أسباب العنصرية وتأثير التمييز العنصري على المجتمع

تعريف التفرقة العنصرية، أسباب العنصرية، نتائج وأضرار العنصرية على المجتمع والفرد، وحلول مقترحة لمناهضة العنصرية، واقتباسات وأقوال عن العنصرية

يدرك العالم اليوم أن العنصرية لا تشكِّل تهديداً للأفراد والجماعات المستهدفة والمضطهدة فحسب؛ بل تشكل تهديداً حقيقياً للبشرية جمعاء، فالتمييز والتفرقة العنصرية المحرك الأساسي للكثير من الأحداث الدموية التي أودت بحياة الملايين ودمّرت دولاً بأكملها -ربما أبرزها الحرب العالمية الثانية- وما تزال العنصرية تشكّل عائقاً كبيراً أمام تطور الدول والأفراد، وتغذي النزعات والصراعات المسلحة حول العالم.
نحاول في هذا المقال أن نناقش الأسباب الحقيقة للعنصرية وتأثير التمييز والتفرقة العنصرية على المجتمعات وعلى الأفراد، كما نحاول أن نرصد بعض الحلول لمواجهة ومناهضة العنصرية والتمييز على أساس عنصري، ونستعين ببعض الاقتباسات والأقوال عن العنصرية في نهاية المقال.

تعريف العنصرية أنها الاعتقاد بوجود فروق ثابتة فطرية تميّز جماعة بشرية عن أخرى، وتجعل من فئة أعلى أو أدنى من فئات أخرى بناءً على معطيات مثل اللون والعرق والدين...إلخ، وتقوم العنصرية على النظرة الدونية للآخر وإنكار قدرته على التطور والارتقاء لفئة أعلى من وجهة نظر العنصريين. وينطوي مفهوم العنصرية على محورين أساسيين:[1]

  • المحور الأول هو وضع الصورة النمطية لجماعة معينة ووضع صفات ثابتة تميز هذه الجماعة، ومحاولة إثبات هذه الصورة النمطية بالقول "إن السمات الاجتماعية والأخلاقية محددة مسبقاً بخصائص بيولوجية فطرية".
  • المحور الثاني هو الفصل العنصري: السعي للفصل بين الفئات الاجتماعية المختلفة بناءً على الفروق العنصرية وعزل الأجناس والأعراق وأتباع الديانات المختلفة بعضهم عن بعض، من خلال ممارسات غير قانونية أو حتى من خلال قوانين رسمية في بعض الدول.

    تعتبر العنصرية واحدة من أقدم وأعقد الظواهر الإنسانية، بالتالي فإن أسباب العنصرية موضوع شائك ومعقد يمتد إلى آلاف السنين، كما أن دوافع وأسباب العنصرية متطورة مع التطور الإنساني، أي أننا نشهد أسباباً جديدة تغذي التفرقة العنصرية في المجتمعات بالتزامن مع نشوء واضمحلال الحضارات، ونحاول أن نوجز أبرز أسباب ودوافع العنصرية في الفقرات التالية:

