نظرياً تكاد تكون آليات إعداد استراتيجية للتراجع عن الأخطاء واحدة في المجالات المختلفة، فالأخطاء التي نرتكبها في حياتنا الاجتماعية وعلاقاتنا مع الآخرين، والأخطاء التي نرتكبها أثناء العمل، والأخطاء التي يرتكبها الباحثون أثناء إجراء الأبحاث...إلخ، جميعها تحتاج إلى معادلة الإصلاح نفسها: الشجاعة، المسؤولية، الحكمة.
ويمكن النظر إلى استراتيجية تصحيح الخطأ كسلسلة متصلة من الخطوات التي تتفاعل معاً، قد لا تكون بنفس التسلسل دائماً وقد نستطيع تجاهل بعضها، لكنها غالباً ما تكون بالشكل الذي نشرحه فيما يلي.
 


ذات صلة


تقييم ودراسة الخطأ

بمجرد اكتشاف حدوث الخطأ مهما كان حجمه أو تأثيره لا بد من البدء على الفور بعملية تقييم سريعة للخطأ، وعملية التقييم هذه تبدأ عند الاعتراف بالخطأ وتنتهي عند حصر العواقب والأطراف المعنية.

الاعتراف بالخطأ والذنب
أول ما يجب فعله هو الاعتراف بالخطأ، عادة ما نميل بشكل شبه فطري إلى إنكار الخطأ خاصة على صعيد العلاقات الشخصية والأمور الحياتية العادية، لكن الاعتراف بالخطأ هو السبيل الوحيد لإيقاف تدفق الآثار السلبية والتراجع عن الخطأ بشكل صحيح.
اعلم أن تجاهل الأخطاء يعتبر سبباً أساسياً لارتكاب المزيد من الأخطاء، وكلما حاولت أن تتجاهل الخطأ كلما تمدد أكثر وقد يجبرك على فعل أشياء خاطئة جديدة لمعالجة نتائجه.

لذلك يجب عليك أن تهدأ وتفكِّر بشكل عقلاني وتقوم بثلاث خطوات أساسية عندما تعتقد أنك اقترفت خطأ ما:
1- قم بتسمية الخطأ باسمه الصريح، مثلاً: لقد جرحت صديقي بالكلام، أفشيت سرّاً من أسرار العمل، أرسلت الرسالة للشخص الخطأ، اكتشفت أمراً لو كنت عرفته سابقاً لما فعلت ذلك، نسيت عيد زواجنا....إلخ.
2- قرر أن تتعامل مع الخطأ بشكل صريح، لا تحاول الالتفاف على الموضوع.
3- باشر فوراً بعملية تصحيح الخطأ، لا تؤجل الأمر لوقت آخر، فتصحيح الأخطاء أولوية دائماً.

تحمَّل المسؤولية
على الرغم من أهمية الاعتراف بالخطأ؛ إلَّا أن الخطوة الأهم هي تحمُّل المسؤولية عن الخطأ، لا تحاول أن تتهرب من المسؤولية أو أن تبحث عن غيرك ليتحملها، وتذكَّر دائماً أن المهام يمكن تفويضها للغير أما المسؤولية فهي غير قابلة للتفويض.
فحتى إن لم ترتكب الخطأ بشكل شخصي لكنه يقع في دائرة مسؤوليتك عليك الوقوف بشجاعة وتحمُّل المسؤولية، ولا شيء يجعلك تتحمل المسؤولة أكثر من المضي قدماً في تصحيح الخطأ.

