تغير الأفكار بنية الدماغ، من خلال مرونة العقل البشري، عبر ألية يمكن بنائها.. حتى لو احتاجت لوقت وجهد كبير، وهي المرونة العصبية (Neuroplasticity)، التي تشكل نعمة ونقمة في ذات الوقت، خاصة فيما يتعلق بالأفكار السلبية؛ الشكوى والتذمر تحديداً.


ذات صلة


هل يتغير الدماغ؟

كيف تغيير المعتقدات والأفكار أدمغتنا؟
قلنا أن مرونة الدماغ العصبية يمكن أن تكون نعمة ونقمة، وهي آلية نحن نطورها من خلال طريقة تفكيرنا، فماذا عن ارتباط المرونة العصبية بالنواحي الإيجابية؟ تتعلق الأسباب بعدة تفاصيل وهي:
• يمكننا زيادة ذكائنا.
• يمكننا تعلم مهارات جديدة، وتغيير الحياة.
• يمكننا التعافي من أنواع معينة من تلف الدماغ.
• يمكننا أن نصبح أكثر ذكاء عاطفياً.
• يمكننا "التخلص" من السلوكيات والمعتقدات والعادات الضارة.

على الجانب الآخر.. يمكننا إعادة تصميم عقولنا إلى الأسوأ! لكن لحسن الحظ.. وبفضل قدرتنا على التخلص من السلوكيات والمعتقدات والعادات الضارة، يمكننا تصحيح المسار مرة أخرى [1]! بحيث لا يمكن فصل خبراتك وسلوكياتك وتفكيرك وعاداتك وأنماط تفكيرك وطرق تفاعلك مع العالم؛ عن الطريقة التي يحمي بها عقلك نفسه.
ترتبط المرونة العصبية بالمرض؛ في حال الاكتئاب والقلق أو الشكوى والتذمر، ولا يوجد شيء جوهري في الدماغ، لكنه ببساطة يولف الدارات العصبية ليخلق الميل نحو نمط من الاكتئاب مثلاً، كما يتعلق الأمر بالطريقة التي يتعامل بها الدماغ مع الإجهاد والتخطيط والعادات وصنع القرار وعشرات الأشياء الأخرى، إنه نوع من التفاعل الديناميكي لجميع تلك الدوائر، وما أن يبدأ هذا النموذج في التكوّن؛ فإنه يتسبب بعشرات التغييرات الصغيرة في جميع أنحاء الدماغ، التي تخلق دوامة هبوطيه؛ في حالات القلق أو الشكوى والتذمر، لذا فالمرونة العصبية، يمكن أن تكون المشكلة والحل!
 

ذات علاقة


الشكوى تغيير الدماغ

كيف يمكن للتذمر واجترار الأفكار الكئيبة تغيير الدماغ
نناقش من آثار السلوكيات السلبية، على وجه التحديد؛ الشكوى والتذمر وكيف يمكن أن تغير هذه السلوكيات مرونة الدماغ، ومن يعاني من الأفكار السلبية باستمرار، يبدو غير راضٍ أبداً عن أي شيء أو أي شخص، فالأشخاص السلبين يشتكون دائماً، ودون أن يملّوا، والأسوأ من ذلك أن المشتكين غير راضين عن إبقاء أفكارهم ومشاعرهم لأنفسهم، بدلاً من ذلك يبحثون عن بعض المشاركين للتنفيس وهذا الأمر مما لا شك فيه؛ مزعج لأصدقائهم وعائلاتهم، فلا بد من فهمهم.. ومن الطبيعي أن نشكو جميعنا من وقت لآخر[2]، بشكل عام المشتكون هم:

1- الباحثون عن الاهتمام: الأشخاص الذين يلتمسون الانتباه من خلال الشكوى؛ حديثهم دائماً عن الأسباب والكيفية التي جعلتهم أسوأ من أي شخص آخر، ومن المفارقات أن الناس (العقلانيين) مستعدون لتجاهل هذا الشخص مباشرة، بدلاً من إهدار الطاقة العقلية التي تركز على سلبيتهم.

