نعاني جميعاً من الخداع أكثر مما نتصور، وفي الحقيقة غالباً ما نخدع أنفسنا دون أن نشعر، فكم مرة شعرت أنك أخطأت في تقدير موقفٍ ما أو أخطأت في تقدير أحد الأشخاص ومنحته أقل أو أكثر مما يستحق؟
في هذه المادة؛ نتعرف معاً إلى الأسباب التي تجعلنا ننخدع بالمظاهر، وذلك من خلال التعرف على معنى التصورات المسبقة والمواقف النمطية وكيفية ترسيخ هذه التصورات بأذهاننا دون أن نشعر للتحول لقناعات، كما نقدم لكم بعض النصائح للتخلص من التصورات المسبقة وتقليل فرصة التعرض للخديعة.


الأسئلة ذات علاقة


لا تحكم على الكتاب من خلافه!

انتشرت مؤخراً عبارة "لا تحكم على الكتاب من غلافه" كتحدٍ صارخ للعبارة التقليدي "المكتوب واضح من عنوانه"، وليس من الإنصاف القول أن في أحد القولين حقيقة مطلقة!.
قبل أن نخوض في تحليل تأثير المظاهر الخداعة على حياتنا لا بد من القول أن المظاهر الخداعة ذات وجهين؛ فأنت أحياناً تقع ضحية نصب أو غش من شخص أنيق ويجيد الكلام، لكنك أيضاً قد تتفاجأ بسائق سيارة أجرة يحمل شهادات جامعية عالية ويمتلك أخلاقاً رفيعة!، ولا شك أنك ستكون أكثر سعادة عندما تخطأ التقدير وتكون الحقيقة أفضل مما توقعت، لكنك ظلم الشخص وحكمت عليه!.
وفي نفس الوقت كثيراً ما تحسن تقدير الأشخاص واكتشاف دواخلهم ونواياهم من اللقاء الأول، وربما يكفي موقف واحد ليجعلك تبني صورة ذهنية صحيحة عن الشخص!.


لماذا تخدعنا المظاهر؟

التصورات المسبقة كارثة الكوارث!
إذاً ليست المشكلة أن تتبع حسدك وما يخبره بك عقلك وقلبك كانطباع أول، بل المشكلة أن يقودك هذا الانطباع إلى مجموعة من التصورات المسبقة التي تتحكم بسلوكك وانفعالاتك.
والتصورات المسبقة هي الحفرة التي يقع فيها الإنسان غالباً ولا يستطيع تجنها ببساطة، فالتصورات المسبقة إن لم تكن موضوعية مبنية على الحقائق تؤدي إلى إفشال العلاقات وتدهور الأعمال واهتزاز الثقة بالنفس.
والقوالب (Stereotype) التي يتبناها الشخص ويبني عليها تصوراته المسبقة هي التربة الخصبة للفشل في إدارة الحياة وتطوير الذات، فعندما تعتقد مسبقاً أن كل فقير طماع قد تخسر أصدقاءً جيدين وتكتسب أعداءً أثرياء لكنهم طماعون!.

من الصعب إن لم نقل من المستحيل أن تخوض تجربة الحياة دون أن تتعرض للخيبة والخديعة، وليس المسؤول دائماً هو الشخص المخادع، غالباً ما تقف إساءة التقدير والأحكام الخاطئة خلف وقوعك ضحية للمظاهر، وإن كنت تسأل نفسك لماذا تخدعنا المظاهر الخداعة؛ فكر كيف تخدعنا المظاهر.

كيف تخدعنا المظاهر؟

كيف تعمل التصورات المسبقة على تدميرنا!
كل من يشعر أن لديه مشكلة في تقديره للأشخاص من حوله أو أنه يعاني من الانسياق وراء المظاهر وإطلاق أحكام خاطئة، لا بد أن يعرف كيف يعمل العقل على تكوين القوالب النمطية المسؤولة عن الإيقاع بنا في كل مرة!، وبدل أن نقول أن المظاهر خدعتنا لنقل أن عقولنا هي التي تخدعنا.

