نقول لأنفسنا أننا نريد شيئاً ما، ثم نعتقد أننا ملتزمون به تماماً، لكن هل نتخذ القرارات الصحيحة دوماً؟ بالتالي هل نلتزم بنتائج هذه القرارات، التي نسير على ضوئها؛ مهما كانت سواء في العمل أو في الحياة الخاصة؟


ذات صلة


لماذا تعاني من قراراتك؟

كيف تجعل اتخاذ القرار شيئاً صعباً؟
من خلال العصف الذهني، كذلك القراءة والبحث والتفكير العميق، والتحدث مع الأصدقاء وحتى مع أنفسنا، بالإضافة إلى استشارة الأهل والمتخصصين؛ نقوم بالكثير من النشاط الذهني، لكن ما لا نفعله هو اتخاذ القرار الصحيح.. غالباً! كما تكمن المشكلة في مدى تضليلنا للآخرين!.. عندما نخبرهم مثلاً بكيفية الاختيار فيما يخص عملهم: "تابع شغفك"، "افعل ما تحبه"، "حل مشكلاتك"... ولكل هذا نتائج مختلفة ومتضاربة، وفقط على سبيل المثال عندما يتعلق الأمر باختيار العمل، فإن السعي للمثالية هو ما يدفعك لاتخاذ قرارات خاطئة أو عدم اتخاذ القرار نهائياً.

اتخاذ القرارات غير الواقعية وقيمة وجودك
إيكيجاي (Ikigai).. مفهوم ياباني يعني سبب أو قيمة الوجود (سنتحدث عنه في مقال لاحق)، هذا المفهوم غير واقعي بالكامل كما يدفع إلى القلق أو خيبة الأمل أو مشاعر النقص أو الأرق أو وجع القلب؛ فيما يتعلق باتخاذ القرارات.. وعندما نقول "غير واقعي"؛ لا نقصد الإدراك المحزن بأننا لا نتخذ قراراً صحيحاً، لكن حول كونه مفهوم "غير واقعي".. (لأن الكثيرين منا متحمسين غالباً للأشياء غير الملموسة، ولن نرغب أبداً في اتخاذ القرار بالطريقة التي يتبعها شخص آخر، في حين أن البعض منا محظوظون، لأنهم متحمسون للأشياء الملموسة)؛ فإن الكثير منا ليسوا كذلك، حيث يمكن تعين الأشياء فيما يخص العمل، وفق الإيكيجاي (Ikigai) كما يلي:
- بأن ترغب في تحقيق كل ما تريده، حتى لو تابعت القيام بما تحبه لكنك لست جيداً فيه، ويبقى لديك الأمل في الحصول على ترغب به.
- إذا تابعت عمل ما، ترى أنه جيد على أمل امتلاك الشغف يوماً ما.
- إذا تابعت عمل ما، تحبه وأنت جيد فيه، لكن ليس هناك حاجة لعملك هذا، أو لا يعود عليك بمردود جيد.

المشكلة كما هي الحال مع الكثير من المشاعر؛ الكلمات واسعة وفضفاضة، لهذا تكون عبارة إيكيجاي عاطفية وغير واقعية، كما أن المشاعر متقلبة ولن تستطيع على أساسها اتخاذ قرار فيما يخص العمل، هذا هو السبب في أنه من المنطقي عدم محاولة تحفيز شغف في وظيفة يومية لا تحبها أو أنك مضطر لشغلها، فالمشاعر مجردة ولا يمكن دفعها أو إلزامها، لكن يجب تطبيقها على شيء ما، لأن التجربة الإنسانية والطريقة التي نتخذ فيها القرارات اليومية (التي تشكل حياتنا)؛ هي إلى حد بعيد أكثر شيء ممتع في العالم بالنسبة لنا جميعاً.

ماذا عن الطرق الأخرى التي يحاول الناس اتخاذ القرارات من خلالها؟
بعيداً عن المبدأ الياباني في اتخاذ القرار بناء على مثالية جميع الظروف، وما ترغب به.. ولا واقعية هذا الأمر: فإن الناس يتخذون القرارات أو يحاولون ذلك من خلال:

- اتخاذ القرار أو الاختيار وفق ما يحبون استهلاكه: المشكلة هي أنك تريد فقط أن تستهلك هذه الأشياء.. لا تريد صنعها، حيث لا تهتم بما فيه الكفاية لفهم التفاصيل (وهو أمر مهم)، مثال على ذلك: عندما تقرر أن تمتلك سيارة.. قبل شراءها تسأل مرات كثيرة حول نوعها، وتهتم بها أكثر من مجرد آلة تفي احتياجاتك.

- الاختيار أو اتخاذ القرار على أساس المشاكل أو الإحباط: لعدد لا يحصى من الأشياء اليومية.. الطعام والتسلية وتأدية العمل الخ، نحن نفكر في كل شيء وهذا أمر مرهق وقد يسبب الحزن.
 

