النقاش العقيم واحدة من المشكلات الكبيرة التي تواجهنا جميعاً ليس فقط على مستوى الحياة الزوجية وإنما في جميع المجالات، وقلَّما نفكر جديّاً بالأسباب التي تجعل من النقاش عقيماً وغير مفيد، بل نكتفي عادةً بالتمسك بموقفنا ورمي المسؤولية على الطرف الآخر ما يجعلنا ندور في حلقة مفرغة لا نهائية!.
تعالوا نفكر معاً بالأسباب الحقيقية للنقاش العقيم بين الزوجين، العقبات والصعوبات التي تقف في وجه الحوار الفعال بين الأزواج، وكيف يمكن للزوجين الحفاظ على حوار ونقاش مثمر وفعال، كيف يمكن أن يبقى الهدف من النقاش قائماً دون أن يفقد الزوجان البوصلة بعد دقيقتين من النقاش! حيث يتحول الحوار إلى شجار أو جلسة تبادل اتهامات.
 


ذات صلة


مراحل النقاش والحوار بين الزوجين

في البداية لا بد من فهم طبيعة تطور النقاش والحوار بين الزوجين على مدى زواجهم، فحدود الحوار وشكله في سنوات الزواج الأولى ستتغير بشكل كبير مع الوقت، وحوار الزوجين قبل الإنجاب ليس كحوارهما بعد الإنجاب، وفي سبيل فهمٍ أعمق للعوامل التي تؤثر على النقاش والحوار بين الزوجين في مراحل الزواج المختلفة يمكن أن نرصد أربع مراحل زمنية للحوار الزوجي:

1- الحوار للاستكشاف: يبدأ الحوار للاستكشاف قبل الزواج، ويستمر عملياً خلال الشهور الأولى أو السنة الأولى من الزواج على أبعد تقدير، هذا الحوار غالباً ما يكون كفيلاً بإظهار الكثير من الجوانب المخفية في شخصية الشريك، بغض النظر عن هدف الحوار الرئيسي؛ فإن حوار الاستكشاف يؤدي في النهاية إلى اكتشاف عميق للسمات الشخصية والتفضيلات لكل من الزوجين مهما كان موضوع النقاش.
عادة ما يكون هذا الحوار مركزاً حول المستقبل القريب والبعيد، التفضيلات، الأفكار والمعتقدات، ورسم ملامح الحياة المقبلة بتفاصيلها، وغالباً ما يكون الشريكان أقل جرأة في التصريح عن مشاعرهما الحقيقية لأن عتبة الاحتمال والصبر ما زالت مرتفعة ببساطة.

2- الحوار بين الزوجين ما قبل الإنجاب: في الزيجات التي يتأخر فيها الإنجاب أكثر من سنتين يبدأ حوار ما قبل الإنجاب بالظهور بشكل واضح، تتسم هذه المرحلة بصراحة أكبر وتوضيح أكثر للمشاكل أو الملاحظات التي يكتمها الشريكان، ويتركز الحوار حول الإنجاب، المستقبل المالي والاقتصادي للأسرة، الأمور العاطفية، الصفات الجيدة والسيئة، العلاقات الاجتماعية، ويمكن أن نلاحظ أن هذه المرحلة تتعلق أكثر بأمور عملية.

3- حوار الآباء أو النقاش بعد الإنجاب: من أكثر مراحل النقاش بين الزوجين حساسية هي نقاشات ما بعد الإنجاب، أو نقاشات ما بعد السنة الثالثة، إنه النقاش الأكثر اشتعالاً والأكثر صعوبة، لأن مواضيعه أكثر جدية وواقعية، كما أن كلا الزوجين قد وصل إلى نهاية صبره بعد ثلاث أو أربع سنوات من الزواج، ما يعني أنه سيكون أكثر عدوانية في طرح المشاكل، وأكثر قسوة في تسجيل النقاط وتوجيه الملاحظات، وكأن الشركاء كانا في مرحلة استعداد وحشد للمعركة التي تبدأ فعلياً بعد السنة الثالثة أو بعد الإنجاب.
الحوار في هذه المرحلة يكون مركزاً حول مستقبل الأبناء والسياق التربوي، الوضع المالي والاقتصادي للعائلة، الأدوار التي يلعبها كل من الزوجين في الأسرة، مدى اهتمامهما ببعضهما، والحقوق الشخصية لكل طرف.

