إن الشرط الرئيسي لزواج أي فردين في أي مجتمع من المجتمعات هو الرضا المتبادل بين الطرفين، إلا أن الزواج المبكر لا يخضع بالضرورة لهذه القاعدة بل أنه في كثير من الأحيان يشذ عنها، فالزواج بعمر صغير يعني عدم توفر الوعي والنضج لدى الطرفين أو طرف واحد على الأقل، مما يؤثر بالضرورة على إرادتهما التي تكون غالباً غير سليمة. لتعرف أكثر عن هذا الموضوع الحسّاس تابع معنا هذا المقال.


الأسئلة ذات علاقة


أسباب الزواج المبكر

لماذا ينتشر الزواج المبكر في المجتمع؟
برغم وجود العديد من القوانين التي تنص على عدم السماح بالزواج المبكر، لا يزال الزواج المبكر واسع الانتشار في مناطق مختلفة حول العالم، مما يدعونا للاستطلاع والبحث في الأسباب المؤدية لهذا النوع من الزيجات بالرغم من حملات التوعية الضخمة المناهضة لها. لنكتشف هذه الأسباب سوياً ضمن هذه الفقرة من مقالنا.
الفقر هو السبب الأكثر شيوعاَ للزواج المبكر بين الفتيات، يقوم أفراد الأسر الفقيرة المسؤولين عن هذه الفتيات باتخاذ قرار زواجهن من أحد الشبان أو الرجال الذين يمتلكون المال. حيث تقوم الأسر التي تعاني من صعوبات مالية بالغة بترتيب وتجهيز فتياتها للزواج كي يستطيعون التوقف عن إعالتها. كما أن العديد من الشبان والرجال في البلاد التي يدفع فيها العريس تكاليف الزواج يلجؤون للزواج من فتاة صغيرة بالسن بسبب مهرها القليل فهي لا تحتاج الكثير من المال للاهتمام بنفسها وبجمالها.  أما في المناطق التي تكون فيها عائلة الفتاة مسؤولة عن تكاليف الزواج، يقوم الأهل بتزويج فتياتهم الصغيرات بالسن لأنهن لا يتطلبن الكثير من المال لتحضيرهن كزوجات.

العادات والضغوطات الاجتماعية: غالباً ما تكون الممارسات التقليدية في أي مجتمع غير مشكوك فيها وغير قابلة للتغيير لأنها كانت حجر أساس في المجتمع لفترة طويلة جداً.  ففي العديد من البلدان ينظر إلى الزواج على أنه اتفاق عمل بين العائلات يرتبها عادة كبار السن المسؤولين عن إعالة الفتيات والشبان، حيث يعتبر الزواج من أجل الحب أمر خارجاَ عن نطاق المألوف ومستهجناً في هذه المناطق. يمكن أن يؤدي الضغط المجتمعي داخل المجتمع أيضاً إلى دفع العائلات إلى تزويج بناتها الصغيرة، حيث تتعرض الأسر هذه لضغوطات اجتماعية لتزويج بناتها لمنعهن من إقامة علاقات رومانسية أو جنسية قبل الزواج.

انعدام الأمن كسبب للزواج المبكر: ينظر إلى الزواج على أنه غطاء يؤمن الاحترام والحماية للمرأة. لذلك تقوم العديد من العائلات في العديد من الدول حول العالم بحرمان بناتهن من حقهن في الحصول على التعليم وتزويجهن بعمر مبكر. حيث يعتقدون أن زواج الفتيات بعمر مبكر يقلل من خطر النشاط الجنسي خارج المنزل أو التعرض للمضايقات أثناء التنقل. الفتيات الصغيرات اللواتي يمشين بمفردهن إلى المدرسة معرضات لخطر الاستغلال الجنسي أو الاغتصاب -ومن شأن ذلك أن يجلب العار للأسرة وينهي أي أمل في الزواج في المستقبل. كما يزداد زواج الأطفال أو الزواج المبكر أيضاَ في أوقات الأزمات الإنسانية أو بعد وقوع كارثة طبيعية. فالحالات الطارئة للاجئين والفيضانات والزلازل والحروب وغيرها من الأزمات تدفع بالأسر المستضعفة إلى حافة الهاوية لذلك يلجأ الآباء إلى تزويج بناتهم الصغيرات من الرجال الأكبر سناً كطريقة لحمايتهن من العنف والفقر المترتبات على انعدام الأمن والأمان.
الفقر والضغط المجتمعي وعدم وجود الأمان هي أسباب رئيسية للزواج المبكر حول العالم، إلا أنها ليست الأسباب الوحيدة التي تؤدي إلى نشوء هذه الظاهرة، لنرى معاَ الأسباب الأخرى التي تدفع العديد من المجتمعات للجوء إلى الزواج المبكر.