ذات علاقة


أسباب اتخاذ القرارات السيئة

عندما تنظر إلى حياتك وتفكر في بعض الخيارات السيئة التي اتخذتها سابقاً، قد تتساءل عن سبب اتخاذك لتلك القرارات بالضبط، التي تبدو سيئة للغاية الآن، هناك عدد من العوامل التي تسهم في ضعف هذه القرارات والخيارات التي تتخذها في حياتك وهي:

- فخ التصورات والقواعد الذهنية: تعتمد أدمغتنا على عمليات الاستدلال (الاختصارات المعرفية) في اتخاذ القرارات المختلفة من أبسطها (مثل صنف السندويش الذي سنتناوله)، إلى أصعبها (قرار الزواج من شخص معين)، حيث تسمح لنا هذه القواعد الذهنية بإصدار الأحكام بسرعة كبيرة وفي كثير من الأحيان بدقة، لكنها يمكن أن تؤدي إلى تفكير غامض وقرارات سيئة أيضاً! مثال أنت تقرر شراء منزل بناء على السعر المطروح، هذا الأخير فيما يُسمى بالانحياز الثابت لاختصار معرفي نمتلكه مسبقاً، وهو القاعدة المعرفية لقرارك في شراء المنزل من عدمه، إذن ما الذي يمكنك القيام به لتقليل التأثير السلبي المحتمل لهذه الاستدلالات على قراراتك؟ الإجابة بسيطة ومجرد إدراكها يمكن أن يساعدك، ففي حالة التحيز الثابت يمكن أن يساعدك التفكير بمجموعة من التقديرات المحتملة، وفي مثالنا: ابحث عن مجموعة من الأسعار المعقولة بدلاً من التركيز على متوسط السعر الإجمالي المطروح لبيع المنازل، وكيف تؤثر المنطقة التي يتواجد فيها المنزل على السعر.. وغيرها من الأمور التي تساهم في عملية اتخاذ قرار لا تندم عليه فيما بعد.

- المقارنات غير المنطقية: عامل آخر لاتخاذ القرار الخاطئ، في مثالنا السابق تحدثنا عن ضرورة البحث في احتمالات الأسعار للبيوت والمتوسط الإجمالي، لكن ماذا يحدث عند إجراء مقارنات سيئة؟ أو عندما تكون العناصر التي تقارن خياراتك بها غير متماثلة أو مساوية؟ عند اتخاذ القرارات.. غالباً ما نجري مقارنات سريعة دون التفكير في خياراتنا، ومن أجل تجنب القرارات السيئة.. قد يكون الاعتماد على المنطق والفحص المدروس للخيارات في بعض الأحيان؛ أكثر أهمية من الاعتماد على عاطفتك الأولية حول موضوع معين.

- يمكن أن تكون متفائلاً جداً: تحدثنا عن التحيز العاطفي وكيف يمكن أن يضلل قراراتك عندما تقوم بالمقارنة وبشكل غير موفق، كذلك التفاؤل الشديد.. وجدت الباحثة تالي شاروت (Tali Sharot): "عندما يتم إخبار الأشخاص بأن خطر حدوث شيء سيء أقل مما توقعوا، فإنهم يميلون إلى ضبط توقعاتهم لتتناسب مع المعلومات الجديدة التي تعلموها، عندما يكتشفون أن خطر حدوث شيء سيء هو في الواقع أعلى بكثير مما قدروا، فإنهم يميلون ببساطة إلى تجاهل المعلومات الجديدة"، على سبيل المثال إذا توقع الشخص أن احتمالات الوفاة من تدخين السجائر لا تتجاوز نسبة 5%، لكن بعد ذلك يُقال إن الخطر الحقيقي للموت يقترب فعلياً من نسبة 25%؛ من المحتمل أن يتجاهل الأشخاص المعلومات الجديدة ويلتزمون بتقديرهم الأولي، وتشير شاروت: "بأن جزء من هذه النظرة المتفائلة ينبع بشكل مفرط من ميلنا الطبيعي إلى الاعتقاد بأن الأشياء السيئة تحدث لأشخاص آخرين، لكن ليس لنا"، فما تأثير هذا التحيز للتفاؤل على القرارات التي نتخذها؟ نظراً لأننا قد نكون متفائلين للغاية بشأن قدراتنا وتوقعاتنا، فمن الأرجح أن نعتقد أن قراراتنا هي الأفضل. 
 

قرارات العمل

كيف تتخذ القرارات الصحيحة في العمل؟
كي تتخذ القرارات الصحيحة فيما يتعلق بحياتك المهنية والعمل، لا بد أن تحب عملك وأن تعرف بالضبط كيف تصرف طاقتك في عمل ما تحبه، هناك بعض الخطوات البسيطة التي تساعدك على اتخاذ القرارات والخيارات المهنية الصحيحة وهي:

1- تحديد الأهداف: تحدثنا في مقال سابق عن أهمية تحقيق الأهداف في الحياة، لكنه أمر مهم للغاية فيما يخص العمل، فلن تتحمل ضغط العمل إذا لم يكن لديك شيئاً ما تسعى إليه، لذا اعمل على وضع أهداف معقولة، كذلك ملهمة ومحفزة.

