على الرغم أن تعاطي المواد المخدرة ليس بالأمر الجديد على المجتمع البشري لكن التطور الذي شهده العالم الحديث انعكس بشكل واضح على انتشار تعاطي المخدرات وتطور آليات صناعتها وترويجها والتربح منها، بالتالي ازداد الاهتمام بوضع الأساليب المناسبة لمكافحة المخدرات، جنباً إلى جنب مع تقديم المساعدة للمدمنين للإقلاع عن المخدرات.
وعلى الرغم من صعوبة الإقلاع عن المخدرات إلا أنه ليس أقل صعوبة من تجربة الإدمان نفسها، كما أن معركة جديدة يخوضها المعافى من الإدمان في سبيل عيش حياة طبيعية بعد الإقلاع عن المخدرات.
 


ذات صلة


رحلة الإقلاع عن المخدرات

إن قرار الإقلاع عن المخدرات يعتبر من أكثر القرارات التي يمكن أن يتخذها الإنسان جرأة وشجاعة، وتختلف الفترة التي يحتاجها المدمن للتخلص من المخدرات نهائياً حسب نوع المخدرات التي كان يتعاطها وتأثيرها عليه وإصراره على تركها ونوعية الرعاية التي يتلقاها، وقد تحدثنا في مقال سابق عن رحلة الإقلاع عن المخدرات وعلاج الإدمان بالتفصيل.
ولا بد من التنويه أن تجربة الإدمان لا يمكن أن تكون مجرد تجربة عابرة تنتهي بمجرد التعافي من الإدمان والإقلاع عن التعاطي، فمن جهة تغير فترة الإدمان حياة المدمن بشكل كبير على مستوى العلاقات الاجتماعية والحياة المهنية وعلى المستوى النفسي، ومن جهة أخرى يواجه المعافى من الإدمان معركة جديدة قوامها إعادة الاندماج بالمجتمع والبدء بحياة جديدة وكبح الأفكار والرغبات التي قد تقوده إلى الإدمان مجدداً.
وليس المعافى من الإدمان وحده المسؤول عن اندماجه مرة ثانية بالمجتمع والنجاة من الانتكاس؛ بل يلعب المجتمع دوراً رئيسياً باحتضان المعافى من الإدمان، وتلعب الأسرة والمحيط القريب الدور الأكبر في حماية المعافى من الإدمان والحفاظ على مكتسبات العلاج من الإدمان.
 

ذات علاقة


العودة إلى الحياة الطبيعية

هل يمكن أن يعود المدمن إلى الحياة الطبيعية بعد التعافي من الإدمان؟ هذا السؤال الصعب من الأسباب التي تجعل المدمن متردداً باتخاذ قرار الإقلاع عن تعاطي المخدرات، لكن حالات الإقلاع عن الإدمان الكثيرة تؤكد أن وجود بيئة مناسبة ودعم اجتماعي وأسري وإرادة حقيقية؛ كل ذلك كفيل بجعل حياة المعافى من الإدمان طبيعية إلى حد بعيد.

وأهم ما يجب أن يفكر به المعافى من الإدمان ويفعله لاستعادة حياته الطبيعية:
1- الصبر والهدوء والتخطيط؛
فغالباً ما يكون المعافى من الإدمان مندفعاً إلى الحياة بشكل كبير بعد خروجه من تجربته المؤلمة، إنه يشبه تماماً من يتم إنقاذه من الغرق في اللحظة الأخيرة فيبدأ بشهيق محموم لاستعادة طعم الأوكسجين.
لكن من الأفضل أن يتحلى بالهدوء والصبر، وأن تكون خطواته القادمة ثابتة ومحسوبة، فالحياة الطبيعية بعد التعافي وإن كانت ممكنة لكنها ليست سهلة إلى الحد الذي يجعلنا نندفع نحوها بباسطة وتهور.

2- التصالح مع تجربة الإدمان كمرحلة انتهت مرة واحدة وإلى الأبد، إذا كنت قد تعافيت من إدمان المخدرات فلا بد أن تنظر إلى هذه التجربة نظرة خالية من جلد الذات أو الشعور بالخزي والعار، لقد انتهى كل شيء للتو وحان الوقت للبداية الجديدة.
وفي سبيل التصالح مع الذات يجب أن تتحدث عن تجربة الإدمان بأريحية، وأن تطرد الشعور بالغضب أو الاستحياء إن ذكَّرك أحدهم بإدمانك، فإن ذكرك أحدهم بإدمانك ذكره بإقلاعك عن المخدرات، فتجربة الإدمان أصبحت من الماضي.
وفي سياق متصل يعتبر تقديمك المساعدة للمدمنين الذين يرغبون بالعلاج خطوة مهمة لتثبيت التعافي من المخدرات والتسامح مع التجربة السلبية التي مرَّرت بها.

