً؟" كان خير مثال على تعاطي المجتمع الإسلامي آنذاك للمساواة بين الناس ونبذ الطبقية.[3]

        الله سبحانه وتعالى يبين لنا في القرآن الكريم في مواضع عديدة أن من أهداف رسالة الإسلام هو التخلص من شبح العنصرية الذي امتدّ ظلّه إلى أقصى الأرض، فيذكّر العالمين حكمته في خلقه ومن هذه الآيات: [2،4]

        • قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ﴾ سورة الروم:22، وهنا يبين لنا سبحانه قدرته العظيمة في خلق السماوات والأرض، كما أن جميع أهل الأرض منذ خلق آدم إلى قيام الساعة لهم التكوين الخلقي نفسه ولكن لا يشبه أحدهم الآخر بل لا بد أن يختلف عنهم بالهيئة أو الكلام أو الصفات ويعود ذلك الاختلاف لحكمة إلاهية.
        • قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ سورة الحجرات:13، إن المعيار والمقياس الوحيد الذي يحكم به الله على الإنسان وهو ليس لون بشرته ولا عرقه أو جنسه ولا منزلته الاجتماعية أو الطبقة الاجتماعية التي ينتمي إليها بل إن الجميع متساوون في الحقوق والواجبات ولا ميزة لأحدهم على الآخر إلا بالتقوى والعمل الصالح ابتغاءً لوجه الله تعالى.
        • قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ، واحِدَةٍ، وخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا ونِسَاءً﴾ سورة النساء:1، فالبشرية صدرت من إرادة واحدة، وتنبثق من أصل واحد، وتنتسب إلى نسب واحد فهي أسرة واحدة أسرة آدم وحواء، واستقرار هذه الحقيقة كفيل بإبادة الصراع العنصري الذي ما زال مستمراً إلى يومنا هذا.
        • قال تعالى: ﴿ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ...﴾ سورة البقرة:213، كان الناس على نهج واحد وتصوّر واحد وهي حالة المجموعة البشرية الأولى الصغيرة أسرة آدم وحواء ولم يكن حينذاك اختلاف في التصوّرات والاعتقادات، فمفهوم الأسرة الواحدة من أبرز الأدلة التي كافحت العنصرية والتمييز بأنواعه فلو أدرك من يدّعون التفاضل وأنهم خيراً من الآخرين هذه الحقيقة لما تجرّأوا على الإتيان بمثل هذه الأفكار الخبيثة.

          لقد ناهض الإسلام العنصرية وطرح حلولاً وخططاً لعلاج هذه الآفة الخطيرة على المجتمع الإسلامي خاصةً والإنسانية عامةً ولم يكتفي بطرحها بل طبّقها عملياً لتكون مثلاً للإنسانية ومرجعاً للذين يتغنوّن بالمساواة والعدل، بل عمل على بناء مجتمع متحاب متعاون، وفيما يلي بعض من تلك الحلول: [2،4]

          1. المساواة بين الناس: ويظهر ذلك جليّاً في صلاة الجماعة التي فرضها الدين الحنيف من أجل تسوية الفروق بين الطبقات الاجتماعية والأجناس والأعراق في مجتمع الإسلام النامي باطراد فالمسلمون يلتقون سويا خمس مرات يوميا للصلاة فهم متساوون أمام الخالق الذي يصلون له فكان الهدف هو المساواة والإخاء بين البشر وقد عبّر عنها الرسول الكريم في خطبته في حجة الوداع إذ قال: "يا أيُّها النّاسُ إنّ ربكم واحد ألا لا فضل لعربيّ على عجميّ ولا فضل لعجميّ على عربي ولا لأحمرَ على أسودَ ولا لأسودَ على أحمرَ إلا بالتقوى إنّ أكرَمكم عند الله أتقاكُم" رواه أحمد والبيهقي، فالعدل من أعظم المبادئ التي أعلى الإسلام من شأنها، فلا فضل لأحد على أحد إلا بحُسن العمل والتّقوى.
          2. الدعوة إلى الحرية وعتق الرقيق: عملت الشريعة الإسلامية على إلغاء نظام الرق تدريجياً بأن جعل كفارة بعض الذنوب تحرير رقاب العبيد، بالإضافة إلى المساعدة في ذلك بالمال فهي من أعمال البرّ والإحسان وقد ورد ذلك في أكثر من موضع في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَٰلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ سورة المائدة: 89.
          3. الإخاء بين البشر: فقد ورد ذلك في القرآن الكريم والحديث الشريف تأكيداً شديداً على التآخي بين المسلمين قال تعالى: ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ سورة الحجرات:10. وهي أعظم إثبات على إحياء الأخوة البشرية بين سائر الأجناس والأعراق، وقد ورد في الحديث عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه" رواه البخاري، وقال في موضع آخر: "مثلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائرُ جسده بالسّهر والحمى" رواه البخاري.
          4. فريضة الحج: وهي التجسيد الحقيقي للوحدة الإنسانية بجميع مكوناتها، فهي تسوي بين جميع الفروقات في المكانة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية معلنةً بجلاء الحقيقة الإيمانية لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إنّا لله وإنّا إليهِ رَاجعُون﴾ سورة البقرة: 156.
          5. المساواة بين المرأة والرجل: لقد أعطى الإسلام للمرأة الحق في الحياة والحرية والتي كانت تؤد في الجاهلية وتورث. ينظر الإسلام إليها على أن لها شخصيتها المدنية واستقلالها المادي، كما يحق لها أن ترث وتتاجر وتعمل وقبل كل شيء فقد جعل التعلم والتعليم من الفرائض والواجبات الدينية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "طلب العلم فريضة على كل مسلم" رواه الألباني.
            وبذلك فالإسلام جعل مشاركة المرأة في البناء الحضاري الإنساني للأمة مساوية للرجل، فهما يملكان نفس الروح، ويتميزان بقدرات متساوية من المواهب العقلية والفكرية والروحية والدينية والأخلاقية.
          6. التسامح مع الأديان الأخرى: قال تعالى: ﴿لا إكراه في الدّين..﴾ سورة البقرة: 256. وهو مبدأ إسلامي معروف، فقد أمر الإسلام بحسن معاملة الناس على اختلاف دياناتهم وعقائدهم، وأمر المسلمين بمحاورة أتباع الديانات الأخرى بالحسنى والحجة والبرهان لا بالعنف والإكراه.

          وأخيراً.. فالعنصرية هي تحجيم للعقل الذي أنعم الله علينا به، وهي التي يعاني تحت وطئتها الملايين والملايين من إخوتنا في الإنسانية، ما زالت سائدة في مجتمعاتنا، لذا لا بدّ لنا من نشر الوعي وأخذ الحلول على محمل الجد للحدّ من هذه الظاهرة المقيتة.

          المصادر و المراجعadd