يطور المبدعون عادات تفكير تتحدى ما يبدو أنه حقائق موثوقة ومسلّمات لا يمكن دحضها، فاختبار لأي فرضة كانت، سيؤدي إلى مزيد من الفهم والابتكار والإبداع، إذاً.. كيف تربي طفلاً شكاكاً بطريقة إيجابية؟ وكيف تعوّد طفلك على أن البحث والتجريب؛ وسيلة فعالة لإشباع فضول المعرفة؟



محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- الطفل الشكاك
2- صياغة الشكوك الإيجابية عند الطفل
3- تعزيز الشك الإيجابي
4- المصادر والمراجع


الطفل الشكاك

كيف تقوم بتربية طفل يشك لأنه يفكر لا لأنه يسخر؟!
من السهل الخلط بين كونك متشككاً وبين أن تكون ساخراً متهكماً، تقول الباحثة الأمريكية وأخصائية علم النفس التنموي، مارلين برايس ميتشل Marilyn Price-Mitchell: "دعونا نحدد المصطلحات، فالساخر لا يثق في معظم المعلومات التي يسمعها من الآخرين، لاسيما عندما تتحدى هذه المعلومات معتقداته، وفي معظم الأحيان يكون لدى المتهكمين آراء لا يمكن تغييرها بأدلة معاكسة، بالتالي غالباً ما يصبحون غير متسامحين مع أفكار الآخرين، وليس من الصعب العثور على المتهكمين في كل مكان في مجتمعنا"[1].
إذاً.. في حياتنا المعاصرة اليوم؛ يصعب التمييز بين المشككين والمتشائمين، على الرغم من أن الشك بقناعات ثابتة.. أدى إلى ابتكارات وإبداعات بشرية مهمة، لكن الثمن بات في كثير من الأحيان.. أهمية إثبات صحة الرأي، بالتالي كما تقول ميتشل: "يتم التلاعب بما يبدو أنه دراسات مشروعة، لدعم فكرة معينة أو نتيجة ما، مثل شركة أو فرد أو حكومة؛ تعتقد أنها هي من تمثل الحقيقة".
السعي من أجل اليقين، وقف حائلاً أمام إمكانية أن نكون "مستفسرين موضوعيين"، لأننا قد قررنا بالفعل الحقيقة، بهذا تعمّ ثقافة السخرية والتشاؤم بدلاً من الشك والتفكير المنطقي، يقول مستشار ومتخصص الكتابة بقضايا الأبوة والأمومة؛ باتريك كولمان Patrick A. Coleman: "غالباً ما يكون المتشائمون مخطئين، وتشير الأبحاث إلى أن التشاؤم يمكن أن يؤدي إلى نتائج صحية سيئة، ويزيد من خطر الإصابة بأمراض القلب والخرف، حيث يُعد الإجهاد الشخصي مشكلة شائعة لدى المتهكمين أيضاً، مثل الميل إلى تقويض أو تجاهل الدعم من الأصدقاء والعائلة والزملاء.. فهو أسلوب حياة سيء"[2]، تمثل الاستنتاجات الساخرة والمتشائمة طريقة استهلاكية أسهل في موضوع صنع القرار واتخاذه، بطبيعة الحال يكون الطفل أسرع استجابة لهذه الثقافة، فهو يستنتج أن لا أحد يحبه في المدرسة مثلاً، أو أنه لن يكون سعيداً في رحلة الصف كما كان في المرة الماضية.. وغيرها من النتائج التي يتوصل إليها دون تفكير، لأن الاستجابات الساخرة كما يكتب كولمان: "تأتي غالباً قبل التفكير النقدي.. لأنها فورية ومريحة ولا تحتاج إلى إعمال التفكير"، وهنا يأتي دور الوالدين من خلال:
- تعليم الطفل أن يكون دقيقاً؛ ليصل إلى النتائج بطريقة صحيحة..
- أن تعوّد الطفل على طرح الأسئلة؛ بخصوص الأمور التي لا يفهمها.
- يجب أن يحدد الوالدين ماذا حدث فعلاً؛ حتى وصل الطفل إلى استنتاجاته السريعة.
- يجب تشجيع الطفل على أن يكون منصف في افتراضاته.
- التعاطف يمكن أن يساعد الطفل؛ على الوصول إلى استنتاجات إيجابية وذات معنى.