التمييز بين الجنسين: تقتصر ظاهرة الزواج المبكر غالباً على المجتمعات التي تؤمن بعدم المساواة بين النساء والرجال، أي أنهم يصدقون بالثقافة التي تقول بأن المرأة أقل قيمة من الرجل في جميع مجالات الحياة. حسب تقرير اليونسف حول الزواج المبكر والقوانين المتعلّقة بهذا الموضوع، فإن الزواج المبكر في كثير من الأحيان يظهر على شكل العنف المنزلي ضد الفتيات والاغتصاب الزوجي لهنّ وحرمانهن من الغذاء والتعليم والرعاية الصحيّة.

عدم كفاءة القوانين المتعلقة بالزواج: تقوم العديد من البلدان بسن قوانين تحظر الزواج المبكر وتجرّمه، إلا أن هذه القوانين غير كافية بسبب قيام هذه الحكومات باستثناءات تشمل فئات عرقية أو دينية معينة كما فعلت الحكومة الأفغانستانية، حيث أنها سمحت لمواطنيها الشيعة بالزواج المبكر رغم أن قوانين البلاد تجرمه. ينطبق الأمر ذاته على بعض البلدان العربية مثل مصر، فبالرغم من وجود قانون يمنع الزواج المبكر في مصر، لا يزال الزواج المبكر شائعاً هناك حيث تقوم العائلات بتزويج فتياتها تحت السن القانوني بالسر ودون اللجوء لتوقيع أوراق رسمية حكومية.
 


نتائج الزواج المبكر

ما هي عواقب الزواج المبكر؟
تترتب على الزواج المبكر العديد من النتائج السلبية الوخيمة، منها ما هو صحيّ ومنها ما هو ثقافي إضافة إلى الجانب النفسي والاجتماعي الهام. لنقرأ معاً هذه النتائج ضمن هذه الفقرة من مقالنا.

النتائج الصحيّة للزواج المبكر
تتعرض الفتيات اللواتي يتزوجن بسن مبكرة للعديد من المشكلات الصحية حيث يكنّ أكثر تعرضاً لسرطان عنق الرحم والملاريا، كما أنهن معرضات أكثر من غيرهن لولادات مبكرة لأطفالهن مما يضع أطفالهن أيضاً لأخطار متعددة. بالرغم من الاعتقاد السائد لدى بعض المجتمعات بأن الفتيات المتزوجات أقل عرضة للأمراض المنقولة جنسياً، فإن الحقيقة مغايرة لذلك تماماَ، حيث أن الفتيات المتزوجات عموماً والمتزوجات بعمر مبكر خصوصاً أكثر عرضة للإصابة بالأمراض المنقولة جنسياً وبشكل خاص فيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز).

النتائج الثقافية للزواج المبكر
إن النتائج الصحية الخطيرة المترتبة على الزواج المبكر تؤثر خصوصاً بالفتيات وليس بالشبان، إلا أن النتائج الثقافية لها تأثير واضح ومهم على كلا الجنسين. حيث أن الشبان والفتيات اللذين يتزوجن في عمر مبكر يلجؤون إلى ترك التعليم مهما اختلفت أعراقهم وأفكارهم ومعتقداتهم، فمن الواضح أن آثار الزواج المبكر الثقافية تتخطى الفروقات الجنسية والدينية والعرقية لتصبح آثاراً عالمية طاغية على جميع الفئات العمرية الصغيرة بالسن ممن يقومون بالزواج مبكراً.

النتائج النفسية للزواج المبكر
يرتبط الزواج المبكر بالصحة العقلية بشكل وطيد وخصوصاً عند الفتيات، حيث أن الفتيات اللواتي يتزوجن بعمر صغير يعانين من نقص أو انعدام الراحة النفسية بسبب العديد من العوامل التي تترتب على الزواج المبكر كالعنف الأسري والمسؤوليات الكبيرة والحمل والإنجاب بعمر صغير. مما يجعل من الفتيات اللواتي تزوجن بعمر 12 عاماً تقريباً يعانين من نقص أكبر في الرفاهية النفسية من نظيراتهن اللواتي تزوجن في سن 18 عاماً أو أكبر.

النتائج الاجتماعية للزواج المبكر
لا يؤثر الزواج المبكر على الأفراد الذين على علاقة مباشرة به وحسب بل تتعدى نتائجه النطاق الخاص لتشمل المجتمع كلّه. وضعت منظمة الأمم المتحدة أهدافاً للتنمية المستدامة وهي جدول أعمال للتنمية المستدامة يجب تحقيقه بحلول عام 2030م للوصول إلى مجتمع سليم وصحّي في جميع أنحاء العالم، إلا أن هذه الأهداف لا يمكن الوصول إليها دون القضاء على ظاهرة الزواج المبكر وذلك لارتباطها الوثيق بهذه الظاهرة. نذكر لكم هذه الأهداف التي ترتبط بشكل مباشر بالزواج المبكر وأهمية القضاء عليه في الفقرة القادمة.