حصر العواقب
آخر ما يجب أن تفعله في مرحلة تقييم الخطأ أن تبدأ بحصر وتحديد نوع الخطأ وتأثيره وامتداد هذا التأثير رأسياً وأفقياً، وذلك من خلال التفكير بالنقاط التالية:
- حدد تأثير الخطأ المباشر،
هل الخطأ الذي ارتكبته يسبب خسارة مالية؟ هل يسبب جرحاً لشخص آخر، هل يؤدي إلى حصول أحدهم على معلومات خاطئة؟ هل يهدد حياة أحد؟ ...إلخ.
- حدد حجم الخطأ على مقياس من عشر درجات وفق معايير منطقية ومتناسبة مع نوعية الخطأ، فإذا كان الخطأ الذي ارتكبته هو نسيان عيد ميلاد زوجتك يمكن أن تحدد حجم الخطأ حسب معرفتك بزوجتك ومدى اهتمامها بمثل هذه القضية، وإذا كان الخطأ الذي ارتكبته هو إفشاء سرٍّ ما يجب أن تحدد حجم الخطأ كما سيراه صاحب هذا السر، وهكذا.
- حدد الأطراف المعنيَّة بالخطأ، اسأل نفسك سؤالاً واحداً: من هم الأشخاص الذين سيؤثر عليهم هذا الخطأ بشكل مباشر أو غير مباشر؟.
 

ذات علاقة


وضع خطة للتراجع عن الخطأ

تهانينا؛ لقد أنهيت الجزء الأصعب وهو الاعتراف بالخطأ وتقييمه وتحمُّل مسؤوليته، بذلك تكون قد حققت ثلثي المعادلة (الشجاعة والمسؤولية)، وحان الوقت للعمل على إصلاح الخطأ والتراجع عنه، وهنا أكثر ما تحتاج له هو الحكمة.

إيقاف تأثير الخطأ
الحكمة تقتضي أن تبدأ بإيقاف تداعيات الخطأ، لنأخذ مثالاً على ذلك.

عامل في شركة توصيل الطرود للعملاء قام بتسليم طرد للعميل الخطأ، وعندما عاد إلى الشركة اتصل به العميل الأصلي وأخبره أنه لم يحصل على الطرد، بطبيعة الحال طلب العامل من العميل أن يعطيه خمس دقائق ليتحرى سبب المشكلة، واكتشف من خلال مراجعة البيانات أنه المسؤول عن الخطأ والمسؤول عن إصلاحه، ما هو أول ما يجب أن يفعله؟.
1- يجب أن يسارع إلى إيقاف تداعيات الخطأ، وذلك من خلال الاتصال بالعميل الذي استلم الطرد وإخباره أن هذا الطرد ليس له، التأكد إن كان قد فتح الطرد أو عرف محتوياته، الطلب منه بتهذيب عدم استخدام أو تغيير محتويات الطرد، الاعتذار منه عن الخطأ.
2- معاودة الاتصال بصاحب الطرد، الاعتذار منه بتهذيب عن الخطأ وتقديم وعود بإصلاح الخطأ بأقرب وقت.
3- التواصل مع الإدارة المباشرة وإعلامهم بوقوع الخطأ، وهنا لا يجب أن نفكر بالعقوبة، بل بما يمكن أن يحدث إذا حاولنا إخفاء الخطأ وتجاهله.
4- إذا لم يكن العامل على علم بما يجب فعله في مثل هذه الحالات يجب أن يستشير من هم أكثر خبرة منه.

تحديد ما يمكن فعله لإصلاح الخطأ
بعد أن نجحت بإيقاف تأثير الخطأ، يجب أن تبدأ بوضع الاحتمالات، إذا كنت تتعامل مع خطأ في العمل فلا بد أن تكون احتمالاتك مبينة على دراسة مستوفية للخطأ، من خلال مراجعة الحالات المشابهة واستشارة من لهم خبرة في التعامل مع مثل هذه الأخطاء ووضع سلسلة الإجراءات الممكنة ثم إجراء المفاضلة لتحديد الخيارات الأنسب.
أما إذا كان الذنب الذي ارتكبته يتعلق بحياتك الشخصية أو الاجتماعية فلا بد أن تأخذ نفساً عميقاً وتفكر بالخيارات المتاحة، فإن أفشيت سرّاً ربما يكون أفضل خيار أن تتصل بصاحب السرِّ وتخبره أنك فضحته بزلة لسان!، وإن كنت قد نسيت عيد زواجك فمن الأفضل أن تعتذر بطريقة رومانسية مع هدية مناسبة، وإذا كنت قد أسأت بالكلام إلى أحد المقربين وجرحت مشاعره قد يكون الخيار الأفضل أن تذهب إليه فوراً وتطرق الباب وتقول له: أنا آسف.

