على الرغم من استخدام المواد المخدرة من قبل الإنسان في عصور سابقة؛ إلَّا أن العصر الحديث يعتبر بلا منازع عصر المخدرات الذهبي، وذلك بسبب تنوع الأشكال وطرق التعاطي والنتائج، وانتشار الإدمان على المخدرات بشكل أكبر بين الفئات العمرية المختلفة.
وعلى الرغم أن معظم المدمنين على المخدرات يفكرون بين فترة وأخرى بالإقلاع عن المواد المخدرة؛ إلّا أنَّ نسبة الأشخاص الذين يتخذون خطوات فعلية بهذا الاتجاه أقل بكثير من أصحاب النوايا.
لنتعرَّف أكثر على طرق الإقلاع عن المخدرات من خلال هذا المقال، حيث نستعرض صعوبات علاج الإدمان، والأسباب التي ستجعلك تفكر بالإقلاع عن تعاطي المخدرات، إضافة إلى أنواع وأساليب العلاج المختلفة، وأهم النصائح لاتخاذ قرار الإقلاع عن المخدرات والوقاية من الانتكاس.
 


ذات صلة


صعوبات علاج الإدمان

لماذا الإقلاع عن المخدرات بهذه الصعوبة؟
في حالات الإدمان على السجائر العادية أو الإدمان النفسي على القمار أو حتى الإدمان على الجنس وغيرها؛ قد يستطيع المدمن التخلص من إدمانه ذاتياً دون الحاجة لمساعدة اختصاصية حثيثة، وفي حال لم يستطع فإن التدخل غالباً ما يكون نفسياً مع بعض الوسائل البسيطة مثل علكة النيكوتين أو جلسات الاستماع أو الإيحاء مثلاً.
أما في حالة الإدمان على المخدرات فالأمر يصبح أكثر تعقيداً، والحالات التي تتمكن من الإقلاع عن المخدرات بدون مساعدة طبية حالات شديدة الندرة، وذلك لتداخل المخدرات مع آلية عمل الجسم بشكل عميق.
    
كيف تعمل المخدرات؟!
تتدخل المخدرات بشكل مباشر بعمل الدماغ والنواقل والمستقبلات العصبية، حيث تقوم بعض أنواع المخدرات بتحفيز أنواع محددة من الرسائل العصبية التي من شأنها أن تعزز حالة الاسترخاء والهلوسة والسعادة والتي ترتبط غالباً بتحفيز قواعد المتعة والمكافأة في الدماغ وهرمونات السعادة، وفي حالات أخرى تعمل المخدرات بتأثير معطل لناقلات عصبية معينة.
ما يحصل أن المخدرات بعد فترة من التعاطي تسبب خللاً في إدارة المنظومة العصبية وتغيراً في عمل مناطق مختلفة من الدماغ، وهذا ما يجعل حالة المدمن تسوء أكثر، وينتقل من حالة التعاطي بهدف الشعور بالاسترخاء أو الدخول في حالة الانفصال عن الواقع إلى التعاطي للتخلص من أعراض الخلل الناتج عن المخدرات.
وبطبيعة الحال فإن معظم أنواع المخدرات تفقد الكثير من "مفعولها السحري" وتصبح أشبه بمسكنات للألم أو مهدئات لنوبات الانسحاب الكيميائي القصيرة، وتتحول إلى مواد ضرورية يطلبها الدماغ، وهذا هو السبب الرئيسي الذي يجعل الإقلاع عن المخدرات أصعب من الإقلاع عن أنواع أخرى من الإدمان.
 

