لا يوجد أسعد من الأب أو الأم الذين يعرفون أن أطفالهم يحبونهم ويحترمونهم وينصتون لكلامهم، إلا أن الأمر قد يصل في بعض الأحيان إلى حب من نوع آخر، وهو التعلّق الزائد عن حدّه بالأهل. تعتبر هذه العادة سيئة وغير صحية على الإطلاق في العلاقة بين الأهل والأطفال، حيث يصبح الأهل نافرين من أطفالهم ومن تعلّقهم الزائد، كما يصبح الطفل شديد الاعتماد على الآخرين ومن الممكن أن يؤدي الأمر إلى مشاكل مستقبلية عديدة. سنقوم في هذا المقال بمناقشة هذه الحالة من شتى الجوانب، كما سنقوم بالتحدث عن الأسباب المؤدية لها والطرق التي تخفف منها، تابعوا معنا. 


ذات صلة


أسباب تعلّق وتمسّك الأبناء بآبائهم

ما هي الأسباب التي تكمن خلف التعلّق الزائد للأطفال بذويهم؟
هل تعانون من تعلّق ابنكم أو ابنتكم الزائد بكم؟ هل تشعرون أنهم في جميع الأوقات بحاجة لأن يكونوا قريبين منكم؟ هل استمرت هذه الحالة عند أطفالكم حتى في سن متأخرة ورغم وصولهم إلى مرحلة المراهقة؟ يقلق العديد من الأهل بسبب ظهور هذه الحالة، ويفترضون أن طفلهم يعاني من نوع ما من المشاكل العاطفية. إلا أن الأمر ليس خطير إلى هذا الحد، بل هي حالة لها أسبابها الواضحة التي تؤدي إلى حدوثها. يعبّر العديد من الأطفال عن حبّهم لآبائهم عبر الاتصال البدني، لذا نرى أن بعض الأطفال يقومون بالاتصال الجسدي مع الأهل أكثر من غيرهم. سنقوم في هذه الفقرة بشرح الأسباب الأربعة التي تكمن وراء تعلّق الأطفال الزائد بذويهم.

- الحاجة إلى اللمس
في إحدى النظريات التي درست تصرفات وسلوكيات الأطفال، تبيّن أنه يوجد ما يسمّى باللغات الخمسة للحب، ومن الممكن أن تكون لغة الحب الأولى لطفلك هي اللمس. يعاني الكثير من الأهل من تصرفات أطفالهم، حيث يقومون بالتعلّق بهم جسدياً والإمساك بهم في الكثير من الأوقات التي يحتاج بها الأهل لأن يقوموا بإتمام مهامهم اليومية الضرورية كتحضير الطعام مثلاً. يقوم بعض الأطفال بالإمساك بالأهل ومعانقتهم لفترة طويلة دون أن يكونوا بحاجة إلى أي شيء، إلا أن السبب وراء هذه الحالة هو حاجتهم للمس، فهذه هي طريقة تعبيرهم عن الحب.

- الخوف
يختلف الأطفال فيما بينهم في حساسيتهم للمواقف الجديدة التي يتعرّضون لها، حيث يحتاج العديد من الأطفال إلى الكثير من الصبر والطمأنينة حتى يستطيعوا التكيّف. يعاني العديد من الأهل من مشكلة قلة التواصل الاجتماعي لأطفالهم التي تنجم عن عدم رغبة الطفل في القيام بالأنشطة الاجتماعية دون وجود أحد والديه الذي يتعلق به هذا الطفل تعلق شديد. يعود السبب إلى التوتر من الوجود في وسط اجتماعي يحتوي على ناس غرباء، وحاجة الأطفال إلى الطمأنينة والثقة بقدراتهم اللتان يحصلون عليهما عن طريق الأهل.

