الإرهاق هو شرط من شروط عصرنا الحالي! حيث تجهدنا التوقعات المستمرة والمتدفقة في العصر الرقمي، حيث يتم تحديد مواعيد تسليم نسخ العمل النهائية؛ بشكل مفرط للكثير من الناس، فيلتزمون بالعمل بشكل يفوق قدراتهم ولا يمكنهم العثور على طريقة للتخلص من الضغط، بالتالي من المستحيل أن يحققوا شروط التريث أو التباطؤ؛ لإنجاز مهامهم بطريقة لا ترهق أعصابهم.. فكيف يمكنك الاستمرار في عملك دون أن يحرقك الإرهاق؟.


ذات صلة


الإرهاق الوظيفي

يستنزف الإرهاق في العمل؛ الجسد والعقل والعواطف 
أثبتت الأبحاث [1] إن نسبة 33% من العاملين بدوام كامل يشعرون بالإرهاق أثناء العمل بشكل دائم، بينما نسبة 44% من العاملين عبروا عن شعورهم بالإرهاق في بعض الأحيان، مما يعني أن حوالي ثلثي العاملين بدوام كامل؛ يعانون من الإرهاق أثناء العمل، حيث يزداد الإرهاق في الوظائف الحديثة، في حالة من الاستنزاف العاطفي والجسدي والعقلي، بالتالي يقلل الإرهاق من الإنتاجية كذلك من طاقتك على العمل، مما يجعلك تشعر بالعجز واليأس والسخرية والاستياء بشكل متزايد، في النهاية.. قد تشعر أنك لا تملك أي شيء مهم لتقدمه، ومع بداية كل أسبوع تشعر بالمرض الجسدي أثناء الانتقال إلى العمل صباحاً، ويزداد الأمر سوءاً وأنت تفكر بيوم العطلة القادم، إذا.. أنت من الأشخاص الذين يعانون من الإجهاد المزمن المرتبط بالعمل.
وللأسف فإن العديد من أرباب العمل؛ لا يأخذون الإرهاق على محمل الجد، على الرغم من أنه يضرّ بالإنتاجية كما أسلفنا، يسبب تراجع قدرات الموظفين على إنجاز المهام، ليس هذا فحسب بل يمكن أن يؤثر الإرهاق الوظيفي.. على كل مجال من مجالات حياتك، ويقول علماء النفس: "إن الأشخاص الذين يعانون من الإرهاق بسبب العمل، قد يعانون من الأعراض التالية" [2]:

- ليس لديك طاقة لفعل أي شيء، وقد تواجهك اضطرابات في النوم، وبعض الأعراض المرضية مثل: الأنفلونزا.

- لديك صعوبات في التركيز، وتشعر كما لو أن عقلك يهرب نحو الشرود، حيث قد تخوض في حالة ذهول لساعات متتالية.

- تشعر بالغضب والإحباط، وتصبح أكبر ناقد لنفسك.

- تزعجك كل الأماكن المليئة؛ بالناس والضوضاء والأضواء الساطعة أيضاً.

- تشعر بأنك منفصل عن الأشياء، التي كنت تحبها، كذلك بعيد عن الأشخاص الأعزاء.

يعد الاحتراق وتلف الأعصاب بسبب ضغوط العمل "متلازمة ناتجة عن الإجهاد المزمن في مكان العمل والذي لم تتم إدارته بنجاح في مرحله الأولى"، فالإرهاق ليس مجرد اضطراب مرادف للتوتر، كما أنه ينطبق على التجارب في مجالات أخرى من الحياة، وليست كل أنواع الإرهاق هي نفسها، ذلك وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، ويتميز الإرهاق من خلال ثلاثة أبعاد [3]:
1- مشاعر استنزاف الطاقة أو استنفادها.
2- زيادة البعد النفسي عن الوظيفة التي يعمل فيها الفرد، أو طغيان مشاعر السلبية أو السخرية المرتبطة بنوع العمل الذي تؤديه.
3- انخفاض الكفاءة المهنية، وتراجع إنتاج الموظف.
 

ذات علاقة


أنواع الإرهاق الوظيفي

إدارة كل نوع من أنواع الإرهاق بسبب العمل
التذمر والإهمال وقلة تطور الموظف (افتقاره للتنمية)؛ هي ثلاثة أنواع مختلفة من الإرهاق [4]، وكل نوع منها يتطلب حلاً مختلفاً:
1- التذمر: الموظف الذي يسعى نحو النجاح حتى الإرهاق، يسعى إلى التنفيس العاطفي، حيث يحاول هؤلاء التعامل مع ضغوطاتهم بالشكوى من التسلسل الهرمي التنظيمي أو الروتيني في العمل، ويشعرون كما لو أنها قيود مفروضة على أهدافهم وطموحاتهم، يبدو أن هذا النوع من المواجهة يؤدي إلى زيادة الضغط على الموظف.

2- الافتقار إلى التنمية: يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالتهرب من أداء المهام، حيث يميل هؤلاء الموظفين الذين يعانون من صعوبات في التحكم بالإجهاد؛ للابتعاد عن العمل، وهي استراتيجية تؤدي إلى انعدام الشخصية والتهكم، كما أنها عامل لإصابة الموظف بالتوتر.