4- نقاش الأزواج الناضجين: هذه المرحلة من النقاش لا يمكن تحديد سماتها أو الوقت الذي تبدأ به بمعزل عن المراحل السابقة، فقد تستمر مرحلة النقاش العقيم والمحتد دائماً إن لم يتمكن الزوجان من وضع قواعد جديدة للحوار، بناءً عليه يمكن القول أن هناك أشكال لحوار الزوجين الناضجين، فقد يكون نقاشاً قصيراً يهدف لتحقيق القدر الأدنى من التواصل لتجنب الاشتباك، وقد يكون نقاشاً هدفه المصارحة والمكاشفة لدعم وتثبيت الزواج، وقد يكون نقاشاً فعالاً يهدف إلى فتح صفحة جديدة ومستمرة، الأمر يتعلق بكيف جرت الأمور في المراحل السابقة من الزواج (راجع مقالنا حول سنوات الزواج الصعبة وأهم مراحل الزواج).
 

ذات علاقة


لماذا يفشل الحوار بين الزوجين؟

في الكثير من الزيجات يفشل الزوجان بتحقيق أهداف الحوار والنقاش، ويتحول الحوار الذي يبدأ بسؤال أو طلب أو استفسار إلى معركة وشجار بين الزوجين، وينتهي دون الوصول إلى نتيجة، إلى أن يصبح النقاش الفاشل قاعدة أساسية في الزواج، لماذا كل هذا؟! [1].

أهداف النقاش بين الزوجين
إن السبب الأول والرئيسي لفقدان التواصل الفعال وفشل النقاش بين الزوجين هو تشوّه الأهداف من النقاش والحوار الزوجي، فغالباً ما تغيب الأهداف الحقيقية للحوار بين الزوجين، وتحلُّ محلها أهداف شخصية تتعلق بإثبات الذات والتغلب على الخصم -الذي هو الزوج أو الزوجة في هذه الحالة- وتسجيل النقاط.

الاستعداد للمعركة وتسجيل النقاط
في سياق متصل؛ تعاني بعض الزيجات من تحوّل الزواج إلى ساحة معركة، يستعد كل طرف فيها للمعركة بكل ما أوتي من قوة، يستحضر الماضي وينبش الدفاتر القديمة استعداداً لإدانة الطرف الآخر في اللحظة المناسبة، في هذا النقاش لن يكون الهدف الوصول إلى حل أو تقريب وجهات النظر، بل الانتصار في المعركة وتسجيل نقطة جديدة.

تأجيل الحلول يؤدي إلى حوار فاشل
لكل زوج وزوجة طاقة محدودة للاحتمال والصبر وقدرة محددة على تجديد الأمل في حل المشكلات العالقة، وفي كل مرة ينتهي النقاش دون الوصول إلى حل تتناقص هذه القدرة وتتقلص، ما يعني أن النقاش القادم سيكون أكثر عدوانية وأقل فاعلية.

الصوت المرتفع في النقاش بين الزوجين
طريقة الخطاب التي ينتهجها الزوجان في النقاش تحدد النتيجة من النقاش، فكلما كان صوت أحد الشريكين أو كليهما مرتفعاً كلما انخفضت فرص الوصول إلى هدف الحوار أو حل المشكلة.
وفي نفس السياق يعتبر الاستماع الجيد للآخر شرطاً من شروط نجاح الحوار الزوجي، فكلما كان أحد الزوجين ميالاً للحديث أكثر من الاستماع، ويرغب في التعبير عن وجهة نظره أكثر مما يرغب في فهم وجهة نظر الطرف الآخر؛ كلَّما كان النقاش ينحرف نحو الطريق الخاطئ.