- المخططات غير المتوقعة
يحتاج بعض الأطفال حقاً إلى روتين وحياة منزلية ثابتة. تساعد المخططات المتوقعة الأطفال على الشعور بالأمان والطمأنينة، حيث يمكن للطفل الصغير أن يشعر بعدم الأمان والخوف عندما تمتلئ حياته بالإجهاد والاندفاع. إن انجاز عدد أقل من المهام اليومية ووجود بيئة مسالمة يساعدهم على الشعور بالطمأنينة بأنفسهم. لذا يتعلّق الأطفال أحياناً بأحد ذويهم بشكل كبير في حال كان منزلهم خال من الروتين أو في حال حدوث بعض المشاكل المنزلية، حيث لا يعرف جميع الأطفال كيفية الفصل بين مشاعرهم وبين المشاعر التي يلتقطونها في المنزل من بقية الأشخاص. 

- الملل
عندما يشعر الطفل بالملل نتيجة قلة الأنشطة الاجتماعية أو قلة الأصدقاء من حوله أو حتى عدم وجود أخوة قريبين من سنه داخل المنزل، يقوم هذا الطفل بالتعويض عن هذا الملل بالتعلّق الزائد بالأهل وبالتشبث الدائم بهم. 
 

ذات علاقة


طرق مساعدة على تخفيف تعلّق الأطفال بذويهم

ما هي الأمور التي يمكن أن يقوم بها الأهل كي يخففوا من عبء التعلق الزائد للأطفال؟
إن التعامل مع الطفل المتعلّق بذويه ليس أمراً صعباً أو محبطاً على الإطلاق، بالرغم من كون الأمر مسؤولية حتمية للأبوة والأمومة. يجب على الأهل أن يقوموا بتعليم أطفالهم كيفية إدارة عواطفهم وردات فعلهم تجاه المواقف الجديدة أو المخيفة التي يتعرضون له، كي لا تظهر ردات الفعل هذه على شكل تعلّق زائد بأحد الأبوين. تابعوا معنا هذه الخطوات التي من شأنها أن تساعدكم في هذا الموضوع. 

ساعدوهم في التأقلم مع التجارب الجديدة
إن أقوى الأسلحة في المعركة التي يخوضها الأهل ضد التعلّق الزائد هي معرفة الأطفال لما سيحدث. إن التعامل مع الطفل المتشبث يعني التعامل مع الطفل المتمسك بروتين ما، لذا عند قيامك بالانحراف والابتعاد عن هذا الروتين – وهو أمر طبيعي جداً في الحياة – سيصبح طفلك منعزلاً وخجولاً. على سبيل المثال، عند تحديدكم لموعد زيارة للطبيب، أخبروا طفلكم مسبقاً بشأن ما سيحدث وما يمكن أن يتوقع حدوثه، حيث يمكنكم القول: "أن الطبيب هو مجرد صديق يرغب بالتأكد من أنك قوي وصحي، سيقوم الطبيب بوضع السماعة على صدرك للاستماع إلى تنفسك، وسنكون معك طوال الوقت."
إن كنتم تقومون بالتخطيط للذهاب إلى رحلة معينة، وكان طفلكم من النوع المتعلق بشدة وتعرفون أنه لن يترك يدكم طوال الوقت بسبب كسر الروتين، يمكنكم إلقاء نظرة على صور المواقع التي تخططون زيارتها حتى لا يحدث أي شيء غير مألوف عند وصولكم. 

تعرّفوا وتحققوا من مشاعر طفلكم
إن الجزء الوحيد المحبط في تعاملك مع طفلك المتشبث بك هو أن الأسباب التي تكمن وراء هذا التشبث والإفراط في التعلق غير واضحة بشكل كامل بالنسبة للبالغين. حيث يعتقد بعض الأهل أن السبب الوحيد وراء هذا التعلق هو الملل والضجر، إلا أن الأمر أبعد من ذلك. فكر بالأمر عبر هذا المثال: إن قيامك بالذهاب مع طفلك إلى تناول الغداء مع الأصدقاء هو أمر طبيعي جداً بالنسبة لك، إلا أن طفلك سيشعر بأنه محط انتباه هؤلاء الأصدقاء كما سيسمع العديد من الأصوات الغريبة سواء من الناس أو المطعم دون أن يكون معتاداً على هذا النوع من الضجيج مما يسبب له صدمة تجعله يتشبث بك طوال فترة الغداء.