2- المتذمرون المزمنون: يعيش هؤلاء الأشخاص في حالة دائمة من الشكوى، إذا كانوا لا يعبرون ويتحدثون عن أنفسهم التي أصابها الويل، فربما يفكرون طوال الوقت في الأمر.

3- المتذمرون الذين يعانون من نقص عاطفي: يرتبطون مع حالات الاكتئاب والقلق، بحيث لا يهتم هؤلاء الأشخاص بوجهة نظرك أو أفكارك أو مشاعرك، فأنت بالنسبة لهم وسيلة ومن خلالها سوف يسكنّون مشاعرهم، ويتنفسون مع كل فرصة توفرها لهم.
 

تورط الدماغ في التذمر

نخلق سلوكنا السلبي من خلال التكرار
معظم الأشخاص السلبيين لا يريدون الشعور بهذه الطريقة؛ ومن يريد ذلك في الأصل؟! وإذا سمحت للسلوكيات الضارة مثل الشكوى باستمرار بالسيطرة على تفكيرك؛ ستؤدي حتما إلى تغيير عمليات التفكير لديك، والأفكار المتغيرة تؤدي إلى تغيير المعتقدات مما يؤدي إلى تغيير في السلوك، بحيث يمتلك دماغنا ما يسمى التحيز السلبي (Negativity Bias)، بعبارة أبسط فإن انحياز السلبية: هو ميل الدماغ إلى التركيز على الظروف السلبية أكثر من الإيجابية، ويوضح عالم الأعصاب ومؤلف كتاب (دماغ بوذا)؛ الدكتور ريك هانسون (Rick Hanson) تحيز السلبية: "المنبهات السلبية تنتج نشاطاً عصبياً أكثر من تلك الإيجابية، كما يمكن ملاحظتها بسهولة وسرعة أكبر" [3].

التكرار هو أساس كل تعلّم، وعندما نركز بشكل متكرر على السلبية من خلال الشكوى والتذمر، فإننا نطلق ونعيد إطلاق الخلايا العصبية المسؤولة عن تحيّز السلبية.
عليك أن تدرك أننا نحن البشر لدينا سرعة في التكيف مع الظروف والعودة إلى نقطة ثابتة للعاطفة، كما أنه ليس من الضروري أن يكون التكيف حتمياً؛ فقد يكون التأثير السلبي أقوى أمام ضعف التأثير الإيجابي والرضا عن الحياة، مع ذلك فالحث الإيجابي للعاطفة أمرٌ ضروري، من خلال ممارسات كالتأمل أو التفاعل مع الآخرين.

بالنتيجة.. المشاعر الإيجابية آلية تغيير ضرورية للدماغ [4]، وذلك من خلال تدريب العقل على زيادة المشاعر الإيجابية، بالتالي الثروة الشخصية ورفاه الذات، فعندما يفتح الناس قلوبهم على المشاعر الإيجابية؛ يؤسسون لنموهم بطرق تحولهم إلى الأفضل، من خلال تغيير التحيزات السلبية بطريقة أو بأخرى.
 

حلول للسلبية

تعلّم الدرس من السلبية... عندما تتجاوز أي مشكلة أو فكرة تسبب لك الاكتئاب؛ من دون أن تجد لها الحلول المناسبة، فتعود إليك هذه الأفكار على شكل تذمر وشكوى واجترار للفكرة نفسها أو التفكير بذات المشكلة، فتسبب صعوبة أخرى للدماغ المكتئب والقلق، في عدم القدرة على توليد حلول مرنة، بالنتيجة تجعل من الصعب على كيمياء الدماغ؛ التبديل إلى منظور آخر للعثور على مخرج من المشكلة، لذلك تتكثف الشكوى والتذمر، ثم يتم تعزيز القلق والاكتئاب، يمكنك إيقاف هذا التحيز إلى السلبية بطريقتين[5]: 