ذات علاقة


لماذا يجب أن تتوقف عن تعاطي المخدرات؟

رسمت السينما والدراما التلفزيونية صورة نمطية للشخص المدمن قريبة جداً من الحقيقة، لكنها صورة خارجية بالكاد تظهر احمرار العين والهالات السوداء والنحافة، وتركز على فقدان السيطرة على السلوك، في حين أن المخدرات تسبب تغيرات عميقة داخل الجسم تجعل المدمن يتعاطى المواد المخدرة بشكل قهري إجباري، وكلما تقدمت الحالة كلما ازدادت حدة الأخطار والآثار الجسدية والنفسية.
فيما يلي سنحاول أن نذكر أبرز أربعة أسباب تدفعك للتوقف عن تعاطي المخدرات، وجميعها تتعلق بالتأثيرات العميقة للمخدرات على الصحة الجسدية والنفسية:

تأثير المخدرات على الصحة
إن التأثير الأخطر للمخدرات هو على صحة الدماغ، حيث يؤدي التعاطي المستمر للمخدرات إلى تلف وموت خلايا الدماغ وتعطل المستقبلات العصبية، وتغيرات كيمائية في نظام عمل الدماغ ما ينعكس على النظام الهرموني العام للجسم، ولكل نوع من المخدرات تأثيره المختلف على الدماغ من حيث المدة والحدة، إضافة إلى الأضرار التي تصيب الأعضاء الأخرى كالقلب والكبد والمعدة.
كما أن تعاطي المخدرات عبر الحقن يعتبر من الأسباب الرئيسية لنقل الأمراض المعدية عبر الدم مثل الفيروس المسبب للإيدز وفيروس سي المسبب لالتهاب الكبد من النمط سي.

المخدرات والاكتئاب
عندما تجد مبلغاً مالياً في الشارع مهما كان صغيراً يقوم الدماغ بتنشيط الشعور بالمكافأة والسعادة، مع تعاطي المخدرات تحل المواد المخدرة محلَّ الدماغ بإدارة عملية المتعة، ومع الاستمرار في تعاطي المخدرات يقرر الدماغ اعتزال دوره بمساعدتك على الشعور بالسعادة، لذلك يفقد المدمن القدرة على الاستمتاع بشكل طبيعي حتى بالأمور التي كان يراها ممتعة في السابق.
ينعكس ذلك بشكل مباشر على الحالة النفسية العامة، ويؤدي إلى درجات حادة من فقدان الحوافز والشعور بالاكتئاب المستمر، والشعور الدائم بالإرهاق والتعب، اضطرابات النوم، اضطرابات الشهية... إلخ، وكلَّ ما طال أمد تعاطي المخدرات كل ما غرق المدمن عميقاً في حلقة مفرغة من زيادة الجرعة لاستعادة الشعور بالمتعة والاسترخاء.

المخدرات والعلاقات الاجتماعية
عندما يشعر المدمن بغياب الحوافز والدافع ويفقد قدرته الذاتية على صناعة اللحظات الممتعة أو التخطيط لها؛ ينعزل عن محيطه الاجتماعي ويفقد الروابط التي تربطه بمحيطه من العائلة والأصدقاء، وعلى الضفة الأخرى فإن الآخرين بدورهم يبتعدون عن الشخص المدمن ويتجنبون وجوده في مناسباتهم أو جمعاتهم.
وتحت وطأة تأثير المخدرات يفقد المدمن قدرته على الأداء الطبيعي لأدواره الاجتماعية سواء كزوج أو أب أو أخ أو ابن، وفي حال كان المدمن مسؤولاً عن عائلة فإن الكثير من المشاكل تنتظره نتيجة انخفاض قدرته على تأمين احتياجات عائلته المادية والمعنوية، لذلك فاتخاذ قرار الإقلاع عن المخدرات هو فعلياً إنقاذ للحياة الاجتماعية للفرد وعائلته.

المخدرات والموت
حوالي 200ألف شخص حول العالم يفقدون حياتهم بشكل مبكر بسبب المخدرات، وتعتبر المواد الأفيونية الأكثر تسبباً بوفاة الجرعة الزائدة، كما أن هناك مجموعة من المخاطر الصحية المهددة للحياة التي تنتج عن تعاطي المخدرات والكحوليات.
 