الاستجابة السريعة تؤدي إلى نتائج مريعة
في طبيعة الحال تعمل القوالب النمطية والمواقف المسبقة (Prejudice attitudes) على إحداث استجابات سريعة لدينا تمنعنا من النظر إلى الأمور نظرة فاحصة وموضوعية، وهذه طريقة عمل عقلنا البشري الذي يميل إلى تقليل الجهد المبذول للوصول إلى الحقيقة من خلال الاعتماد على التجربة السابقة.
هذه الآلية -تقليل المجهود الفكري- تكون فعالة في تعلم الأشياء الجديدة كقيادة السيارة أو العزف على الآلات الموسيقية، لكن إدارة التجارب السابقة دون السماح لها أن تتحول لنمط هي ما نحتاجه في حياتنا الاجتماعية.
فمن يتعرض للخيانة الزوجية مثلاً؛ إمَّا أن يبني تصوراً أن سبب الخيانة الزوجية هو الزواج نفسه أو أن النساء غير قادرات على الوفاء وبذلك يقضي على مستقبله العائلي والعاطفي والنفسي، وإمَّا أن يقر أنَّه أساء التقدير باختيار شريكه أو أساء معاملته بطريقة ما بحيث دفعه إلى ذلك، وبالتالي يستطيع أن يصلح أخطاء التقدير أو سوء المعاملة في التجربة القادمة وسيكون قد اكتسب خبرة أكبر.

التجارب السابقة تعزز القوالب النمطية
فإذا تعرضت للسرقة أثناء زيارتك لدولة معينة ستنطبع في ذهنك صورة سلبية عن هذه الدولة، وستترسخ بقدر الضرر الذي ينتج عن هذه السرقة، ثم ستحاول نشر الوعي بين معارفك لعدم زيارة هذه الدولة وبالتالي سيتشكل لديهم تصور مشابه لتصورك دون حتى أن يخوضوا التجربة.
دعنا نحلل كيف سيؤثر هذا التصور عليهم؛ إذا ذهب أحدهم إلى تلك البلاد سيظهر عليه الحذر الشديد على أمتعته وأغراضه، وسيكون جاذباً للصوص الذين لا تخلو منهم بلد، وقد يتعرض للسرقة لشدة حذره من السرقة، وعندما يعود سيقول لك "معك حق.. لقد تعرضت للسرقة!"، وهكذا تتعزز الصورة النمطية لديكما وتنقلانها للآخرين.

وسائل الإعلام أكبر مصانع القوالب على الإطلاق
تستغل وسائل الإعلام المختلفة قدرة العقل على بناء القوالب النمطية واتخاذ الموافق المسبقة لقيادة الرأي العام وتشكيل مواقف جديدة تحرك السلوك الجماعي، ومن المؤسف أن عقولنا أكثر قابلية لتصديق الصور النمطية السلبية.
كي لا نخوض في الجانب السياسي للموضوع سنتحدث عن الإعلانات!، لا بد أن بعضكم يفكر لما ينظر المجتمع للمرأة المدخنة كمرأة سيئة السلوك فيما يكون أكثر رحمة في التعامل مع الرجل المدخن، مع أن الثابت علمياً أن التدخين لا يؤدي بأي شكل من الأشكال للقيام بأعمال غير أخلاقية بصورة غير إرادية، كما لا يوجد ما يؤكد ارتباط التدخين بتكوين منظومة المبادئ والأخلاق الشخصية، فالمدخن (أو المدخنة) قد يكون قاتلاً أو ناسكاً، سارقاً أو شاعراً، غنياً أو فقيراً.
القصة تبدأ مع الإعلانات والأفلام السينمائية، حيث استعان مخرجو الإعلانات بالعارضات الحسناوات لتقديم السجائر للمستهلكين وتعزيز انتشارها بين الرجال طمعاً باستنزاف جيوبهم، وعمد هؤلاء إلى استخدام المشاهد المغرية جنسياً مع التدخين ما سيضاعف رغبة الرجل في تجربة التدخين، وهذه المدرسة ما تزال متبعة إلى الآن في الإعلان عن الكثير من السلع.
نجحت هذه الطريقة في توسيع السوق وزيادة المستهلكين، لكنها أيضاً نجحت في جعل الصورة النمطية للمرأة المدخنة أنها مرأة مغرية، ثم امرأة سيئة السمعة، وهذه هي النظرية ذاتها مع العلكة، فما جعل العلكة أمراً مكروهاً اجتماعياً للمرأة هو استخدام العارضات الحسناوات والمغريات في إعلانات العلكة، ثم التركيز على العلكة في الأفلام السينمائية كجزء من شخصية المرأة السيئة.
اليوم أصبح ارتباط سمعة المرأة بالتدخين أمراً شبه محسوم، حتى جيل الكتاب الجدد والمخرجين الجدد يتعاملون مع هذا التصور كحقيقة مطلقة ويعيدون اجتراره بشكل دائم.
كذلك الأمر فيما يتعلق بالارتباط بين التدخين والشر، فتجد البطل يطفئ سيجارته قبل ارتكاب الجريمة مباشرة، ويشعل أخرى بعد انتهاء الجريمة، والمغتصب لا بد أن يكون مدخناً، ترى إلى أي درجة يمكن الوثوق بهذا المعيار؟!.
 