2- قائمة الأشياء التي تريد تحسينها: قائمة بتفاصيل وظيفتك الحالية، التي ترغب في تحسينها لأنك لا تستطيع حل مشكلة حتى تحددها، أولاً قم بتدوين كل ما لا تحبه في عملك، مثل: "جو التشتيت" أو "زملاء العمل غير المهذبين أو المتنمرين"... الخ، بحيث تبدأ في حل هذه المشكلات من خلال التحدث مباشرة مع زملائك أو مديرك، ولا يمكنك اتخاذ القرار الصحيح دون التفكير جيداً بدواعي وضرورة هذا القرار.

3- اكتشف ما تحب فعله: فكر ملياً في وظيفتك وما الأجزاء التي تحبها، حدد ما هي وظيفة أحلامك.. فماذا ستكون؟ ثم فكر كيف يمكن أن تجعل هذه المهام جزءاً أكبر من عملك اليومي، وإذا كان وصف وظيفة أحلامك يستلزم مسؤولياتٍ لم تكن مؤهلاً لها، فقد حان الوقت لوضع خطة عمل لمعرفة كيفية الوصول إلى هناك.

4- لا تخف من طلب الدعم: إذا شعرت بالإرهاق، أو تراكمت عليك مهام العمل، فلا تخف من استشارة أحد زملائك أو مدير موثوق، وتعرّف كذلك على ما إذا كان بإمكانهم مساعدتك في اكتشاف طرق لحل المشكلات أو جدولة المهام، بحيث تكون أعباء العمل لديك وقراراتك بشأنها أكثر توازناً.

5- فكر باللحظة الراهنة: حاول أن تبقى حاضراً وركز على المهمة التي بين يديك، إذا لم يكن لديك الكثير لتفعله، فكر في العثور على مشروع جانبي للعمل عليه، إذا كان لديك الكثير لتفعله.. لكنك لا تستطيع التركيز، فحاول أن تجد طريقة لتحل مشكلة التشتت وعدم التركيز، ثم كافئ نفسك بفترات استراحة قصيرة عند إنجاز الأشياء.
 

قرارات الحياة

اتخاذ القرارات الصحيحة في الحياة
وُلدنا بذكاء فطري.. وفُرضت علينا ظروف خارج إرادتنا، مع ذلك يمكنك تذكر النصائح التالية، عندما تتخذ أو تستعد لاتخاذ أي قرار خاص في حياتك:
1- فكر دائما في النتائج: نحن نتخذ القرارات، وتنعكس تلك القرارات على حياتنا، وستعرف كيف تقرر من خلال تحديد النتيجة التي تريدها.  
2- تأكد من أن تضيف هذه القرارات إلى شخصيتك: من خلال معرفة "النهاية" المرغوب بها، انظر إلى المسار الذي سيوصلك إلى الحياة التي تريدها، هل اختياراتك الحالية تقربك إلى حيث تريد أن تذهب؟ ما الذي تحتاج إلى التوقف عن فعله، ومتى ستحتاج إلى ضبطه؟ ثم ما الذي يجب أن تستمر في فعله؟
3- بسّط قراراتك: نحن نعيش في بيئة غنية بالخيارات، ونرغب في المزيد لكننا قد نواجه صعوبة في الاختيار؛ إذا لم نقم بتبسيط خياراتنا، فتفكيرنا سيصبح مشلولاً، من مبدأ أن خيارات أقل تعني نتائج أفضل!
4- لم يفت الأوان بعد لاتخاذ خيارات وقرارات جيدة: كيف تذهب من النقطة (أ) إلى النقطة (ب) أمر متروك لك تماماً، لا يمكنك إحراز تقدم إيجابي بموقف سلبي، ولا يمكن لأحد أن يقرر عنك، إلا إذا سمحت له بذلك، كما أن أهم خطوة لتغيير العالم من حولك هي تغيير ما بداخلك، لا تدع الماضي يثني مسعاك عن ذلك، لذا تعلّم من القرارات السيئة والخيارات (الغبية)، لأنها تعمق نموّك.. لكنها لا تحدد هويتك، كما أنها تغذي خياراتك الحالية، التي تؤثر على بقية حياتك.

في النهاية.. عندما نصبح واثقين في قراراتنا.. نستطيع المضي قدماً، والخيارات الرئيسية مثل من سنخدم، وما هي المبادئ التي سنعيش بناء عليها، وما هي العلاقات التي ستؤثر على حياتنا، وما نؤمن به بشأن أنفسنا؛ كلها من الفئات التي تحدد القرارات الإيجابية والجيدة، التي نتمنى أن نتخذها في حياتنا.