أهمية مواجهة الزواج المبكر

القضاء على الفقر: 
يساهم الزواج المبكر في حرمان الفتيات الفقيرات من جميع الفرص التعليمية والمهنية مما يؤدي إلى إبقاء حالتهم المادية كما هي، وبالتالي استمرار الفقر.

القضاء على الجوع:
تعاني الفتيات اللواتي تزوجن في سن مبكر من معدلات عالية من سوء التغذية بسبب العنف الأسري أو الفقر أو الحمل المبكر والمتكرر، كما يعاني الأطفال المولودين من زواج مبكر من سوء التغذية، حيث أنهم من المرجح أن يموتوا قبل ميلادهم الخامس.

الصحة الجيدة والرفاه:
تتعرض الفتيات اللواتي يتزوجن بعمر مبكر لضغوطات كبيرة لإنجاب الأطفال مما يعرض صحتهن للخطر، حيث يموت في كل عام 70,000 مراهقة في البلدان النامية لأسباب تتعلق بالحمل والولادة.

التعليم الجيد المنصف والشامل للجميع:
يحد الزواج المبكر من قدرة الفتاة على الذهاب للمدرسة وتعلم مهارات جديدة والاستفادة من هذه المهارات في فرص العمل المتاحة. كما أن التعليم هو أقوى الأدوات التي تساعد في إنهاء الزواج المبكر إلا أن الكثير من العائلات تحرم فتياتها من حق التعليم بسبب تزوجيهن بعمر مبكر.

المساواة بين الجنسين:
تعتبر العلاقة بين الزواج المبكر وعدم المساواة بين الرجل والمرأة علاقة وطيدة ومتجذرة، حيث أن الفتيات يُحرمن من حقهن في اختيار طريقهن الخاص في الحياة، ومن يتزوجن بسبب الزواج المبكر الذي لا يعترف بهذا الحق للفتيات ويجبرهن على اتخاذ طريق واحد محدد.

النماء الاقتصادي:
إن الفتيات اللواتي يتزوجن بسن مبكرة يخرجون بشكل كامل من سوق العمل والقوى العاملة في المجتمع، حتى الفتيات الصغيرات اللواتي يسمح لهنّ بالعمل تكون فرصهن أقل أجراً لأنهن لم يكملن تعليمهن. إضافة إلى ذلك، يكلّف الزواج المبكر العديد من الدول تريليونات الدولارات من خلال تأثيره على الخصوبة والنمو السكاني وصحة الأطفال وفقاً للبنك الدولي والمركز الدولي لبحوث الأطفال.

الحد من أوجه عدم المساواة:
لا تتمتع الفتيات الصغيرات اللواتي تزوجن بسن مبكرة بأي نوع من السلطة في اتخاذ القرارات في منازلهن أو مجتمعاتهن المحلية مما يقلل من فرص مشاركتهن بشكل كلي في المجتمع، وبالتالي يؤدي هذا إلى تهميشهن من قبل المجتمع ومعاملتهن بطريقة مختلفة عن غيرهن، مما يعزز عدم المساواة في هذا المجتمع.

السلام والعدالة والمؤسسات القوية:
غالباً ما تواجه الفتيات الصغيرات المتزوجات العنف على أيدي أزواجهن أو أقاربهن، وتتعدد أشكال هذا العنف من عنف لفظي أو جسدي أو جنسي أو حتى الحمل المبكر القسري. لا تتحقق العدالة المجتمعية دون إنهاء العنف ضد الأطفال وبالتالي القضاء على الزواج المبكر.

في النهاية، بالرغم من وجود العديد من الأسباب والعوامل القاهرة التي تساهم في ازدياد انتشار ظاهرة الزواج المبكر، إلا أن الحد منها والقضاء عليها واجب عالمي يجب أن يتم العمل عليه من قبل العديد من المنظمات والمؤسسات الدولية والعالمية بالتعاون مع المنظمات المحلية في كل مجتمع تنتشر فيه ظاهرة الزواج المبكر. كما لا يمكننا إنكار أهمية التدخل الحكومي للحد من الزواج المبكر، حيث يمكن للحكومات القضاء على هذه الظاهرة من خلال سن العديد من القوانين والتشريعات التي تمنع وتحظر الزواج المبكر ضمن أراضيها وملاحقة كل من يقوم بخرق هذا القانون ومعاقبته قانونياً. 
هدفنا من هذا المقال هو نشر التوعية اللازمة والضرورية حول الزواج المبكر وآثاره ونتائجه الوخيمة في البلدان العربية التي عانت وما زالت تعاني من انتشار هذه الظاهرة في العديد من أراضيها. بالرغم من انتشار الفقر والأمية في بعض المناطق العربية الذي يؤدي بالضرورة إلى انتشار ظاهرة الزواج المبكر، إلا أن هذا الأمر ليس مبرراً لنشوء ظاهرة سامّة كهذه. ما رأيك أنت في هذه الظاهرة؟ هل تؤيدها؟ شاركنا رأيك حول هذا الموضوع.