اجعلوا طفلكم مرتاحاً
ضمن نطاق ما هو معقول وصحي ومقبول، لا تحرم طفلك من العاطفة الزائدة التي يحتاجها كي لا يصاب بالإهمال العاطفي، قم بمعانقته عندما يحتاجك وابق معه في نفس الغرفة إن قام بطلب ذلك. لا ترفض جميع طلباته بحجة تعليمه على العادات الصحيحة والعادات السيئة وكي تبقيه بعيداً عن التعلّق الزائد بك. دع طفلك يتشبث بك عندما تشعر أنه بحاجة لذلك، ومن ثم سيقوم طفلك بعد أن أخذ منك الحب والطمأنينة التي يحتاجها بالعودة إلى اللعب والاستكشاف والتواجد مع الأطفال الآخرين.

إليكم بعض الحلول الأخرى التي تعزز من شعور أطفالكم بالحب والطمأنينة دون أن تجعلهم متعلّقين ومتشبثين بشكل غير صحي بكم، تابعوا معنا هذه النصائح.
- قل وداعاً

من المرجح أن طفلك لا يتقبل فكرة ذهابك بعيداً عنه في الأنشطة الاجتماعية والمدرسية، إذاً المشكلة تكمن في الطريقة التي تقول له بها وداعاً، يمكنك القيام ببعض الأمور التي تسهل على طفلك الأمور.
1- أخبر طفلك عن موعد عودتك إليه والتزم بالموعد.
2- استخدم عبارة فيها القليل من المرح والفكاهة عندما تقول له وداعاً كي لا يشعر بجدية الأمر.
3- لا تقم بالعودة أو بالبقاء في حال قام طفلك بالمبالغة في ردة فعله تجاه الموقف، فأنت بذلك تجعله يفهم بأنه إن قام بالصراخ أو البكاء ستعود له في كل مرة.
4- لا تتسلل وتذهب دون أن تخبره، لإن الأمر خطير على ثقة طفلك بنفسه وعلى شعوره بالنقص.

- ابني استقلالية طفلك
إن كان طفلك متعلق بك بشكل كبير، فحتماً يكمن هدفك الأكبر ببناء الاستقلالية لطفلك. امنح طفلك مهاماً مناسبة لعمره ليكملها بمفرده، مثل ترتيب الألعاب أو إعداد الطاولة لتناول الطعام. عليك أن تقوم بتقديم المديح لطفلك عندما يقوم بأي فعل مستقل، مثل اللعب بمفرده لفترة زمنية محددة أو استخدام الحمام دون وجودك معه. من شأن هذا المديح أن يرسل رسالة في غاية الأهمية إلى طفلك، مفادها أنه لا يحتاج لأن يكون متشبثاً كي يكون ناجحاً.
تحلّى بالصبر لأن الأمر يأخذ وقتاً ويحدث عبر مراحل متدرجة، كي يصل طفلك إلى المرحلة الصحية من الاستقلالية، ومع ذلك في حال كنت تشعر بأن طفلك متشبث بشكل شديد، يمكنك التواصل مع طبيب الأطفال الخاص بك أو مقدم الرعاية النهارية في المدرسة أو الروضة.

في النهاية، نتمنى أن يكون المقال قد قدّم صورة شاملة وواسعة حول موضوع التعلّق والتمسّك الزائد عند الأطفال، وأن تكونوا قد استفدتم من شرحنا ومناقشتنا لهذه الفكرة ومن النصائح التي قدمناها لكم. شاركونا تجاربكم مع أطفالكم ضمن التعليقات، وشاركونا تساؤلاتكم عبر التواصل مع خبراء موقع حلوها.