3- صحيح أن التصالح مع تجربة الإدمان السابقة مهم في سبيل العودة إلى الحياة الطبيعية؛ لكن هذا التصالح لا يعني الحفاظ على الأشخاص أو الأماكن أو حتى الأفكار المرتبطة بالإدمان، فجزء أساسي من العودة إلى الحياة الطبيعية هو التخلص من كل ما يرتبط بتجربة الإدمان من أشخاص وأشياء وذكريات.

4- من الخطوات المهمة في سبيل العودة إلى الحياة بعد التعافي من الإدمان هي إصلاح الأضرار التي تسببت بها تجربة الإدمان، وذلك من خلال إعادة بناء العلاقات الاجتماعية مع العائلة والأصدقاء الحقيقيين، وإعادة بناء السيرة المهنية، وإصلاح كل ما أفسده الإدمان.

5- يجب على المعافى من الإدمان إعادة رسم خطته في الحياة، فغياب الحوافز وفقدان الطموح هو سبب ونتيجة لتعاطي المخدرات في آنٍ معاً، وكلما تمكَّن المعافى من الإدمان من وضع خطة شخصية محكمة وأهداف حقيقية وتنظيم المحفزات والدوافع كلما تمكَّن من العودة إلى الحياة الطبيعية بشكل أسرع وأكثر استقراراً.

6- يفقد المدمنون عادة اهتماماتهم بالهوايات التي لطالما كانت ممتعة، وفي سبيل العودة إلى الحياة الطبيعية بعد المخدرات لا بد من إعادة إحياء المواهب والنشاطات القديمة والبحث عن مواهب جديدة ونشاطات جديدة على أن تكون كلها بعيدة كل البعد عمَّا يرتبط بحياة الإدمان السابقة.

7- نمط الحياة الصحي يجعل المعافى من المخدرات أكثر قدرة على تقبل الوضع الجديد وأكثر استمتاعاً بالحياة عموماً، لذلك لا بد من الالتزام بممارسة الأنشطة البدنية بشكل منتظم والحفاظ على نظام غذائي صحي، والابتعاد عن العادات السيئة مثل التدخين أو الإفراط بالمنبهات.

8- تغيير المحيط، فعندما يواجه المعافى من المخدرات محيطاً سلبياً من الأهل أو الجيرة أو العمل لا بد أن يقوم بخطوة جريئة أخرى وهي تغيير المحيط، الانتقال إلى مكان جديد، إلى مدينة جديدة، أو حتى إلى بلاد جديدة في سبيل الحفاظ على قرار الإقلاع عن المخدرات والعودة إلى الحياة الطبيعية.

9- الامتنان والشكر؛ لا بد أن يحافظ المعافى من الإدمان على الامتنان لنفسه أولاً أنه أنقذها، للأشخاص الذين تعاونوا معه وساعدوه، للظروف التي وقفت إلى جانبه حتى تخلص من الإدمان، وللقدر الذي منحه فرصة ثانية.

10- الحفاظ على الاتصال مع مقدمي الرعاية من أطباء متخصصين في علاج الإدمان والمتخصصين في تقديم الرعاية النفسية بعد التعافي، وجماعات المتعافين من الإدمان.
 

دور الأسرة في دعم المعافى من الإدمان

تلعب الأسرة دوراً مهماً وفريداً لا يمكن لغيرها أن يلعبه في دعم المعافى من الإدمان ومنحه فرصة ليعيش حياته بشكل طبيعي، وذلك ليس فقط من خلال حمياته من الانتكاس ولكن أيضاً من خلال مساعدته على التخلص من الآثار السلبية لتجربة الإدمان، وعلى جميع أفراد الأسرة أن يتجنبوا خمسة تصرفات أساسية في سبيل دعم المعافى مع الإدمان:

- عدم استغلال تجربة الإدمان السابقة للضغط على المعافى من الإدمان أو استغلالها كنقطة ضعف في الخلافات العادية أو حتى كوسيلة لتوليد شعور الخجل والعار عنده.

- من المهم أن يحافظ أفراد الأسرة على ملاحظة دائمة ودقيقة لسلوك المعافى من الإدمان، لكن يجب ألا تتحول هذه الملاحظة إلى مراقبة خانقة وحالة من التجسس وانتهاك الخصوصية.