3- الإهمال: يبدو أنه ينبع من الاستسلام عن مواجهة التوتر، على الرغم من أن هؤلاء الموظفين؛ يرغبون في تحقيق هدف معين، إلا أنهم يفتقرون إلى الدافع والقدرة على السعي من خلال العقبات؛ للوصول إلى أهدافهم.
حيث يمكن أن يشل كل نوع من الإرهاق قدرتك على العمل على المستوى الشخصي والاجتماعي والمهني، كما يسرق منك الأمل ويدمر الدوافع لديك، وحرفياً الإرهاق داء.. يمتص حياتك بمرور الوقت، بحيث:
- يعاني الأشخاص المرهَقون من نقص تام في الطاقة، والشعور بالفزع لما سيأتي به كل يوم جديد.
- أولئك الذين يعانون من تناقص القدرة على التحدي؛ لن يجدوا الدافع للمضي قدماً في حياتهم المهنية.
- يعاني الأشخاص المصابون بالإرهاق من صعوبة في النوم إذا لم يعالجوا التوتر، بحيث يمكن أن يتطور إلى أرق مزمن، مما يجعل التركيز أكثر صعوبة.. خلال كل ساعات عمل.
- يمكن أن تصبح الأعراض البسيطة شديدة مع مرور الوقت، بحيث يصبح من المستحيل مواجهة تحديات الحياة والتمتع بملذاتها أيضاً.

يمكن تشبيه الإرهاق الوظيفي البسيط وفي مراحله الأولى؛ بتسرب أنابيب المياه في منزلك، حيث يقطر لعدة أشهر أو حتى سنوات دون إصلاح، وفي مرحلة ما.. يصبح الضغط أكبر ويتمزق الأنبوب وينفجر الماء عبر الجدران، مما يؤدي إلى نتائج مدمرة! وينصحك الخبراء بأن تأخذ علامات الإرهاق في العمل؛ بجدية.. وأن تعمل على علاج الأسباب في أقرب وقت.. يقول المحلل النفسي بريان روك (Brian Rock): "إن ذلك سيكون أشبه بالمهمة لتنفيذها.. وإلا ستجد نفسك تكره العمل وتؤجل المهام، كما تخسر أيام عطلات نهاية الأسبوع بسبب ضغط العمل، وتكون أقل ميلاً للعب مع أطفالك، ثم تنتهي مع الشعور بمزيد من العزلة والقلق"[2].
 

علاج الإرهاق الوظيفي

الانتعاش من الإرهاق بسبب العمل وعوامل الوقاية 
تتمثل الخطوة الأولى لحل مشكلة الإرهاق؛ في تحديد النوع الذي تواجهه حالياً، إنها أفضل طريقة للتحسن بشكل أسرع دون إضاعة الوقت وفق استراتيجية قد لا تناسبك، فما يصلح للإرهاق الزائد، أو الإرهاق الذي يكتنفه العجز عن التحدي؛ لن ينجح مع من يشعرون بالإهمال، وإذا كنت تعاني من نقص التطور والتنمية في حياتك المهنية الحالية.. تحدث إلى رب عملك، للعثور على مهام أفضل تتناسب مع مهاراتك ضمن المنصب الوظيفي الذي تتولاه.
باختصار.. أثبت أنك مستعد لمزيد من التحديات، وأنك ستتمكن من تحقيق أهداف العمل، أو ابحث عن استثمارات خارج العمل، كذلك اختر قضاء بعض الوقت على مشروع أنت شغوف به، فالوقت قبل الوظيفة وبعدها ملك لك، وعندما تشعر بالإحباط، قد يكون من الصعب الاهتمام بعملك الحالي، حيث يمكن أن يؤدي بدء مشروع يعنيك ويحاكي أحلامك؛ إلى تغيير طريقة حياتك بشكل كلي.

يمكنك أن تبدأ باستكشاف فضولك، فخصص وقتاً للتفكير بنفسك وحاول تسليط الضوء على الاهتمامات الجديدة التي ترغب في تطويرها، إذ أن لكل شخص نشاط أو موهبة تغذي الطاقة لديه، مثل أن تعزف آلة موسيقية أو ترسم أو تكتب أو تمارس رياضة ما، لهذا.. خصص وقتاً لنشاطك الأفضل، كما أن هناك خطوات يمكنك اتخاذها بمجرد أن تلمس أياً من أعراض الإرهاق الوظيفي، وتعرف الأسباب التي تقف ورائه [5]، وهي:

- أولوية الرعاية الذاتية: من الضروري تجديد طاقتك الجسدية والعاطفية، بالإضافة إلى قدرتك على التركيز، من خلال إعطاء الأولوية لعادات: (النوم الجيد - التغذية - ممارسة الرياضة - الاتصال الاجتماعي - الممارسات التي تعزز الاتزان النفسي مثل التأمل، وكتابة اليوميات، والاستمتاع بالطبيعة)، وإذا كان جدولك اليومي مزدحم على هذه النشاطات؛ امنح نفسك أسبوعاً لتخطط كيفية قضاء وقتك، وسجل ما تفعله خلال هذا الأسبوع، مثلاً: عل مقياس من 1 إلى 10، كيف تقدر درجة غضبك أو استنزاف طاقتك أو سعادتك أو نشاطك عموماً؟، سيساعدك هذا في العثور على فرص لتقييد الإجهاد، بسبب المهام والأشخاص والمواقف غير الضرورية، التي تضعك في مزاج سلبي، ثم قم بزيادة وقتك في تلك النشاطات، التي تعزز طاقتك وتفسح لك المجال للراحة، ضمن وقت إيجابي بعيداً عن العمل، أما في الوقت الحاضر عندما تلاحظ أنك تشعر بالتعب الشديد أو بدأت تشك في نفسك بسبب العمل، قم بتغيير سلوكك على الفور، مستفيداً من خيارات العمل المرنة، كوضع القيود على الوقت الذي تقضيه في قراءة رسائل البريد الإلكتروني وتلقي المكالمات من الزملاء والعملاء، كما أن عليك التخطيط لقضاء إجازاتك بفعالية.

- تغيير منظورك للأمور: في حين أن الراحة والاسترخاء والتجديد يمكن أن تخفف من الإرهاق وتحد من اندفاعك إلى السخرية وتعزز الفعالية والإنتاجية، إلا أنها لا تعالج بشكل كامل الأسباب الجذرية للإرهاق، فيمكن أن تواجه نفس أعباء العمل المستحيلة بعد عودتك من الإجازة الصيفية! ما هي الأسباب التي تقف وراء ذلك؟ وأي منها يمكنك تغييره؟ ويكمن الحل.. في تغيير منظورك إلى ما يؤثر سلبياً على الجوانب غير المرنة في عملك، فإذا كان الإرهاق يمثل مشكلة أساسية، اسأل نفسك عن المهام، بما في الحرجة.. التي يمكنك تفويضها لزملائك بحيث توفر وقت وطاقة هادفين للعمل على المهام الأخرى، فهل هناك طرق لإعادة تشكيل وصياغة مهامك؛ من أجل الوصول لمزيد من التحكم أو التركيز على المهام الأكثر إرضاءً لك؟ وإذا كانت السخرية تمثل مشكلة كبيرة، فهل تستطيع أن تحمي نفسك من المواقف التي تحبطك، بينما تعيد صياغة أسس عملك بأكملها؟ أو هل يمكنك بناء بعض العلاقات الإيجابية والداعمة، للتصدي لتلك المواقف التي تستنزف طاقتك وحصتك؟ وإذا كنت تشعر بعدم الفعالية؛ ما هي المساعدة أو التطوير والتنمية التي قد تبحث عنها؟.. الخ.

- التحكم بتعرضك لضغوطات العمل: يتضمن ذلك إعادة تعيين توقعات الزملاء ورب العمل وحتى أفراد الأسرة؛ بشأن ما تريد أن تفعله وإلى أي مدى تتحمل، كذلك القواعد الأساسية للعمل ضمن فريق، بحيث يجب أن يعلم المشككون بقدرتك؛ أنك تجري هذه التغييرات لتحسين إنتاجيتك على المدى الطويل، وحماية صحتك أيضاً، وهو  الأهم.

- الاستشارة المتخصصة: ابحث عن المدربين والمستشارين المتخصصين، الذين يمكنهم مساعدتك في تحديد وتفعيل العلاقات الإيجابية وفرص التعلم، كما يعتبر التطوع لتقديم المشورة للآخرين طريقة فعالة وبشكل خاص: للخروج من الحلقة السلبية.

في النهاية.. الإرهاق هو مجرد إشارة.. ويمكنك التغلب عليه، من خلال فهم الأعراض والأسباب وتنفيذ الاستراتيجيات والخطوات التي ذكرناها، بحيث يمكنك استرداد طاقتك وبناء خريطة طريق للوقاية من الإرهاق في العمل مستقبلاً، شاركنا رأيك وخطواتك العملية في التغلب على إرهاق وضغوطات العمل.
 

مصادر ومراجع

[1] مقال بن ويجرت (Ben Wigert) وسانجيتا أغراوال (Sangeeta Agrawal)؛ حول  "أسباب إرهاق الموظف"، منشور على موقع: Gallup، تمت المراجعة في: 08/06/2019
[2] مقال "الإرهاق في العمل وباء غادر" منشور على موقع The Guardian، تمت المراجعة في 08/06/2019
[3] منظمة الصحة العالمية "التصنيف الإحصائي الدولي للأمراض والمشاكل الصحية 2019"، منشور على موقع: WHO، تمت المراجعة في: 08/06/2019
[4] أصناف إرهاق العمل؛ منظمة العلوم النفسية العالمية APS، تمت المراجعة في: 08/06/2019
[5] مراجعة حول التغلب على الإرهاق في العمل، منشور على موقع Harvard Business Review، تمت المراجعة في: 08/06/2019