    1. العنصرية مكتسبة وليست فطرية: المفارقة الأولى التي تواجهنا بالحديث عن أسباب العنصرية؛ أن اتهام جماعة عرقية أو دينية أو طبقة اجتماعية بالعنصرية هو بحد ذاته اتهام عنصري! لأن العنصرية ليست سمة موروثة أو فطرية، وإنما هي مجموعة من الأفكار والمبادئ التي يتم تعليمها لأفراد الجماعة وتتحكم لاحقاً في نظرتهم للآخرين.[2]
    2. العنصرية ليست فطرية لكنها موروثة وعابرة للأجيال: على الرغم من الاتفاق على أن العنصرية لا يمكن أن تكون فطرة إنسانية، وأن الشخص العنصري إنما يكتسب هذه السمة من خلال التربية والتعليم والتفاعل مع أعراف البيئة التي يحيى بها؛ إلّا أن العنصرية من السمات الموروثة اجتماعياً، بمعنى أنها تنتقل من جيل إلى جيل.
      هذا ما يدفعنا للقول "لا يكفي أن تمتنع عن نقل العنصرية للجيل الجديد، بل لا بد أن تعلمهم نبذ ومناهضة العنصرية أيضاً".
      تقول جينيفر ريتشيسون عالمة النفس الاجتماعي في جامعة Yale: "غالباً ما نعتقد أن الأمر يتطلب من الآباء تعليم أطفالهم بنشاط ليكونوا عنصريين، وإن لم يعلم الآباء أبناءهم ألّا يكونوا عنصريين؛ سيكونون كذلك!" [3]
    3. العنصرية سلاح سياسي: وليس من الغريب الإشارة إلى دور الحكومات والجماعات السياسية في تغذية النزعة العنصرية لدى الأفراد بشتى الوسائل، فهذه الجهات تتغذى على العنصرية والكراهية بين الناس، وتكسب نتيجة تغذية العنصرية أصواتاً جديدة في صناديق الاقتراع، أو حتى جنوداً مقاتلين.
      استعمل النازيون مثلاً العنصرية لتعبئة أكبر قدر ممكن من الشعب الألماني تحت مسمى "العرق الآري" مما منح ممارسة التطهير العرقي قبل الحرب العالمية الثانية تأييداً شعبياً كبيراً، كما كانت التربية العنصرية سبباً مباشراً لانخراط الناس في الجيش النازي وإرسال أطفالهم إلى شبيبة هتلر.
    4. العنصرية والعولمة: العنصرية ظاهرة قديمة جداً ظهرت بوضوح في مختلف مراحل التاريخ الإنساني المكتوب، لكنها غالباً ما كانت خاصّة بصراع الفئات الاجتماعية داخل المجتمع الواحد، أو صراع بين المستعمرين والسكان الأصليين، بين القوى الاستعمارية العظمى والشعوب الفقيرة والضعيفة...إلخ.
      لكن مع تطور وسائل الاتصال والتواصل بين الناس أصبح بالإمكان تتبع أنماط عنصرية دولية إن صح التعبير، لأن وسائل الإعلام الحديثة ترسّخ الأنماط العنصرية بشكل عابر للقارات، فتجد الإنسان العربي الذي لم يغادر مدينته قط يمتلك تصوّراً عن السود في أميركا ويتحدث عنهم وعن سماتهم الاجتماعية، دون حتى أن يتعامل معهم مرة واحدة! مستنداً إلى ما يراه في الأفلام الأمريكية وما يسمعه على لسان العنصريين البيض في أمريكا.
    5. الانغلاق الثقافي: ترتبط العنصرية ارتباطاً وثيقاً بمستوى معرفة الآخرين، فكلما كانت البيئة التي يعيش فيها الفرد منغلقة على ذاتها أكثر؛ كلما اكتسب عدد أكبر من الصور النمطية عن الآخرين وازدادت نظرته العنصرية تجاههم.
    6. العنصرية شكل من أشكال القلق والخوف الاجتماعي: لا ترتبط أسباب العنصرية بالكراهية فقط! بل قد تكون العنصرية شكلاً من أشكال الخوف والقلق الاجتماعي [2] فالفئات التي تشعر بعدم الأمان ناحية محيطها الاجتماعي، تحاول أن تبني سياجاً للحماية غالباً ما يتحوّل إلى مرحلة متقدمة من العنصرية المتبادلة.
      ومن نماذج العنصرية كحالة من القلق الاجتماعي ما نراه في أوقات انتشار الأوبئة، حيث تسببت أوبئة الفيروسات التاجية بالكثير من الحوادث العنصرية ضد الصينيين وسكان شرق آسيا بشكل عام لأن العنصريين يعتبرون أن كل من يمتلك شكل العين الآسيوية سيكون مصدراً محتملاً لنقل العدوى!

    أثبتت الأحداث التاريخية أن العنصرية قادرة على تمدير الدول وتفكيكها وتفتيت المجتمعات، وما زالت آثار العنصرية قادرة حتى اليوم على تعطيل النمو والتطور في بعص الدول، ونذكر هنا أبرز أضرار ونتائج العنصرية على المجتمع:

    • تعطيل سلطة القانون: العنصرية تؤدي بشكل مباشر إلى تعطيل سلطة القانون في الدولة نتيجة وجود معايير أخرى لدى الأفراد تتحكم بسلوكهم، ومثال على ذلك عمليات القتل التي قامت بها الشرطة الأمريكية بمواجهة أشخاص من أصحاب البشرة السوداء أثناء محاولة القبض عليهم، متجهين إلى الخيار الأخير وهو إطلاق النار بقصد القتل دون النظر إلى خيارات أخرى.
    • غياب تكافؤ الفرص بين أبناء الوطن الواحد: ومن نتائج العنصرية البارزة أيضاً الغياب التام لتكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع، حيث تؤدي العنصرية إلى صرف النظر عن معايير الكفاءة والجدارة مقابل معايير الانتماء الفئوي الضيق، ما يجعل الأشخاص المنتمين إلى الفئة المتحكمة يصلون إلى المناصب والفرص دون وجه حق على حساب الفئة المضطهدة.
    • فقدان الشعور بالانتماء: في ظل الاحتكام إلى العنصرية بدلاً من القانون، واللجوء إلى تأمين الفرص لفئة دون غيرها؛ يتولّد شعور لدى الفرد بعدم الانتماء للجماعة الكبيرة، وبانتماء أشد لجماعته المضطهدة الضيقة، هذا لا ينعكس فقط على التعاون الاجتماعي بين أفراد المجتمع الكبير، بل يؤدي أيضاً إلى توليد المزيد من العنصرية لدى الفئة المضطهدة "العنصرية المتبادلة".
      ولا عجب أن يكون تسرب العقول وهجرتها من أوطانها نتيجةً مباشرةً لفقدان الانتماء بسبب عدم تكافؤ الفرص واتباع التمييز العنصري كسياسة اجتماعية مباشرة أو غير مباشرة.
    • النزاعات والصراعات الداخلية بسبب العنصرية: بسبب العنصرية قد تؤدي الخلافات الاعتيادية الصغيرة بين شخصين إلى نزاع دموي على مستوى منطقة أو مدينة، أو حتى حربٍ أهلية تستمر لعدة سنوات، ما يعني أن العنصرية قنبلة اجتماعية قد تنفجر في أي لحظة.
    • تأثير العنصرية على الأفراد: لا يقل تأثير العنصرية على الأفراد خطورة عن نتائج العنصرية الاجتماعية، كما أن الأثر المباشر للممارسات العنصرية على الفرد يتحول لتأثير اجتماعي يجمع الأفراد المضطهدين عنصرياً، ويمكن تلخيص أبرز نتائج العنصرية على الفرد كالتالي:
      1. الإيذاء الجسدي: نتيجة للتنمر العنصري قد يتعرض الأفراد لإيذاء جسدي مباشر من أفراد أو جماعات على خلفية عنصرية، وقد تصل الأذية الجسدية إلى إنهاء الحياة في بعض الحالات.
      2. تأثير العنصرية على الصحة النفسية والجسدية: في ورقة بحثية نشرت عام 1984 تبيّن أن ضحايا العنصرية يعانون من آثار نفسية واضحة كنتيجة مباشرة للتمييز العنصري، منها الاكتئاب وتدني احترام الذات وتعزيز الشعور بالعجز.[4]
        فيما أشارت ورقة بحثية أخرى عام 2011 إلى أن الاستراتيجيات التي يتبعها الأفراد للتعامل مع التمييز والتفرقة العنصرية التي يتعرضون لها -وتشمل الامتصاص والتجاهل والإنكار وحتى تعاطي الكحول والمخدرات- قد تكون ذات آثار سلبية واضحة على الصحة.[5]
      3. العنصرية السامّة! حيث أشارت دراسة عام 2019 إلى أن العنصرية تمتلك تأثيراً سامّاً على الضحايا، ويمكن أن تلعب الممارسات العنصرية دوراً واضحاً بالإصابة بالالتهابات الخلوية المزمنة، والتي تساهم بدورها بحدوث النوبات القلبية والإصابة بالسرطان وغيرها من الأمراض الخطيرة والفتاكة، وأشارت الدراسة أن التمييز العنصري قد يكون سبباً لـ 50% من الالتهابات المزمنة لدى الأمريكيين من أصل أفريقي.[6]
      4. فقدان الحقوق والفرص: كما ذكرنا سابقاً؛ تُحدِث العنصرية خللاً بتكافؤ الفرص بين أفراد المجتمع، إما بشكل منظّم من خلال اتباع بعض الحكومات لسياسات عنصرية في التوظيف والتعليم والقطاعات المختلفة، وإما بشكل عشوائي من خلال وجود بعض العنصريين في مراكز "منح الفرص" حيث يمكن أن تكون العنصرية سبباً من أسباب البطالة المباشرة في بعض الدول، وقد تنعكس الممارسات العنصرية على الحق بالتعليم والحق بالاستشفاء وغيرها من حقوق المواطنة.

    تشير معظم الدراسات عن العنصرية التي راجعناها خلال إعداد هذا المقال إلى ضرورة علاج السبب وتقديمه على علاج الآثار، لأن وجود العنصرية هو المشكلة الأساسية والتي ستظل قائمة؛ حتى وإن قدمنا الدعم النفسي لضحايا العنصرية فهم معرضون للمزيد من ممارسات التفرقة والتمييز العنصري.
    وهذه أبرز استراتيجيات مناهضة العنصرية والحلول المقترحة لعلاج التمييز العنصري:

    1. القانون لمناهضة العنصرية: لا يمكن الحديث عن مناهضة العنصرية والحد من التفرقة والتمييز العنصري دون وجود قوانين حقيقية لمناهضة العنصرية والكراهية، هذه القوانين يجب أن تعمل على منع الفئات الأكثر قوة من الممارسات العنصرية بمواجهة الفئات الضعيفة، كما يجب أن تضمن تكافؤ الفرص في التعليم والعمل والاستشفاء وغيرها من حقوق المواطنة، مع وجود عقوبات رادعة للمخالفين، والتأكد من تقديم الدعم النفسي للأفراد الذين يعانون من العنصرية بوصفهم عنصريين أو ضحايا للتمييز والتفرقة العنصرية. [6]
    2. المعرفة وتقليص الفجوة المعرفية بين الثقافات: الاستسلام للصور النمطية للفئات الاجتماعية الأخرى يعتبر من العوامل الحاسمة في تعزيز ممارسات التفرقة العنصرية، لذلك تنصح الأمم المتحدة الأفراد بالتعرّف عن قرب على ثقافة الفئات الاجتماعية الأخرى من خلال قراءة كتب عن الأعراق الأخرى أو متابعة انتاجهم الثقافي، والتعرف إلى قصص التغلب على التمييز العنصري.[7]
    3. التركيز على الجيل الجديد ليكون متسامحاً مع الاختلاف وواعٍ لمناهضاً للعنصرية، فعلى الرغم من إمكانية تعديل سلوك الكبار العنصري، إلّا أن معظم وسائل مناهضة العنصرية تعمل على منع مشاعرهم وأفكارهم العنصرية من الانتقال لتصبح سلوكاً اجتماعياً، وعلى منع وقوع الضرر النفسي والجسدي على الفئات المستهدفة بالممارسة العنصرية.[6]
      فيما يعتبر العمل مع الأطفال الصغار على توضيح مفهوم الاختلاف الثقافي والعرقي والديني وتعزيز التسامح وتقبّل الآخر؛ هو الحل المثالي لكسر حلقة العنصرية الموروثة، ولا شك أن بعض المجتمعات بدأت تحصد ثمار الجهود الرامية لتنشئة جيل غير عنصري.
      ونذكر هنا ما يتفق عليه الباحثون في علم الاجتماع وعلم النفس "لا يكفي أن تمتنع عن تعليم أبناءك العنصرية، بل يجب أن تعلمهم مناهضة العنصرية ورفض التمييز والتفرقة".
    4. مراقبة الذات: نعتقد أن مناهضة العنصرية مسؤولية حكومية واجتماعية بالدرجة الأولى، لكن لا يمكن لمناهضة العنصرية أن تتحول لأمر واقع إن لم يعمل الأفراد على تصحيح أفكارهم ومعتقداتهم العنصرية، ومراقبة الذات يبدأ من فهم الاختلافات مع الآخرين، ورفض الانجرار في الدعابات العنصرية المقيتة أو الانصياع لجماعة التنمر العنصرية والمشاركة بالممارسات العنصرية مهما كانت، ثم بالعمل على توعية الناس بمناهضة العنصرية، وتقديم الدعم الممكن لضحايا العنصرية.
      "إن لم تكن تفعل شيئاً لمناهضة العنصرية فيجب أن تفعل، وإن كنت تفعل شيئاً لمناهضة العنصرية؛ يجب أن تفعل أكثر!"
    • "الظلم لواحد هو ظلم للجميع" مارتن لوثر كينج جونيور.
    • "الجهل والتحيّز صناعة الدعاية، لذا فإن مهمتنا هي مواجهة الجهل بالمعرفة والتعصب بالتسامح والانعزال بيد الكرم الممدودة، يمكن أن تُهزم العنصرية وسوف ويجب أن تُهزم" كوفي عنان.
    • "الإنجازات لا لون لها" أبرهام لينكولن.
    • "العنصرية هي الاعتقاد بأن الاختلاف في العنصر يؤدي الي اختلاف السلوك والقدرات" علاء الأسواني.
    • "الأشخاص الذين يصرون على تقسيم العالم إلى (نحن وهُم) لا يفكرون أبداً في أنهم قد يكونون من الـ (هُم) أيضاً" راي أ. ديفيس.
    • "الترخيص بحياة أي مجموعة من الناس، يقلل من قيمة حياة جميع الناس، حتى حياتنا؛ هذا هو قانون علم النفس البشري، أو الطبيعة البشرية" وليام بيكنز.
    • "إذا سُمح له الاتصال بالأجانب سيكتشف أنهم مخلوقات تشبهه، وأن كل ما تم إخباره به عنهم مجرد أكاذيب!" جورج أورويل.
    • "العنصرية تنبع من الجهل" ماريو بالوتيلي.
    • "يجب أن نتعلم العيش معاً كأخوة أو نهلك معاً كحمقى!" مارتن لوثر كينج جونيور.

    المصادر و المراجعadd