تعني سعة الحيلة.. القدرة على التعامل مع مشكلة واحدة بطرق مختلفة، وتنطوي هذه القدرة على أن يكون الشخص خلاقاً؛ ليتابع الحلول في أكثر من اتجاه، فماذا عن الدهاء وسعة الحيلة عند الطفل، ما هي أهميتها؟ وكيف تكتشفها وتعمل على تعزيزها؟.



محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- دهاء الطفل
2- تعليم الدهاء للطفل!
3- أهمية الدهاء للأطفال
4- مراجع ومصادر


دهاء الطفل

ما هو الدرس الذي نعلّمه للطفل من خلال سعة الحيلة؟
الدهاء وسعة الحيلة.. ليست قدرة فطرية، إنما يتم تعلمها واكتسابها بمرور الوقت من خلال مجموعة متنوعة من التجارب، ولتطوير هذه المهارة لدى الطفل؛ يحتاج إلى التعرض لمواقف تمكنه منها، وتوفر فرصة النجاح للطفل، حيث يصبح واثقاً من نفسه ويكتسب مهارات حل المشكلات، كنتيجة للانخراط في أنشطة تتطلب سعة الحيلة، فمثلاً الألعاب التي تشجع الدهاء؛ تساعد الأطفال على اكتساب الإبداع والمثابرة بطريقة ممتعة ومسلية، وأهم الدروس هي أنك:

- تقدم لأطفالك هدية بتشجيع هذه المهارة: فأنت تعلّمهم أنهم إذا واجهوا المصاعب خلال عيشهم الحياة؛ فهذا لا يعني أن يتوقفوا عندها، فلكل مشكلة حلّ.. وهناك دوماً طريقة لتحقيق نتيجة.

- تمكين أطفالك بتعليمهم سعة الحيلة: ستمنحهم المهارات الحياتية التي يحتاجون إليها للتغلب على أي هزات قد تعترض حيواتهم، كون الحيلة هي مواجهة التحديات، وقضاء بعض الوقت في التفكير بأي تحدي، ثم استخدام أي موارد متاحة لحل مشكلة هذا التحدي.


تعليم الدهاء للطفل!

كيف يمكن تشجيع أو تعليم سِعة الحيلة؟
هناك العديد من الطرق لتعليم سعة الحيلة للأطفال، أبرزها المهام المنزلية مثل: القيام بترتيب الملابس أو مساعدتك للتسوق في البقالة، كما أن أطفالك عندما يرون أنك تتعلم مهارات جديدة، فإنهم يرغبون في تعلم مهارات جديدة أيضاً، ويمكنك إثارة الدهاء لدى أطفالك من خلال السماح لهم بمشاركة الأفكار في أي خطوة تخص حياتكم العائلية، بدءاً من إعادة ديكور الغرف حتى التخطيط للعطلة الصيفية، حيث سيستمتعون بالتخطيط والعمل الفعلي والفخر بأنهم فعلوا ذلك بأنفسهم، لذلك لن يتعلموا الدهاء فحسب، بل سيتم تعزيز احترامهم لذاتهم أيضاً، دعنا نبدأ بالحديث عن طرق تعزيز سعة الحيلة والدهاء لدى أطفالك، وقدرتهم على تحقيق أهدافهم، ونستعين هنا بما تحدثت حوله الاختصاصية النفسية ومدربة أولياء الأمور؛ الدكتورة مارلين برايس ميتشل[1]

- مشاركة قصص النجاح: إن قراءة السير الذاتية والقصص عن أشخاص استطاعوا ترك بصماتهم في الحياة؛ طريقة ذكية للتواصل مع أطفالك، حيث تتضمن هذه الحكايات القواسم المشتركة، التي تتحدث عن قدرة هؤلاء على رؤية ما وراء الحلول التقليدية للمشاكل اليومية، كذلك عدم الاستسلام عندما تزداد المشكلات تعقيداً، بالإضافة إلى التعلم من الأخطاء التي تحصل، لذا تحدث مع أطفالك عن الأشخاص المشهورين والأشخاص العاديين، الذين لديهم دهاء وسعة الحيلة؛ ماذا فعلوا؟ ولماذا؟ وكيف حققوا أهدافهم؟

- التخلي عن المثالية وأفكار الكمال: حيث تؤثر هذه الأفكار على قدرة الطفل على تحقيق الأهداف، لذا على الوالدين مساعدة الأطفال على تجنب مخاطر الكمال، من خلال التركيز على عملية التعلم وليس فقط النتيجة، بالإضافة إلى احترام الفشل والصفات غير المثالية في شخصيته، كذلك من خلال مساعدته على وضع أهداف واقعية، وأنت بذلك تدعم تربية طفل مثالي على طريقته!.

- مبادئ حل المشكلات: عندما يفهم الأطفال أربعة مبادئ بسيطة لحل المشكلات، يتعلمون تطبيقها في جميع جوانب حياتهم وهي: فهم المشكلة - وضع خطة - تنفيذ الخطة – التحقق (التفكير بما قمت به؛ في حال نجح أو لم ينجح في حل المشكلة)، لقد قام مدرس الرياضيات جورج بوليا (George Polya) عام 1945، بتطوير هذه المبادئ البسيطة[2]، وما زالت تعتبر أساس لحل المشكلات حتى يومنا هذا.