كيف نتجنب المظاهر الخادعة

دمر الصورة النمطية لتحظى بأحكام حقيقية
إذا كنا متفقين على أن أكثر ما يقف وراء وقوعنا ضحايا المظاهر هي التصورات الذهنية التي نمتلكها فلا بد أن إعادة تكوين المواقف المسبقة، مما يعني تقليل فرصة وقوعنا ضحية المظاهر مرة أخرى، ونحن لا ننكر أن عوامل أخرى تلعب دورها في الوقوع بالفخ لكنا نعتقد أن ما نمتلكه من تصورات أهم بكثير من هذه العوامل الأخرى، وهذا لن يمنعنا من ذكرها في نهاية هذه الفقرة.

ثق بحدسك ولا تتصرف بما يمليه عليك!
خطورة الانطباع الأول أنَّه يتحكم بتصرفاتنا، والتنبؤ بكونه انطباعاً صحيحاً أم لا ليس بالأمر اليسير قبل خوض التجربة، وصمُّ الآذان عن الحدس أو تجاهل الانطباعات الأولى ليس ممكناً وليس جيداً أيضاً.
الأسلوب المثالي هو الإصغاء للحدس والانطباع الأول دون السماح له بالتأثير على السلوك، لنأخذ مثالاً على ذلك.
غالباً ما نعتقد أن من يضع وشماً على جسمه شخص شرير، فإذا كنت تدير محلاً لبيع الذهب ودخل زبونٌ يضع وشماً على ذراعه سيقول لك عقلك احذر، إذاً احذر ولكن... لا تغير معاملتك اللطيفة معه، حدسك سينفعك إذا كان شريراً من خلال التركيز على تصرفاته وحركاته تحضيراً لمواجهة أي تصرف غريب، وتصرفك اللطيف سينفعك إن كان زبوناً عادياً.
مثالٌ آخر؛ الساعة الذهبية تعني أنه شخص ثري، عندما تتعرفين على هذا الشاب فكري أنه ربما يكون أكثر فقراً مما تعتقدين، ربما سرق هذه الساعة واستلف الثياب من ابن عمه!، هل يعني هذا أن تبتعدي عن كل من يرتدي ساعة ثمينة؟، بالطبع لا كل، ما في الأمر أن تتركي الساعة وشأنها وتفكري بإشارات أخرى إن كان الشخص المناسب!.

تعرف على الآخرين أكثر
قبل أن ترتاح لشخص ما وتمنحه كل مفاتيحك وقد يكون عدوك الأشد، وقبل أن تغلق الأبواب بوجه شخص آخر قد يكوناً صديقك المقرب، فكر ثانية واترك الباب ما بين بين، ودع الزمن والتجربة تعرفك عليه أكثر لترى إن كان يستحق دخول عالمك أم لا.

فكر بالصور التقليدية التي تمتلكها
ربما يكون التأمل مفيداً في إعادة بناء التصورات الذهنية وتحسينها لتكون أكثر مرونة، حاول أن تحلل إحدى الاعتقادات النمطية في ذهنك لترى إن كانت صائبة.
مثلاً؛ هل تعتقدين حقاً أن القميص المفتوح يعبر عن شابٍ منطلق؟ ربما كان الزر مقطوعاً!، هل تعتقد أن الفتاة أقل قدرة على تحقيق الانتصار في لعبة قتالية؟ تعرف على بطلات العالم بالجودو، هل تظن أن المرأة العاملة أكثر تقبلاً للمغازلة من ربة المنزل، هذا سيعرضك لصفعة على وجهك يوماً ما! ....إلخ.