- يجب عدم حرمان المعافى من الإدمان أي حق من حقوقه المادية أو المعنوية بحجة أنه كان مدمناً، فهو لم يعد كذلك الآن.

- لا يجب على أفراد الأسرة استعمال قصة المعافى من الإدمان في الجلسات والحوارات كقصة للتسلية أو حتى لأخذ العبرة أو تشجيع أحدهم على ترك المخدرات؛ دون موافقة المعافى من الإدمان على ذلك.

- تجنب التعامل مع المعافى من الإدمان تعاملاً خاصاً، فعندما يعلن مقدمو الرعاية أن المدمن لم يعد مدمناً بعد الآن، لا لداعي للتحذيرات المستمرة أو الأسئلة التي لا جدوى منها أو محاولة التذاكي على المعافى من الإدمان، كل المطلوب هو تقديم الدعم النفسي ومساعدة المعافى على استعادة حياته.
 

دور المجتمع في دعم العائدين

للمجتمع أيضاً دوره في مساعدة المعافى من الإدمان على العودة إلى الحياة الطبيعية، فإلى جانب تسامح المجتمع مع التجربة التي انقضت، وقبول محاولات الإصلاح التي يقوم بها المعافى من الإدمان؛ لا بد أن يلعب المجتمع دوراً إيجابياً برفع وصمة العار عن المعافى، ومنحه الفرصة لإثبات نفسه اجتماعياً، ومساعدته على إيجاد عمل مناسب له، وتكوين صداقات طبيعية وعلاقات طبيعية.
 

مواجهة انتكاس الإدمان

بطبيعة الحال فإن الرغبة بالعودة إلى السلوك القديم مهما كان تبقى قائمة لفترة طويلة ويصعب التخلص منها، وفي حالة إدمان المخدرات فإن المعافى من الإدمان يعرف حلاً سهلاً وسريعاً للتعامل مع المصاعب والضغوطات وهو تعاطي المخدرات مجدداً!.
لذلك يسعى مقدمو الرعاية إلى الحفاظ على الاتصال بالمقلعين عن المخدرات لتقديم الدعم لهم في سبيل مواجهة الرغبة بالعودة إلى الإدمان، ويجب على المعافى أن يفكر قبل أن ينزلق ثانيةً:
1- نسبة كبيرة من الذين يعودون إلى تعاطي المخدرات بعد الإقلاع يفقدون حياتهم نتيجة الجرعات الزائدة لأنهم يتعاملون مع أنفسهم كخبراء بتعاطي المخدرات.

2- إن محاولة الإقلاع عن المخدرات للمرة الثانية أصعب بكثير من المرة الأولى، والحفاظ على مكتسبات التعافي من المخدرات أسهل بكثير.

3- إن كانت الأسرة قد لعبت دورها في المرة الأولى، وإذا كان المجتمع قد ساعد في المرة الأولى؛ فإن العودة إلى الإدمان بمثابة استعادة العار والخزي إلى الأبد، وقد يكون طريق العودة مستحيلاً.

4- طرد الرغبة بالعودة إلى تعاطي المخدرات أسهل مما نتخيل، وذلك من خلال:
- الابتعاد تماماً ونهائياً وإلى الأبد عن كل من كان له صلة بتعاطي المخدرات، وعن كل الأشياء التي ترتبط بالمخدرات، وعن كل الأماكن التي تذكر بفترة الإدمان.
- الالتزام الدائم بالسلوك الذي يترك لدينا الراحة، مثل العبادة والصلاة أو ممارسة هوايات معينة أو أخذ استراحة، كلٌّ حسب ما يعرف أنه يريحه ويثلج صدره.
- الاتصال فوراً بمقدم الرعاية أو مراكز علاج الإدمان لطلب المساعدة بمواجهة الرغبة بالعودة إلى التعاطي.
- جعل الابتعاد عن المخدرات هدفاً أساسياً من أهداف الحياة، بل ومحاربة المخدرات والمساعدة في إنقاذ المدمنين.
- الصبر مهما طال الزمن، والإصرار على الاستمرار في حياة من غير مخدرات.

أخيراً... الخطوة الكبيرة هي اتخاذ قرار الإقلاع عن المخدرات وتنفيذه، والخطوة الأكبر هي الإصرار على عيش حياة طبيعية بدون مخدرات، ودعم المعافى من المخدرات مسؤولية جماعية يجب على الجميع الالتزام بها.