- تعزيز قوة التفكير: يستحق "التفكير والتحقق".. وهو الرابع في نهج بوليا لحل المشكلات؛ التعزيز من خلال تشجيع طفلك على مراجعة عمليات التفكير في حل المشكلات، فماذا تعلّم؟ وماذا سيفعل بطريقة مختلفة في المرة القادمة؟ وهذه العملية لا تطور سعة الحيلة والدهاء فحسب، بل تزيد من الوعي الذاتي عند الطفل.

- إشراك الأطفال في عملية صنع القرار: عندما يشارك الأطفال بفعالية باتخاذ القرارات الأسرية، مثل تخطيط قائمة التسوق أو تنظيم حفلة ما، كذلك الإجازات والأنشطة العائلية التي يجب إقامتها، وكيفية تقسيم المهام الأسرية؛ فإنهم يتعلمون؛ عملية صنع القرار، وتحسين المهارات، وزيادة الثقة بالنفس، كما يكتسبون خبرة في مناقشة الأفكار والمشاعر والتفاوض بشأنها وكيفية إيصالها للآخرين، وهذه جميعها من جوانب مهارة الدهاء، وتقول الدكتورة مارلين: "تعزز العائلات التي لديها اجتماعات مجلس إدارة منتظمة؛ قدرات أفرادها على التعاون وتحقيق الأهداف".
    
- التعلم مدى الحياة: يعد الاستكشاف العلمي نشاطاً ممتعاً للأسرة، وطريقة مثالية لتطوير سعة الحيلة لدى الطفل، فعندما يستطيع الأطفال اختيار أنشطتهم الخاصة، كذلك المشاركة في التخطيط واتخاذ القرارات وحل المشكلات؛ تنمو أدمغتهم وتتطور بطرق تخدمهم مدى الحياة، ويمكنك غرس قوة التعلم مدى الحياة لدى الطفل، من خلال تجارب العلوم المنزلية.

- تشجيع استخدام التكنولوجيا: تساعد التكنولوجيا المتطورة بتسارع على أن يصبح الأطفال أكثر دهاء وإنتاجية، على سبيل المثال يساعد رسم الخرائط الذهنية الأطفال على فهم المشكلات بشكل أفضل ووضع الخطط من خلال تصور نقاط التقاطع وتحديد الخطوط العريضة لمختلف جوانب المشكلات وتحديد الخطوات التالية للحل، كما يمكن أن يساعدهم التخطيط الإلكتروني وبرامج تدوين الملاحظات والبرمجيات الزمنية؛ على التنفيذ وفق مخطط زمني، حتى الانتهاء منها والتوصل إلى نتيجة.

- تعزيز الاستقلال والتعاون: قد يبدو أن الاستقلال والتعاون على طرفي نقيض، إلا أنهما ضروريان لتطوير الدهاء، حيث يحتاج الأطفال إلى أن يكونوا قادرين على تحديد المهام، التي من الأفضل لهم إنجازها بشكل مستقل عن الوالدين، وتلك التي يستفيدون من العمل الجماعي في أدائها، مثلاً عندما يكون لدى طفلك مشروع مدرسي؛ اسأله عن جوانب المشروع، التي قد تتطلب تعاونه معك أو مع زملائه.. لماذا ستقوم بذلك؟ لأنه عندما يقوم الأطفال بإدارة تخطيط مشاريعهم الخاصة، التي يديرها الآباء في أكثر الأحيان؛ فإنهم يختبرون بشكل مباشر ما ينتج عنها، كما يتعلمون من أخطائهم.

- الإيجابية: يتعلم الأطفال استراتيجيات إيجابية لتحقيق الأهداف، من خلال اتخاذ نماذج من الآخرين، وعندما يرى الطفل الآباء وأفراد الأسرة البالغين؛ كمتعلمين وناجحين وأشخاص نشطين، يحققون الأهداف من خلال العمل الجاد والمثابرة، فأن الطفل يسعى أيضاً لأن يكون أفضل ما يمكنه أن يكون، لذا أيها الوالدان.. تعلما كيف تؤثرا كنماذج لأداء المهام؛ على استراتيجيات الطفل لتحقيق النجاح.

- علّم الطفل فنون الشكّ الإيجابي: سعة الحيلة تعني تطوير القدرة على النظر بحلول متعددة لمشكلة واحدة، كما يتطلب جرعة من الشك أيضاً، وعندما تعلّم الأطفال أن يكونوا متشككين وألا يخضعوا لتلقين ويقين أعمى، كذلك أن يطلبوا أدلة إضافية قبل قبول ادعاءات شخص ما على شيء أنه حقيقي؛ فإنك تعلّمهم أن يكونوا فضوليين ومحللين للمشاكل، وتقول الدكتورة مارلين: "يمكن للوالدين أن يقدموا نماذج للشكوك الإيجابية في المنزل، وأن يعلموا الأطفال التفكير مثل: جاليليو وستيف جوبز"!.. دعني أعطيك مثالاً: تريد تعليم طفلك بأن الماء يتمدد (بالتجمد)، بعد أن كُسرت قارورة العصير الزجاجية، التي وضعتها بالخطأ في الفريزر! فأين تريد أن تثير شكوكه الإيجابية للتعلم من هذه التجربة المنزلية المجانية؟ دعني أعرف من خلال التعليقات..