الأنانية بين الزوجين
إذا كان غياب الأهداف الحقيقية من الحوار سبباً رئيسياً من أسباب فشل النقاش؛ فإن أنانية أحد الزوجين كفيلة بإفساد الأهداف، فالأنانية هي التي تدفع أحد الزوجين إلى الحديث بصوت مرتفع، المقاطعة، والدفاع المستميت عن النفس، والأنانية تدفعنا إلى الحديث دون تفكير، وإلى إهانة الآخرين لنشعر نحن بالطمأنينة، وإلى استغلال نقاط ضعفهم لتعزيز نقاط قوتنا. الأنانية بين الزوجين وحدها كفيلة بإفشال النقاش مهما كان الموضوع بسيطاً أو معقداً.

الاغتراب الزوجي
بعد فترة من انقطاع التواصل بين الزوجين تضيع البوصلة، تجد الزوجة فجأة نفسها تعيش مع شخص غريب عنها، وكذلك يشعر الزوج، إنهما لا يدعمان بعضهما البعض، لا يحاولان فهم بعضهما، كل ما يرغبان به هو التوقف عن الشجار والتخلص من النقاشات الحادة، إنه شعور عميق بالغربة [2] يجعل كل من الزوجين غير قادرٍ على فهم الآخر، بالتالي لن يكون للنقاش مهما كان أي قيمة ما لم يتم بناؤه على إعادة التعارف إن صح التعبير.
 

كيفية بناء الحوار بين الزوجين

في الكثير من الزيجات يكون الحل للنقاش العقيم والحوار الفاشل هو تقليص التواصل وتقليل فرص النقاش قدر الممكن وحصره بمواضيع معينة لتجنب الوصول إلى الشجار، وبطبيعة الحال لن يكون ذلك ممكناً لأننا كلما قللنا التواصل كلما ابتعدنا أكثر عن الحوار الحقيقي والنقاش الفعال، واقتربنا أكثر من ساحة المعركة.
لنتعرَّف معاً على أهم القواعد والنصائح لإعادة بناء الحوار والتواصل الفعال بين الزوجين:

مهما كان الموضوع... المهم طريقة طرحه!
كما نلاحظ من الأسباب التي ذكرناها سابقاً لفشل النقاش بين الزوجين؛ فإن موضوع النقاش نفسه لا يمكن أن يكون هو المشكلة، بل أفكار وعادات وممارسات كل من الزوجين في الحوار هي التي تحدد إلى أين تسير الأمور، ولذلك يجب أن يفكر كل طرف على حدة بالعادات السيئة التي يجب أن يتخلص منها أثناء الحوار أكثر مما يفكر بطبيعة الموضوع.
المواضيع نفسها لا يمكن أن تقود إلى شجار، هناك أزواج يناقشون أكثر المواضيع حساسية دون أن يسمع أحد صوتهما، وهناك أزواج يسمع الجيران صراخهما وهما يناقشان وجبة الغداء!.

فكر بفائدة النقاش الجيد
لا أحد يرغب بزواج تعيس، حتى الأزواج الأكثر نكداً لا يرغبون بزواج تعيس وشجار مستمر، إنهم فقط لا يعلمون كيف يمكن الاستفادة من الحوار والتواصل الفعال [3]، برأينا يجب أن تركز قبل كل شيء على القاعدة التي تقول "كل نقاش سيء يقود إلى نقاش أسوأ، وكل هروب من المواجهة يقود إلى فشل جديد في إنقاذ الزواج".
لذلك لا بد من تحديد أهداف النقاش مع الزوج أو الزوجة بشكل مسبق، وكلما شعرت أنك تقترب من الشجار أو من المعركة تذكر الأهداف وأعد ضبط البوصلة.