كيف تتوقف عن تعاطي المخدرات؟

معظم من يعانون من إدمان المخدرات يفكرون بالإقلاع بشكل مستمر، لكن لحظة اتخاذ القرار هي الأهم، فكر بهذه النقاط لتتخذ القرار:
- راجع بينك وبين نفسك الآثار السلبية للمخدرات على حياتك، انظر لنفسك بالمرآة وتذكر الأشياء التي خسرتها بسبب الإدمان، ثم اقرأ أكثر عن الأضرار الصحية والنفسية التي تنتج عن المخدرات.
- لا يوجد وقت مناسب ووقت غير مناسب لاتخاذ قرار الإقلاع، الآن هو أفضل وقت لتتوقف عن تعاطي المخدرات.
- فكر بالأشخاص الذين تحبهم ويحبونك، مجرد التفكير بهم سيساعدك على اتخاذ القرار.
- تفقد نقودك، وفكر كيف يمكن أن تنفق ثمن المخدرات على أمور أخرى أولها العلاج من الإدمان.
- فكر بالمحاولات السابقة للإقلاع عن المخدرات، لماذا لم تنجح؟!.
- تخلص فوراً من كل ما يربطك بتعاطي المخدرات مثل الأصناف أو الأدوات أو حتى الأشياء أو الأشخاص والأماكن التي تشعر أنها ترتبط بالتعاطي.
- لتتأكد أنك تمكنت من اتخاذ القرار بالإقلاع عن المخدرات وعلاج الإدمان عليك بطلب المساعدة بشكل فوري.

اطلب المساعدة
- اطلب المساعدة الطبية، يمكنك في البداية الاتصال بطبيب عام ليرشدك إلى الطريق، أو قم بزيارة مراكز علاج الإدمان.
- اطب المساعدة من الأصدقاء والأهل.
- اطلب المساعدة من المجتمعات الرصينة، وهي مجتمعات تضم أشخاص مروا بنفس التجربة وتمكنوا من التعافي بشكل كامل من الإدمان.

حدد نمط العلاج بمساعدة طبية
على وجه العموم يرتبط نوع العلاج الذي تحتاجه بسلسلة معقدة من العوامل، أهمها نوع المخدر ومدة التعاطي ومدى التأثير، لكن مهما يكن الأمر من الأفضل ألَّا تخوض التجربة وحيداً، بل يجب عليك استشارة طبيب مختص ليرشدك إلى نمط العلاج الأفضل، وفيما يلي أنماط علاج الإدمان:

-  الإقامة في المستشفى: في الحالات المتقدمة من الإدمان تعتبر الإقامة في المستشفى أو المصح المتخصص بعلاج الإدمان هي الخيار الأمثل، وتختلف فترة الإقامة حسب الحالة، وعادة ما تكون المصحات مجهزة بخدمات متكاملة لعلاج الإدمان من الناحيتين النفسية والجسدية، والمتابعة بعد التعافي.

- العلاج في مصحات الإقامة الجزئية: في حال كانت حالتك لا تتطلب إقامة إجبارية في مستشفى علاج الإدمان، وكنت لا ترغب فعلياً بالإقامة الكاملة في المصح، فإن بعض المصحَّات تقدم برامج علاج بالإقامة الجزئية، حيث يتوجه المدمن كل يوم لبضع ساعات ثم يعود إلى المنزل، مع ضرورة وجود إشراف منزلي.

- علاج الإدمان في المنزل: في الحالات الأقل خطورة يمكن للمدمن أن يبقى في منزله ويزور العيادة أو المصح في مواعيد معينة للحصول على العلاج والدعم، لكن يشترط في ذلك أن تكون البيئة المنزلية داعمة لعلاج الإدمان.

أنماط العلاج بغض النظر عن البرنامج عادة ما تبدأ بتنظيف الجسم من السموم وتنظيم عملية الانسحاب الكيميائي ومراقبتها لتقليل الأعراض المصاحبة للإقلاع عن المخدرات، لكن لا تفكر كثيراً بالطريقة بل فكِّر بالتخلص من الإدمان، فالطريقة عمل الأطباء الذين سيقدمون لك كل الدعم.

المتابعة والإصرار
تذكَّر أن المرحلة الأولى هي الأصعب دائماً، وقليل من الصبر سيجعل الأمور تتحسن، لذلك عليك التمسك بقرارك ومقاومة رغبتك في العودة إلى المخدرات، ستجد الكثير من المساعدة في مراكز علاج الإدمان، ستتواصل مع أشخاص تخلصوا من الإدمان أو هم على وشك الشفاء، حاول أن تضع هدفك نصب عينيك، وأن تفكر في كل لحظة بالأسباب التي تدفعك للتخلص من السموم في جسدك إلى الأبد.
 