- تقدير الدهاء وسعة الحيلة: كل القيم التي يحملها الطفل من والديه وتربيته الأسرية، هي جزء مهم من هويته وشخصيته كبالغ، كذلك تعكس سعة الحيلة القيم التربوية، التي ينمو الطفل في كنفها، من خلال ممارستها في العمل الجاد على تحقيق الأهداف، كذلك اتخاذ القرارات وحل المشكلات بالتعاون مع الآخرين أو بشكل مستقل، وهكذا يعبر الطفل عن القيم العائلية.


أهمية الدهاء للأطفال

ما هي أهمية سعة الحيلة؛ لتعليم الطفل كيفية النجاح؟
إذاً.. يتعلم الطفل استخدام المعرفة وتطبيقها؛ عند اكتسابه مهارات في التخطيط والتنظيم، كذلك اتخاذ القرارات وحل المشكلات، ما يؤسس لديه مهارة سعة الحيلة والدهاء، كذلك القدرة على إيجاد واستخدام الموارد والظروف المتاحة لتحقيق الأهداف، إن سعة الحيلة هي مهارات الأداء التنفيذي، الذي يشكل دوراً أساسياً في كيفية تعلم الطفل للتنظيم الذاتي وتوجيه وتنظيم أعماله اليومية وطويلة الأجل أيضاً، مما يقوده إلى النجاح ولو تعرض إلى الفشل مراراً، بدءاً من الصفوف الدراسية الأولى، حيث يمكن للمعلمين في المدارس أيضاً تعزيز وزيادة مهارات الأداء التنفيذي للأطفال، كما يمكنك الاستعانة بالدليل المجاني[3]، الذي قدمه مركز تنمية الطفولة في جامعة هارفارد.

في المحصلة.. لماذا برأيك أن سعة الحيلة مهمة للغاية..؟؟ لأننا نعيش في عالم من (اللاءات)، بالنسبة للطفل أولاً.. أنت تقوم بوضع الحدود الواضحة في البيت، مما يجعله في مأمن عن الأذية، "لا تلمس الفرن.. لا تعبر الشارع... الخ"، بالتالي تريد أن يطيع طفلك كل قواعدك، لكن طفلك بحاجة إلى المرونة (القدرة على مواجهة التحديات)، وسعة الحيلة (قدرة التغلب على التحديات)، وماذا يحدث بدون المرونة وسعة الحيلة؟!
في استطلاع لهيئة تقيم الصحة في الجامعات الوطنية بالولايات المتحدة الأمريكية عام 2014[4]؛ قال ما يقرب من نصف طلاب الجامعات أنهم شعروا بقلق شديد، وقال ثلثهم إنهم يواجهون صعوبة في العمل.. بسبب الاكتئاب، بمعنى آخر يشعرون بالملل، ولا يعرفون كيف يتصرفون عندما تواجههم الحياة بموقف الـ "لا".. والسبب بكل بساطة المبالغة في حماية هؤلاء الراشدين من قبل والديهم عندما كانوا أطفالاً، ما منعهم من تعلم كيفية التعامل مع خيبات الأمل من تلقاء أنفسهم، فالوالدين كانوا يحومون حول أطفالهم هؤلاء، لأنهم اعتقدوا أنهم  قادرون على الإمساك بهم لحظة السقوط! لكنهم واقعياً منعوهم من تعلّم كيفية النهوض!

في النهاية.. لا يوجد كنز تمنحه لطفلك مثل الفرصة ليكون واسع الحيلة، من خلال وضعه في المواقف التي تحتاج منه الدهاء واستخدام طريقته الخاصة في اكتشاف الحلول العديدة لأي مشكلة، شاركنا رأيك من خلال التعليقات.


مراجع ومصادر:

[1] مقال للدكتورة مارلين برايس ميتشل (Marilyn Price-Mitchell). حول دور سعة الحيلة في تحقيق الأهداف، منشور على موقع Roots of Action عام 2017.. تمت مراجعته في 19/5/ 2019
[2] مبادئ جورج بوليا. (George Polya) لحل المشكلات؛ رابط ملف PDF، تمت مراجعته في 20/5/2019
[3] دليل. تعزيز وممارسة مهارات الأداء التنفيذي من الطفولة حتى المراهقة، إصدار مركز هارفارد لتنمية الطفولة ملف PDF؛ تمت مراجعته في 18/5/2019
[4] بحث للجمعية الأمريكية لعلم النفس.؛ منشور على موقع الجمعية American Psychological Association؛ تمت مراجعته في 19/5/2019
 

ذات علاقة