اجعل كل واحدة من تجاربك فريدة لأنها كذلك
 من الطبيعي أن يتشكل عندنا موقف سلبي من كل ما يتعلق بتجربة سيئة، لكن من المنطقي أن نحاول فصل الأمور عن بعضها وإدراك تأثير الظروف المتشابكة على حياتنا.
هذا ما يجعلنا مثلاً نذهب إلى الطبيب على الرغم من قصص الأخطاء الطبية القاتلة، فلو فكرت أن الطبيب يقتل سيقتلك المرض دون أن تراجع الطبيب!.
 

عوامل أخرى تجعلنا فريسة للخديعة

لقد تقصدنا التركيز على التصورات المسبقة والقوالب النمطية ودورها في جعل المظاهر تخدعنا لأننا نعتقد أن التصورات المسبقة هي السبب الرئيسي للخيبات!، وهي الجانب الذي يصعب الولوج إليه والتحكم به إن لم يبذل الإنسان جهداً إرادياً في هذا السبيل.
لكن هناك عوامل أخرى تجعلنا ضحايا الخداع؛ منها:
- إذا كان حظك عاثراً قد تقع في شباك شخصٍ محترف في النصب والخداع فلا تنفعك فراستك باكتشافه، لكنك ستكتسب خبرة إضافية!.
- طيبة القلب الزائدة قد تعرضنا للكثير من الهفوات والمشاكل.
- تقديم التنازلات بالجملة في العمل أو الحياة الشخصية والعلاقات العاطفية يجعلنا لقمة سائغة للمخادعين، فحتى إن لم تكن النية أن يخدعنا سيخدعنا عندما يرى تنازلات كثيرة.
- اختلاف البيئة قد يجعلناً أيضاً ضحية للخداع، فعندما نتعامل مع أشخاص من ثقافات لا نعرف عنها الكثير قد يستغلون هذه الثغرة لخديعتنا، لذلك يتعرض الأجانب للنصب أين ما ذهبوا.
- التسرع في اتخاذ القرارات دون تحليل أو تفكير يجعلنا ننخدع بالصورة الأولى.

أخيراً... ما نريد قوله أن جزءاً كبيراً من المسؤولية في الوقوع ضحية المظاهر المخادعة يقع على الضحية دون تبرأة الجاني، ولذلك يجب أن يسعى كل منا إلى تطوير مهاراته الاجتماعية ليمتلك ذكاءً اجتماعياً وعاطفياً لا ينبه الخديعة فحسب وإنما يجعله يختار الأشخاص المناسبين.
 

عوامل أخرى تجعلنا فريسة للخديعة

لقد تقصدنا التركيز على التصورات المسبقة والقوالب النمطية ودورها في جعل المظاهر تخدعنا لأننا نعتقد أن التصورات المسبقة هي السبب الرئيسي للخيبات!، وهي الجانب الذي يصعب الولوج إليه والتحكم به إن لم يبذل الإنسان جهداً إرادياً في هذا السبيل.
لكن هناك عوامل أخرى تجعلنا ضحايا الخداع؛ منها:
- إذا كان حظك عاثراً قد تقع في شباك شخصٍ محترف في النصب والخداع فلا تنفعك فراستك باكتشافه، لكنك ستكتسب خبرة إضافية!.
- طيبة القلب الزائدة قد تعرضنا للكثير من الهفوات والمشاكل.
- تقديم التنازلات بالجملة في العمل أو الحياة الشخصية والعلاقات العاطفية يجعلنا لقمة سائغة للمخادعين، فحتى إن لم تكن النية أن يخدعنا سيخدعنا عندما يرى تنازلات كثيرة.
- اختلاف البيئة قد يجعلناً أيضاً ضحية للخداع، فعندما نتعامل مع أشخاص من ثقافات لا نعرف عنها الكثير قد يستغلون هذه الثغرة لخديعتنا، لذلك يتعرض الأجانب للنصب أين ما ذهبوا.
- التسرع في اتخاذ القرارات دون تحليل أو تفكير يجعلنا ننخدع بالصورة الأولى.

أخيراً... ما نريد قوله أن جزءاً كبيراً من المسؤولية في الوقوع ضحية المظاهر المخادعة يقع على الضحية دون تبرأة الجاني، ولذلك يجب أن يسعى كل منا إلى تطوير مهاراته الاجتماعية ليمتلك ذكاءً اجتماعياً وعاطفياً لا ينبه الخديعة فحسب وإنما يجعله يختار الأشخاص المناسبين.