تعويض المتضررين
إن تعويض المتضررين من الخطأ جزء أساسي من إصلاح الخطأ لا يمكن تجاهله، فأنت من البداية حددت الأطراف الذين سيؤثر عليهم هذا الخطأ، ولا بد أن تقدم لهم ما يساعدهم على تعويض الضرر، وحسب سياق الخطأ يكون التعويض، لنتحدث بالأمثلة:
- عندما ترتكب خطأ مع عميل في عملك لا بد أن تقدم له هدية أو عرضاً مناسباً يجعله يشعر أنَّك مهتم بإرضائه.
- إذا ارتكبت خطأ في العمل يجب أن تكون متقبِّلاً للعقوبة مهما كانت، فالعقوبة ليست فقط أداة للتنبيه ولكن أيضاً تعويض عن الضرر!.
- إذا أخطأت بحقِّ أحدهم قد تضطر إلى سماع بعض الكلام المزعج، لكن يجب أن تحتمل ذلك كتعويض عن الخطأ، قد تضطر للظهور بصورة الساذج أو الكاذب، لكنها قد تكون الطريقة الوحيدة للتعويض عن الضرر.
- الأمر بسيط، إذا كسرت شيئاً قم بشراء بديل له وقدمه كهدية، إذا أزعجت أحد أفراد أسرتك قم بدعوته على العشاء واعتذر منه.... هكذا.

إضافة الخطأ إلى السجل
تحدثنا في مقالات سابقة عن أهمية التعلم من الأخطاء والتجاب الفاشلة، لكن هذا لا يكون ممكناً ما لم نعترف بالخطأ ونحاول إصلاحه، فتجاهل الخطأ يجعلنا ننسى لماذا وقعنا به، ويحرمنا فرصة اكتساب خبرة التعامل مع أخطاء مماثلة، من هنا تأتي أهمية اكتساب التجربة وحفظها في الذاكرة.
 

إصلاح الأخطاء العويصة

لا ننكر أن هناك أخطاء من الصعب إصلاحها، أخطاء قاسية ومدمرة، أو أخطاء بسيطة لكنها غير قابلة للإصلاح، وفي مثل هذه الحالات تتحول استراتيجية التراجع عن الخطأ أو إصلاحه إلى حبر على ورق.
مع الأخطاء العويصة أو الأخطاء التي لا يمكن التراجع عنها هناك أمران يمكن فعلهما فقط:
الأول
هو تقديم الاعتذار من الأشخاص الذين تضرروا ومحاولة تعويضهم ولو جزئياً.
والثاني هو دراسة الخطأ وفهم أسباب وقوعه وإعادة ترتيب أوراقنا لمنع وقوع هذا الخطأ ثانيةً.

لنفترض أنك لسبب أو لآخر فشلت في السنة الثالثة من الدراسة الجامعية، لا يمكن العودة إلى الوراء في هذه الحالة، لن تستطيع إصلاح الخطأ نفسه لأن السنة انقضت والدرجات حُفِظت بعد أن تم تعليقها في لوحة الإعلانات، لكن بكل تأكيد يجب أن تعتذر من نفسك، وأن تعتذر من أهلك، وأن تعتذر من مدرسيك الذين بذلوا معك جهداً، ويجب أن تبدأ بفهم الأسباب التي أدت إلى فشلك في الدراسة وتراجع مستواك، ووضع خطة جديدة للدراسة، البدء فوراً بتنفيذها لتكون السنة القادمة سنة نجاح تعوضك وتعوض من حولك عن هذه التجربة.
 