أبطال المواضيع الحساسة
على الرغم من إيماننا الكامل أن طبيعة الموضوع ليست ذات أهمية كبرى بقدر ما هي طبيعة  الأزواج ومنهجهم بالنقاش؛ لكن يمكن الحديث أيضاً عن المواضيع الحساسة والصعبة وطريقة طرحها بين الزوجين[4]:
- لا تؤجل المواضيع الصعبة لأنها ستصبح أكثر تعقيداً، اطرح المواضيع المعقدة للنقاش في وقتها، ولا تعتقد أن الأمور ستحل نفسها بنفسها، هذا لا يحدث عادةً!.
- اختر التوقيت المناسب لطرح القضية، والمكان المناسب لذلك، واهتم بحالة الشريك في وقت طرح الموضوع للنقاش.
- اجعل الاحترام هو الأساس في طرح القضايا الحساسة للنقاش.
- لا تقدم الموضوع وكأنه محسوم، بل اطرحه للنقاش، بمعنى أن تختار كلماتك بشكل جيد لفتح الحوار وطلب المشورة، وأن تستمع جيداً لرأي الطرف الآخر.
- راقب لغة جسدك ولغة جسد شريكك أثناء النقاش، واحرص على تلقف الإشارات اللفظية وغير اللفظية التي تخبرك إلى أين يسير النقاش.

الحوار الشخصي والحميمي بين الزوجين
لا ننكر أهمية الحوار والنقاش في الأمور الأسرية والتربوية والمادية وغيرها؛ لكن الأهم دائماً وأبداً هو الحوار القريب والحميمي والشخصي بين الزوجين، ذلك الحوار الذي يهدف إلى الحفاظ على أقصى درجة من المعرفة بالآخر وما يطرأ على مشاعره وأسلوب حياته وتجاربه الجديدة (راجع مقالنا عن أهمية الحوار  الشخصي بين الزوجين).

متى تطلب المساعدة
ليس غريباً أن تفشل بإدارة حوار زوجي فعال، الكثير من الزيجات تصل لطريق مسدود في إعادة فتح خطوط التواصل، عندها لا بد من طلب المساعدة من آخرين، ربما تطلب المساعدة من أصحاب التجربة في إعادة إحياء الحوار بين الزوجين، هذا ما يتيحه لك موقع حلوها من خلال طرح استفسارك على مجتمع حلوها الواسع والاستفادة من التجارب الحقيقية المختلفة وآراء الخبراء، ويمكن أن تطلب الاستشارة من متخصصين في العلاقات الزوجية والأسرية، وهذا ما يتيحه لك موقع حلوها من خلال خدمة ألو حلوها، راجع مقالنا عن أهمية الاستشارة الزوجية.
    
أخيراً... يجب أن يكون الحوار الفعَّال بين الزوجين والتركيز على الرغبة في نقاش مثمر ينتج عنه حل حقيقي للمشاكل هدفاً حقيقياً لكليهما، أو على الأقل يجب أن يكون أحدهما قادراً دائماً على إعادة الحوار والنقاش إلى الطريق الصحيح عندما ينحرف إلى شجار، وأهم ما يجب أن يفكر به الزوجان أن كل نقاش فاشل يؤدي إلى ازدياد الأمر تعقيداً، ويجعل من الحاجة لإصلاح الحوار بين الزوجين أكثر إلحاحاً.
 

المراجع والمصادر

[1] مقال Jackie Blendsoe "عشرة أسباب شائعة لتعطل الحوار في الزواج" منشور في allprodad.com، تمت مراجعته في 1/7/2019.
[2] مقال Mary Fisher "ثلاثة أسباب تجعل من قلة التواصل بين الزوجين ضاراً" منشور في marriage.com، تمت مراجعته في 1/7/2019.
[3] مقال "عشرة أسباب للتواصل" منشور في foryourmarriage.org، تمت مراجعته في 1/7/2019.
[4] مقال Sheri Stritof "كيفية خوض بالحوار الصعب بين الزوجين" منشور في verywellmind.com، تمت مراجعته في 1/7/2019.