من منا لم يلاحظ الحرب على القمح التي ظهرت في السنوات الأخيرة في مختلف بلدان العالم، والحديث المطول حول مادة الجلوتين (Gluten) الموجودة في القمح والشعير والشوفان، كما كثرت المغالطات والكلام غير العلمي حول تأثيرات الجلوتين على الأفراد الطبيعيين مقارنة بأولئك الذين يتحسسون منه.
لذلك سنتعرف في هذا المقال على العلامات المميزة للأفراد المصابين بعدم تحمل الجلوتين، والمعلومات الصحية والغذائية التي قد تحتاجها في حال إصابتك بهذا الاضطراب الهضمي.
 


الأسئلة ذات علاقة


لمحة عن الجلوتين

الاسم الطبي العالمي لحالة عدم تحمل الجلوتين هو الداء الزلاقي (Coeliac Disease)، وهو مرض هضمي شائع إلى حد ما، يحدث فيه التهاب في الأمعاء الدقيقة (الأمعاء الدقيقة هي الجزء من الجهاز الهضمي الذي يحدث في اكتمال عملية هضم المواد الغذائية وامتصاصها إلى الدم)، نتيجة هذا الالتهاب تزول قدرة الأمعاء على امتصاص المواد الغذائية مما يسبب سوء تغذية مزمناً وإسهالاً والعديد من الأعراض الأخرى بعد تناول الأغذية الحاوية على الجلوتين.

يوجد الجلوتين في جميع المنتجات الغذائية التي تحتوي على منتجات القمح والشعير والشوفان، ومن هذه المنتجات:
- معظم أنواع الخبز.
- الكعك.
- بعض أنواع الصلصات.
- معظم أنواع البيرة.
- بعض الوجبات الجاهزة التي تدخل منتجات الأغذية السابقة في إنتاجها.

أما الذرة والرز فهي مأكولات آمنة للمصابين بالداء الزلاقي، ويمكن الاعتماد عليها كبديل طويل الأمد لهؤلاء الأشخاص
 

ذات علاقة


أعراض الداء الزلاقي

أعراض التحسس من الأطعمة الحاوية على الجلوتين 
يمكن أن يؤدي تناول الأطعمة الحاوية على الجلوتين إلى العديد من الأعراض المعوية، وأهمها ما يلي:
- الإسهال: الذي يكون كريه الرائحة أكثر من البراز المعتاد.
- الألم البطني: يتحرض بتناول الطعام، لكنه لا يقتصر على فترة ما بعد الوجبة فحسب.
- النفخة: وإخراج الغازات البطنية بشكل زائد.
- عسر الهضم: بسبب تخريب بطانة الأمعاء الدقيقة نتيجة ردة الفعل التحسسية على الجلوتين.
- الإمساك.

كما يمكن للداء الزلاقي أن يسبب أعراضاً عامة لا تقتصر على الأمعاء، ومن هذه الأعراض:
- التعب والوهن:
بسبب سوء التغذية (حتى لو كانت تغذية المريض متوازنة فهو لا يستفيد من الأطعمة التي يتناولها لأنها لا تُمتص أصلاً).
- فقدان الوزن: نتيجة سوء التغذية أيضاً.
- التهاب الجلد: هناك نوع مميز من التهابات الجلد يحدث لدى المصابين بالداء الزلاقي يدعى التهاب الجلد عقبولي الشكل أو الشبيه بالهربس (Dermatitis Herpetiformis)، يحدث هذا الالتهاب لدى واحد من كل 5 مصابين بالداء الزلاقي، ويبدو بشكل طفح جلدي مترافق بثآليل وحكة في المرفقين والركبتين والمؤخرة بشكل خاص، لكنه قد يظهر في أي مكان من سطح الجسم.
- إصابة الأعصاب: تٌعرف باسم الاعتلال العصبي المحيطي (Peripheral Neuropathy)، اضطراب ينتج عن أذية الألياف العصبية الفرعية المنتشرة في المناطق البعيدة عن الدماغ والنخاع الشوكي (مثل اليدين والقدمين بشكل أساسي)، قد تكون الأعراض بشكل تنميل وخدر أو على شكل إحساس بالحرق أو الألم المستمر في بعض المناطق من الجسم.
- تقرحات فموية: ليست عارضاً شائعاً.
- اضطراب الوظائف الدماغية: مثل خلل المشي والتوازن وتنسيق الحركات الجسدية المركبة، أو التلعثم في الكلام.
- أعراض أخرى متنوعة: مثل الألم المفصلي، تآكل الأسنان، هشاشة العظام، الحرقة الهضمية.