نصائح مهمة لإصلاح الأخطاء

1- لا تنسَ معادلة التراجع عن الخطأ وإصلاح الأمور، الشجاعة+ المسؤولية+ الحكمة.
2- توقف عن جلد الذات، الأخطاء واردة دائماً، أحياناً تكون بسيطة وأحياناً تكون خطيرة لكنها واردة دائماً.
3- اتخذ إجراءات سريعة وتجنَّب فخ التأجيل والتسويف.
4- اعتذر حتَّى وإن تمكنت من إصلاح الخطأ بطريقة جيدة.
5- لا تخجل من طلب المساعدة من أشخاص موثوقين يمتلكون خبرة أكثر منك أو من أشخاص قادرين على منحك الدعم في رحلتك مع إصلاح الخطأ.
 

أهمية الاعتراف بالأخطاء ومعالجتها

القدرة على إدارة الأخطاء والتعامل مع مخاطرها من أهم مميزات الأشخاص الناجحين في المستويات المختلفة، وتذكَّر؛ وحده من لا يعمل لا يخطئ، ويمكن أن نذكر لكم أربعة أمور تجعل التراجع عن الخطأ وإصلاحه إجراءً بالغ الأهمية:

1- لا بد أنك قرأت أو شاهدت قصة الرجل المسن الذي يحاول الاعتذار عن أخطاء قديمة بعد أن شعر باقتراب وفاته، هذا الرجل المسكين الذي أخطأ بحق أصدقائه وزوجته وارتكب مخالفات في العمل وتجاهل جميع أخطائه، لكنه عندما اقترب من الموت شعر بالذنب والمرارة تجاه المتضررين من أخطائه.
الاعتراف بالخطأ، ووضع خطة لإصلاح الخطأ وتجنب وقوعه ثانية، والاعتذار من المتضررين وتعويضهم، هي الخطوات الذهبية لتتمكَّن من العيش بسلام طيلة حياتك، إن إصلاح الأخطاء والتراجع عنها من أهم عوامل التوازن النفسي والتصالح مع الذات، وإنكار الأخطاء وإهمالها أشبه بدفن الأوساخ تحت السجادة!.

2- قد تكون بعض الأخطاء مغلقة، بمعنى أن تأثيرها محدود في نقطة معينة وينتهي في وقته، لكن أغلب الأخطاء تمتلك قدرة غريبة على التمدد والاستمرار واستجرار أخطاءٍ جديدة، لذلك فإن الإقدام على إصلاح الأخطاء بمسؤولية وشجاعة وحكمة يجنبنا المزيد من الأخطاء.

3- ليس فقط على مستوى نظرتك إلى ذاتك، بل أيضاً على مستوى نظرة الآخرين لك، حيث ينظر معظمنا إلى الشخص الذي يحاول إصلاح أخطائه باعتباره شخصاً جيداً، حتى الباحثون والعلماء يكتسبون المزيد من الاحترام عندما يقومون بالاعتراف بأخطائهم وشرحها للناس والحد من آثارها.

4- التراجع عن الخطأ من أكثر الأساليب التي تساعد على اكتساب خبرات ومهارات جديدة، ودراسة الأخطاء لطالما كانت سبباً رئيسياً لتحسين النتائج في المستقبل، فالأخطاء التي أدت إلى فشل التجارب هي غالباً التي تلعب دوراً كبيراً في نجاح التجارب في المرة المقبلة نتيجة فهم أسباب الأخطاء وطريقة تجنبها ومعالجتها.

أخيراً... لا يمكن أن نتوقع أعمالاً من غير أخطاء، ولا علاقات اجتماعية من غير أخطاء، ولا قرارات صائبة دائماً، لكن في كل مرة نرتكب فيها خطأ أو ذنب نحن أمام فرصة لاكتساب خبرة جديدة، إنها نعمة إصلاح الخطأ والتراجع عنه.