صياغة الشكوك الإيجابية عند الطفل

يجب أن تربي طفلاً ناقداً لا ساخراً.. وهو ما سنتحدث عنه بالتفصيل، وهنا تقدم الدكتورة ميتشل خمس طرق لصياغة شكوك إيجابية، يمكنك أن تستفيد منها أنت شخصياً، وفي تربية أطفالك أيضاً:
- كن مكتشف الخداع: تؤثر الادعاءات على حياتنا دوماً، سواء في الترويج للسلع التجارية أو في الدعاية لشخصية سياسية في الانتخابات، ويوضح توماس كيدا (Thomas Kida)، في كتابه "لا تصدق كل شيء تفكر فيه"[3]، مدى سهولة خدعنا، ولماذا يجب أن نتعلم كيف نفكر كعلماء، فالحل هو بتحدي الادعاءات عن طريق طلب الأدلة،  وطرح أسئلة مثل: "ما الذي يجعلك تفكر بهذه الطريقة؟" "ما هي الافتراضات التي استندت إليها في ادعاءاتك؟" "ما هي الحقائق أو الأبحاث التي تدعم أفكارك؟"، "هل هناك حقائق أو دراسات تعارض هذه الادعاءات؟".. وعلّم طفلك ذلك لا تنسى..

- الشك: كل ما يُبث ويتم تكراره علينا من خلال الأخبار والتلفزيون ووسائل التواصل الاجتماعي؛ يحاول توجيهنا كيف نفكر.. وعندما نسمح للآخرين بالتفكير عنا، فإننا نصبح عرضة للتلقين العقائدي والتأثير الدعائي الغوغائي، والأحكام العاطفية الفورية، وفي كتابها "أسلوب ديكارت في الشك"[4] درست جانيت بروتون Janet Broughton، الدور الذي يلعبه الشك في سعينا وراء الحقيقة، لذا عليك أن تقرأ ما بين السطور، وما هو خلف ادعاءات أي شخص على أن ما يقوله هو الحقيقة، وعليك أن تثق بفطرتك، خاصة إذا كنت تشعر.. بأن هناك شيء ليس على ما يرام، وقد يسبب لك صداعاً وألماً في المعدة حرفياً!

- التشكيك لا يعني الشجار: جزء من كونك متشككاً هو تعلم لعب دور من لا يتفق مع الادعاء، فقط من أجل مناقشة الأدلة، وهذا الموقف يجب أن لا يكون قتالياً! حيث يمكنك ببساطة أن تقول "من أجل فهم هذه الفكرة بشكل أفضل؛ اسمحوا لي أن أعارضكم"، ثم أن بث الشكوك فيما يعتقد الآخرون أنه فكرة جيدة، قد يؤدي إلى فهم أكبر للمشكلة، كما يُعد طريقة رائعة لتعليم الأطفال كيفية رؤية الموضوع من منظور شخص آخر، فإذا جاء الطفل إلى المنزل منزعجاً بعد المدرسة لأن المعلم لم يقم باختياره لأداء نشاط صفي، فإن الاستنتاج الساخر لديه سيكون: "أن المعلم لا يحبه وأنه غير مرغوب فيه"، هنا عليك الطلب من الطفل ببساطة؛ أن يكون واضحاً بشأن ما حدث، إذ من المقبول أن يطرح السؤال على المعلم، ويعرف لما لم يقم باختياره، قد يكون طفلك من الطلاب غير المتحمسين للنشاطات الصفية، أو أن المعلم اختاره سابقاً لنفس النشاط! يجب أن تلفت نظر الطفل إلى ذلك، وتعملا على حلّ المشكلة معاً.

- استخدام المنطق والحدس البديهي: نحن مقتنعون بالتشكيك أو تصديق ادعاءات الآخرين من خلال المنطق والحدس، ويميل معظمنا عادة إلى الاعتماد على التفكير المنطقي أو التحليلي، وسواء كنت مفكراً منطقياً أو تعتمد على الحدس، فمن المفيد أن نفكر بشكل منطقي وبديهي معاً وفي نفس الوقت، فالشك والإيمان هما من أقوى الوظائف الذهنية، بحيث نفكر بصورة أفضل، عندما نشك ونفكر بوعي أعمق معتمدين على بوصلتنا الداخلية، وذلك باستخدام المنطق والحدس بدلاً من تبني الصدفة، وأنت تعلم أن لا شيء يحدث بالصدفة! وبالنسبة للطفل يتعلق الأمر بتشجيعه على الوضوح، وحثه على أن يكون دقيقاً؛ ليصل إلى الحقائق بشكل صحيح.

- التحيز للاستكشاف: الشك يعني اكتشاف نزاهة مصادر المعلومات وتحليلها، وعندما نسمع مثلاً الخبر التلفزيوني من قنوات متعددة، من المحتمل أن نتأثر بالأخبار المغرضة أو العاطفية المنحازة.. لذا اسأل نفسك، "ما هو الجانب الآخر من هذه القصة؟".. وعلّم طفلك فن الشك الإيجابي.