اخرج من دائرة الذكريات السلبية: تتحكم الحالة المزاجية بالمرونة العصبية لدينا، ويمكنك تحويل تفكيرك بالذكريات السلبية من خلال:
1- التحدث مع أفراد العائلة أو الأصدقاء: يمكن أن يؤدي إلى نتائج إيجابية بناءً على طلبك، فإنك تبدأ في مسار عصبي مختلف وتتحكم بحالة القلق.
2- النظر إلى صور الذكريات السعيدة: أو التفكير في اللحظات السعيدة ومحاول تذكر حتى الإحساس الجسدي الذي رافقها.
3- الاستماع إلى الموسيقا: فهل يوجد إطار زمني أو نوع من الموسيقى؛ يعيد ذاكرتك إلى مكانها الصحيح؟
4- تواصل مع الأشياء والأماكن التي تحبها: كذلك مع أشياء إيجابية تريح عقلك من اجترار الأفكار والتذمر من مشكلات ليس لها حلول.

أفصل المشاكل وخطط: فإذا تراكمت مشكلاتك مع بعضها البعض حاول أن تفصلها، لا سيما في حال لم يتوفر لديك الحل في الوقت الحالي، وربطت مشاكل لا علاقة فيما بينها، بشكل لا يمكن أن يجعلك تنسى أي منها، ما يمكنك فعله هو:
1- ضع قائمة بالمشكلات في عقلك: وقم بتصنيفها على أعمدة جنباً إلى جنب، حتى تتمكن من معرفة ما إذا كان هناك أي أجزاء متصلة بينها.
2- التحديد: هل يمكنك وضع خطة حل لأول مشكلة؟ إذا كان الأمر كذلك، اكتبها مع خطوات العمل، وافعل نفس الشيء مع كل مشكلة.
3- تأكد فيما إذا كانت أي مشكلة متصلة بغيرها في بقية الأعمدة: وإذا كان الأمر كذلك، ما هي المشكلة التي تأتي أولاً؟ وهل هذا هو المكان الذي سوف توجه إليه جهدك أولاً؟ 
4- تأكد ما إذا كان لا يوجد حل لأي من المشاكل: ثم اكتب تاريخاً قد يكون لديك فيه المزيد من المعلومات للتفكير  بحلها مرة أخرى، هذا الآن مجرد قلق، وإلى أن يتسنى العثور على حل؛ لن تحتاج إلى التفكير به في نفس اللحظة التي تهاجمك فيها؛ لحظات اجترار القلق أو الشكوى، بالعموم.. عندما تظهر أي من هذه المشكلات مجدداً؛ قل مثلاً: "توقف! لدي خطة"، وهذا يستحق منك جهداً.. وهو جهد ليس بالهين أبداً.

في النهاية.. لا يمكن أن نشعر بالسعادة طوال الوقت، ولسنا بحاجة إلى محاولة ذلك حتى، لكن ينبغي علينا اتخاذ خطوات ملموسة لمواجهة التفكير السلبي، من خلال ممارسة بعض التأمل والتفكير بهدوء لحلول تساهم في مكافحة سلبية شخصياتنا وحياتنا، شاركنا رأيك من خلال التعليقات على هذا المقال.
 

مراجع ومصادر

[1] مقال James Clear، "كيف يعزز التفكير الإيجابي صحتك"، منشور على موقع jamesclear.com، تمت المراجعة في 28/07/2019
[2] مقال "كيف تضر المرونة العصبية وتساعد الصحة العقلية"، منشور على موقع thebestbrainpossible.com، تمت المراجعة في 28/07/2019.
 [3] تحدي التحيز السلبي، منشور على موقع rickhanson.net، تم المراجعة في 28/07/2019
[4] دراسة Barbara L. Fredrickson, Michael A. Cohn وآخرين2008، "دور الممارسات الإيجابية في تعزيز نماء الشخصية"، منشورة على موقعncbi.nlm.nih.gov، تمت المراجعة في 28/07/2019
[5] مقال Margaret Wehrenberg، "حلول لمشكلات السلبية"، منشور على موقع psychologytoday.com، تمت المراجعة في 28/07/2019