هناك عدد من الأعراض المميزة لإصابة الأطفال بالداء الزلاقي مثل:
- الإقياء.
- تأخر النمو والبلوغ: يؤدي سوء التغذية الناتج عن الداء الزلاقي إلى تأخر نمو الأطفال المصابين به عن أقرانهم، ينعكس ذلك عند الطفل بتأخر ظهور علامات البلوغ الجنسي مثل الدورة الشهرية لدى الأنثى والاحتلام لدى الذكر، كما أن المصابين لا يصلون إلى الطول والوزن الكامل لأقرانهم حتى بعد البلوغ.
- انتفاخ البطن.
- ضمور العضلات.
- أعراض عصبية: مثل صعوبة التعلم، الصداع، التأخر العقلي وعدم القدرة على تعلم الحركات المعقدة، إضافة إلى نوبات شبيهة بالصرع.
 

سبب حساسية الجلوتين

ما هو سبب حساسية الجلوتين؟
يعتبر الداء الزلاقي من أمراض المناعة الذاتية (Autoimmune Diseases)؛ وهي الأمراض التي يقوم فيها الجهاز المناعي بمهاجمة الأنسجة الطبيعية، ففي هذا المرض يتم التعرف على المواد الكيميائية المركبة للجلوتين على أنها مواد غريبة تمثل تهديداً للجسم، يحرِّض هذا ردة فعل مناعية التهابية تنتهي بتخريب الخلايا البطانية التي تشكِّل السطح الداخلي للمعي الدقيق وطريق عبور المواد الغذائية منه إلى الدم، مما يمنع الجسم من امتصاص المواد الغذائية لتخرج هذه المواد دون امتصاص كافٍ، هذا ما يسبب الإسهال المزمن الذي يُعتبر صفة أساسية للداء الزلاقي.
لا أحد يعلم بشكل دقيق الأسباب التي تدفع الجهاز المناعي البشري إلى التعرف على الجلوتين كمادة ضارة، ولكن من المعروف أن العوامل الوراثية والبيئية تعمل بشكل مشترك لتشكيل هذا المرض.

ملاحظة: الداء الزلاقي ليس مجرد تحسس أو عدم تحمل غذائي (مثل عدم تحمل سكر الحليب مثلاً)، إنما هو مرض التهابي مزمن يتحرض بالغذاء، ويؤدي إلى تأثيرات جسدية عديدة على جسم المصاب لا تقتصر على سوء الامتصاص أو الألم البطني.
 

المصابون بحساسية الجلوتين

من يصاب بالداء الزلاقي؟
يقدر بعض الخبراء النسبة التقريبية للمصابين بالداء الزلاقي بحوالي 1%، ولكن هذا التقدير قد يكون أقل من القيمة الحقيقية لأن الكثير من الحالات تمر دون أعراض واضحة، ولا يتم تشخيص المرض حتى فترات لاحقة من حياة المريض (أو قد لا يُشخَّص أبداً)، كما أن أعراضه تلتبس باضطرابات أخرى مثل القولون العصبي.
يمكن أن يتطور الداء الزلاقي في أي مرحلة من حياة الإنسان، كما أنه قابل للحدوث لدى مختلف الأعراق البشرية (بالرغم من شيوعه الكبير لدى سكان شمال أوروبا بشكل خاص)

وتُعتبر هاتان المرحلتان العمريتان ذروتا الإصابة بالداء الزلاقي:
- الطفولة المبكرة:
خاصة بين عمر 8 سنوات حتى 12 سنة، لكن التشخيص الصحيح قد يتأخر بسبب تنوع الأعراض التي قد لا تكون واضحة ولا توجه الطبيب نحو التشخيص بسهولة.
- سن الكهولة: بين عمر الـ 40 والـ 60، هنا تصاب الإناث أكثر من الذكور بحوالي ضعفين.

مقومات عدم تحمل الجلوتين

يزداد احتمال إصابة الشخص بالداء الزلاقي في حال وجود المقومات التالية:
- قصة عائلية: أي وجود شخص من أفراد العائلة مصاب بالداء الزلاقي، أو الالتهاب الجلدي المرتبط به (التهاب الجلد عقبولي الشكل).
- السكري: من النمط الأول (يدعى أيضاً باسم السكري الطفلي).
- أمراض وراثية: مثل متلازمة داون أو متلازمة تورنر (حالة وراثية تكون المريضة بها أنثى شكلياً، لكن بدون صفات جسدية أنثوية).
- التهاب المفاصل الروماتيزمي.
 