أعراض الإقلاع عن المخدرات

تختلف أعراض الإقلاع عن المخدرات والانسحاب الكيميائي حسب نوع المخدر الذي تتعاطاه، ويمكن تعريف الانسحاب الكيميائي ببساطة أنه ردة فعل الجسم والنفس على فقدان التأثير المخدر ومحاولة الدماغ استعادة التوازن، يجب عليك أن تعرف أن كل ما تتعرض له من ألم أثناء الإقلاع عن المخدرات هو ألم الشفاء والتعافي والعودة إلى الطبيعة، إنه مخاض مهما كان عسيراً يعني ولادة جديدة!.

وإليك بعض أهم الأعراض المصاحبة للإقلاع عن تعاطي المخدرات
- بعض أنواع المخدرات تسبب انسحاباً جسدياً عسيراً مثل الكحول والمهدئات، وبعض المخدرات تسبب انسحاباً نفسياً أشد مثل الحشيش والمارجوانا.
- تختلف أعراض الانسحاب الكيميائي والنفسي من شخص إلى آخر، فإن كنت لا تشعر بأعراض انسحاب جسدي قوي هذا لا يعني أنَّك لست مدمن!، لا تتراجع.
- أعراض الانسحاب العاطفي والنفسي يمكن تلخيصها: قلق، نوبات هلع، اكتئاب، اضطرابات النوم والأرق، الشعور بالتعب والإرهاق، ضعف التركيز وضعف الذاكرة.
- أعراض الانسحاب الجسدي الرئيسية تتمثل بــ: الصداع، ألم الصدر، خفقان القلب، التشنجات وآلام العضلات، آلام المعدة، مشاكل هضمية، تعرق.
- لا تخاطر بالإقلاع عن المخدرات دون إشراف طبي لأن الانسحاب المفاجئ يسبب أخطار كبيرة على الصحة قد تصل إلى الوفاة.
 

الوقاية من الانتكاس

تمتد مرحلة الانسحاب الحاد عادة عدة أسابيع، تليها مرحلة الانسحاب بعد الحاد تكون أعراضه أقل شدة وأغلبها أعراض نفسية عاطفية، لكن الأهم أن تقاوم الانتكاس والرغبة بالعودة إلى المخدرات.

إليك أفضل إجراءات مقاومة التفكير بالمخدرات والانتكاس:
- لا تقطع اتصالك بالطبيب المعالج مهما كان الأمر، حتَّى إن شعرت برغبة ملحة بتعاطي المخدر فاتصل بطبيبك مباشرة وأخبره.
- اقطع علاقتك تماماً بأصدقاء التعاطي إن لم تتمكن من إقناعهم بمشاركتك العودة إلى الحياة الطبيعية.
- لا تكن وحيداً أبداً، حاول أن تبقى على اتصال دائم بالمحيطين بك.
- اشغل نفسك، يمكنك ممارسة المزيد من التمارين الرياضية، القراءة، تعلم مهارات جديدة، العمل الإضافي، المهم أن تكون مشغولاً دائماً.
- كلما شعرت بالرغبة بتعاطي المخدرات مجدداً أجبر نفسك على تذكر الأسباب التي دفعتك للإقلاع، وتذكر  الصعوبات التي واجهتك لتعود لطبيعتك.
- انضم إلى فريق علاج المدمنين، وشارك تجاربك مع أشخاص يحتاجون إلى مثل أعلى، وتحمَّل مسؤولية مساعدتهم على التخلص من الإدمان.
- لا تسمح لنفسك بالحصول على أدوية مهدئة أبداً.

أخيراً... قد يبدو الإقلاع عن المخدرات أمراً صعباً، لكن في الواقع الإدمان هو والأمر الصعب والمرهق والمدمر، وعلى عكس الإقلاع فإن الإدمان يسير بك إلى الأسوأ، تذكَّر أنك تقدر طلب المساعدة من مجتمع وخبراء موقع حلوها في أي وقت.