- التفكير الناقد: فهل تكافئ طفلك أم تعاقبه على تفكيره الناقد؟ لا بد أن تكافئه، لأن النقد يطور قدرته على الشك الإيجابي، والتفكير النقدي يتطلب ممارسة، كما أن الأخطاء طريقة مهمة لضبط هذه الممارسة، بالتالي تتحول في النهاية إلى شك قوي يتقبل أي استنتاج منطقي ويتجنب السخرية، لأن المكون الأساسي للتفكير النقدي هو القدرة على تقييم تفكيرنا وتفكير الآخرين، من خلال تطبيق المعايير الفكرية (الوضوح والدقة والملائمة والعمق والمنطق والأهمية والإنصاف)..[5]، لكن الشك ليس وحده ما يحارب السخرية و التشاؤم؛ أنت كأحد الوالدين؛ بحاجة إلى تعزيز الإبداع والخيال واللعب، وهذا يعني أن الشك يجب ألا يأتي على حساب أن يعيش الطفل طفولته، تقول الدكتورة ميتشل: "هذا جزء كبير من الطريقة التي نصل بها إلى أن نكون قادرين على إبداع أفكارنا الأصلية وتقدير طبيعة الجمال في ذواتنا وما يحيط بنا".


تعزيز الشك الإيجابي

كيف يمكن أن تعزز فن الشك الإيجابي لدى الطفل؟
تحدثنا أعلاه عن أهمية التعاطف والإيجابية في تربية الطفل؛ في السيطرة على اندفاع الطفل لتشكيل قناعات والإتيان بادعاءات ساخرة أو متشائمة، لكن ماذا لو كان لدى الوالدين نفسيهما؛ نوع من التشاؤم والتهكم؟ كيف لهم أن يوجهوا أطفالهم بإيجابية إلى تبني التفكير النقدي والشك الإيجابي؟ 

كيف يمكن اتباع نهج تدخل إيجابي، يفرض على الوالدين بعض الحواجز السلوكية، لتنفيذ تدخلاتهم بنجاح مع أطفالهم؟
الجواب باختصار.. من خلال تربية الطفل على الانفتاح والشك.. مجدداً، بالتالي "تنمية التفكير النقدي والقدرة الذاتية على الوصول إلى نتائج منطقية"، هذا ما أكدته الأبحاث[6]؛ كنتيجة لتدريس الفلسفة للأطفال والتأثير الإيجابي، الذي تتركه على زيادة الكفاءة والقدرة الذاتية في الوصول إلى النتائج، كذلك التفكير النقدي ومكوناته (الانفتاح والشك).

وفيما يخص دور الإيجابية في تربية أبنائك على فن الشك الإيجابي، هناك بعض النقاط، التي يمكنك أخذها بعين الاعتبار:

- لا يستخدم الوالدان الإيجابيان؛ المكافآت لتغيير سلوك الطفل: حيث تعمل هذه المكافآت على إضعاف مصلحة الطفل.

- هناك قواعد وعواقب واضحة: حيث يُحاسب الأطفال في ظل أبوة إيجابية؛ ويختبرون عواقب معقولة وموثوقة ومتناسقة مع الخيارات السيئة، التي يتخذها الطفل.

- التشجيع وليس الثناء: فمع المديح المبالغ فيه يصبح لدى الطفل أهمية أكبر لآراء الآخرين عنه، بينما يختلف التشجيع بتركيزه على الجهود التي بذلها الصغير.

- تعزيز شعور الطفل بالاستقلالية: من مبدأ الاعتماد على الذات، وتعزيز مرونة الطفل في طلب المساعدة عندما يحتاج إليها.

في النهاية.. علّم طفلك أن يكون ذكياً، وغير مستسلم لليقين السلبي فيما يعتبره الآخرون حقيقة، ففي ظل كثافة المعلومات الرقمية المضللة؛ تكون الشكوك فضيلة لدى شخص بالغ، ولكنها سمة غريبة بالنسبة للطفل، حيث تبدو متناقضة مع الانفتاح والفرح والبراءة، لكنها قد تكون ذات أهمية متزايدة؛ لإعداد الأطفال لحياة صعبة قادمة.. وكلنا يعلم ذلك، شاركنا رأيك من خلال التعليقات.


المصادر والمراجع:

[1] مقال.مارلين برايس ميتشل (Marilyn Price-Mitchell) حول فن الشك الإيجابي، منشور على موقع Psychology Today، تمت مراجعته في: 24/05/2019
[2] مقال.باتريك كولمان (Patrick A. Coleman) حول تربية طفل متشكك وغير متهكم، منشور على موقع Fatherly، تمت مراجعته في: 24/05/2019
[3] كتاب.توماس كيدا (Thomas Kida)  "لا تصدق كل شيء تفكر فيه" تمت مراجعته في: 24/05/2019
[4] كتاب.(أسلوب ديكارت في الشك) جانيت بروتون (Janet Broughton).
[5] العايير.الفكرية العالمية ومعايير الفكر النقدي، منشور على موقع Critical Thinking، تمت المراجعة في: 24/05/2019
[6] دراسة.في تنمية التفكير النقدي والفعالية الذاتية عند الأطفال، منشورة على موقع: Eric، تمت المراجعة في: 25/05/2019

ذات علاقة