مخاطر الداء الزلاقي

إذا لم تتم مراقبة الداء الزلاقي وعلاجه بشكل جيد يمكن أن يقود ذلك إلى الكثير من المشاكل الصحية، ومن هذه المشاكل:
- سوء التغذية
: لأن الضرر الحاصل في الأمعاء الدقيقة يكون قد أصبح كبيراً وغير قابل للتعويض، يقود سوء التغذية هذا إلى فقر الدم وخسارة الوزن، إضافة إلى تأخر البلوغ وبطء النمو والتطور العقلي كما ذكرنا.
- خسارة الكالسيوم والفيتامين D: يؤدي نقص امتصاص هاتين المادتين عند الأطفال إلى تلين العظام أو الكساح (Rickets) أما عند البالغين فيُحدث ترقق العظام أو هشاشة العظام (Osteoporosis).
- مشاكل الخصوبة: مثل العقم أو الإسقاطات المتعددة، لأن الكالسيوم والفيتامين D يلعبان دوراً في عملية الخصوبة والجهاز التكاثري الذكري والأنثوي.
- عدم تحمل سكر الحليب: يمكن أن تؤدي إصابة مساحات واسعة من الأمعاء الدقيقة إلى ألم بطني وإسهال بعد تناول منتجات الحليب، حتى وإن لم تحتوِ هذه المنتجات على الجلوتين، يبدأ جسد المريض بتقبل الحليب ومنتجاته مرة أخرى بعد الالتزام بالحمية الخالية من الجلوتين، لكن في بعض الحالات الشديدة لا يستطيع المريض تحمل الحليب حتى مع شفاء الأمعاء والالتزام بالحمية.
- الأورام الخبيثة: تحدث هذه الأورام بشكل خاص عند المرضى غير الملتزمين بالحمية خاصة أولئك الذين لا يُبدون أعراضاً واضحة، فلا يتم تشخيص المرض لديهم ولا يخبرهم أحد بوجوب اتِّباع حمية أساساً، أكثر أنواع السرطان التي تصيب مرضى الداء الزلاقي شيوعاً هي لمفوما الأمعاء وسرطان المعي الدقيق.
 

علاج عدم تحمل الجلوتين

كيف يمكن علاج الداء الزلاقي؟    
يعتمد علاج الداء الزلاقي بشكل أساسي على اتِّباع حمية غذائية خالية من الجلوتين بشكل تام، هنا يجب استشارة أخصائي تغذية لمعرفة الأغذية المسموحة والممنوعة، ولتعلُّم أنواع المنتجات الغذائية الخاصة بمرضى الداء الزلاقي مثل خبز الذرة والمعجنات الخالية من الجلوتين.
منذ أن يتم سحب الجلوتين من النظام الغذائي تبدأ بطانة الأمعاء الدقيقة بالتعافي، ويخف الالتهاب خلال عدة أسابيع، أما أعراض الألم البطني فتبدأ بالزوال خلال بضعة أيام فحسب، وتتطور الحالة إلى الشفاء التام خلال عدة أشهر إلى سنوات، كما يبدو أن الشفاء يكون أسرع لدى الأطفال منه لدى البالغين.
في حال تناول طعام يحتوي على الجلوتين بالخطأ يشعر المصاب بألم بطني مترافق بالإسهال، كما يمر الأمر دون أعراض لدى بعض الأشخاص، لكنَّ هذا لا يعني أبداً أن هذا الطعام غير مؤذٍ، فالضرر موجود حتى في حال تناول كميات قليلة من المواد الممنوعة في الحمية، حتى لو لم يتسبب تناولها بألم بطني أو إسهال.
كما يجب في الكثير من الأحيان تعويض الفيتامينات والعناصر التي يتأثر امتصاصها بإصابة الأمعاء الدقيقة الالتهابية، ومن هذه المواد بعض الفيتامينات (فيتامين B12 - B9 – D – K) وبعض المعادن (الحديد – الزنك – الكالسيوم).
 

بعض الأطعمة المسموحة لحساسية الجلوتين

هناك الكثير من الأطعمة الأساسية التي لا يمنع الداء الزلاقي من تناولها، مثل:
- اللحوم الطازجة بمختلف أنواعها (الحمراء والبيضاء والأسماك)، أما اللحوم المحفوظة أو المخلوطة بصلصات فهي ليست آمنة دوماً.
- معظم منتجات الألبان.
- الفواكه.
- الخضراوات.
- الذرة.
- الرز.

وفي النهاية، يعلم الجميع أن القمح ومنتجاته (وأهمها الخبز) من أول وأهم الأطعمة التي اخترعها الإنسان خلال تاريخ الحضارة البشرية، وهو ليس مادة سامة أو مسرطنة للأشخاص السليمين من الناحية الهضمية، لذلك لا يوجد دليل حتى اليوم على صحة الادعاءات القائلة بوجوب اتباع جميع أفراد المجتمع حمية خالية من الجلوتين بصفتها واجباً صحياً، وغالباً ما يكون السبب وراء هذه الادعاءات دوافع تجارية بغرض نشر بدعة جديدة والتسويق لمنتجات ليس الجميع بحاجتها.