ليس مهماً كيف تبدأ العلاقة، وإنما كيف تتطور؛ فالبدايات مضللة جداً، وغالباً ما تكون رائعة ومشرقة وجارفة، ولكن.. ماذا بعد؟، هل هناك ما يدلنا على أن العلاقة غير سوية أو غير مثمرة؟ وما هي العلامات التي تدل على علاقة خطرة، والعلامات التي تدل على الحب الحقيقي؟


ذات صلة


العلاقات الخطرة

لا يوجد إنسان لا يخطئ، ولا علاقة صحية على الدوام، ومن طلب صديقا أو حبيبًا بلا عيب عاش وحيدًا، فالتغافل والتسامح من المهارات الضرورية لبقاء العلاقات قوية، ولكن هذا لا يعني الاستمرار في علاقات مدمرة، أو التهاون مع علامات الخطر، ومحاولة الحفاظ على علاقات تجاوزت الخطوط الحمراء.
هناك فارق بين الأخطاء العادية، والسلوكيات البشرية التي تحتاج إلى تغاضِ وتقبل، وبين الممارسات الكثيفة والممتدة التي تعرقل الحياة وتسبب التعاسة والتهديد.
ولا يعني ظهور هذه العلامات في العلاقة أن ننهيها على الفور، فالأمر يحتاج إلى مصارحة وسعي للإصلاح، فقد يصل الطرفان إلى نقطة تلاقي، وقد يُعدل كل منهما سلوكه، فيتضاءل السلوك المهدد للعلاقة، ولكن مع فشل محاولات الإصلاح فلا بد من وقفة حاسمة، وعدم الاستمرار في أي علاقة تنتهك المشاعر وتعرض مستقبل الإنسان وسلامته البدنية والنفسية للخطر، وتتسبب مع الوقت في تشوه أفكاره وحياته ومشاعره.
 

ذات علاقة


علامات الحب الكاذب والعلاقات غير الصحية

هناك عتبات فارقة بين الأخطاء والسلوكيات العادية، وبين علامات عدم صحية العلاقة، وقد تكون بعضها واضحة بالنسبة لك، والأخرى تحتاج إلى موضوعية وانتباه لأنها تختلط ببعض مظاهر الحب، وهذه أهم العلامات:

1- الضغط والملاحقة
يبدو الأمر في البداية حبا، يتشابه التعلق بالحب، يلاحقك ويغرقك اتصالات ورسائل ومواعيد، يلتصق بك ولا يتحمل انشغالك بشيء.. ربما يكون حبا وانجذابا، ولكن الوقت سيكشف، فإذا لم يحترم أهدافك الأخرى، وثبت أنه يسعى للاستحواذ عليك وقطع علاقاتك بمن حولك فهذا إنذار واضح بعلاقة غير صحية.
جرب أن تطلب بوضوح احترام أمور معينة في حياتك، مثل: أصدقاء أو هوايات أو نشاط ما، وانظر هل سيحترمها أم سيضرب بطلبك عرض الحائط ويصر على إهدار قيمة كل الأمور في حياتك إلا هو.

2- فرض العزلة
علامة تتداخل كثيرا مع الحب، ففي بداية العلاقة يكون هناك ميل طبيعي لقضاء وقت كبير سويا، ولكن إذا وجدت الأمر يتحول إلى فرض عزلة عليك، وقطعك عن كل علاقاتك الاجتماعية السابقة فهذا حب غير صحي.
وغالبًا ما يبدأ في تشكيكك في من حولك، فأصدقاؤك مملون وفاشلون، وعائلتك تحارب حبكما، والجميع يتآمرون عليكما أو لا يستحقون الاهتمام؟
فهو إما يشكك في جدارتهم أو نواياهم، أو يضع نفسه في سباق معهم ويسعى دوما للاستئثار بك.
الحب الصحي يحمي الاستقلالية، ويزيد ويوسع  الدعم في العلاقات، ويقدر على الظهور والبقاء في الوسط الاجتماعي.

3- الغيرة المفرطة
الغيرة شعور إنساني طبيعي، ولكن الغيرة المتطرفة ليست كذلك.
عندما يبدأ أحد طرفي العلاقة يلاحق الآخر إلكترونيا وواقعيا، ويتشكك في التصرفات والكلمات والنظرات، ويطرح أسئلة الاتهام كثيرا، فهذه علاقة غير صحية.
عندما تجد نفسك مضطرا دوما للتبرير، وتشعر بالذنب بدون سبب، فهذه علاقة ضاغطة ومسيئة.

4- التحقير
الحب يبني ولا يهدم، الحب يقوي ولا يضعف، الحب يزيد الشعور بالثقة والكفاءة.. أما لو أصبح الشريك يحطم وينتقد باستمرار، ويركز على العيوب ويستخف بالأهداف والأعمال، ويقلل من الإنجازات فهذا هدم باسم الحب.
ويظهر الأمر بقطع الطريق عليك إذا أبديت إذا ضيقك واستياءك، وعبرت عن أن هذا الأسلوب يؤذيك، حيث يقوم بتحقير واستخفاف جديد بعبارات مثل: " أنت تبالغين جدا" أو " لماذا الحساسية المفرطة".

5- التقلب
لا شك أن هناك قدر من المزاجية وتغير الحالة النفسية يمر به الجميع، فكل إنسان تنتابه تقلبات بين الفرح والضيق، والرغبة في القرب أو الخصوصية، ولكن التقلب الذي هو علامة للعلاقة غير الصحية يتميز بشدته، وارتفاع عالٍ وانخفاض مفاجيء وكأنه قطار الملاهي، ساعة يشعر بأنه لا يتحمل الحياة بدونك، والساعة التي تليها يتشكك في استمراركما سويا، ساعة يشعر بأنك أكثر من يفهمه، ثم فجأة يشعر أنه يضيع عمره معك فأنت بعيد جدا عن تفكيره.

6ـ  تخريب الحياة
العلاقة التي تخرب حياتك هي علاقة غير صحية، أيّا كان مسماها ومبرراتها، سواء باسم الحب أو الترابط أو الصداقة.
ويأتي تخريب الحياة في صور عديدة مثل: أن يقوم بتدمير سمعتك، وتشويه إنجازاتك ونجاحاتك، ويضيع عليك الفرص الهامة، ويجعلك تتوقف عن الأمور التي تحبها وتنجح فيها، أو يتحدث عنك بسوء من وراء ظهرك ويكثر الشائعات حولك فضلا عن تهديده بإفشاء أسرارك.

7ـ التلاعب
من الطبيعي أن يتأثر كل حبيب بشريكه، وأن يتفاعل الأصدقاء سويًا ويغيروا في الطباع ويؤثروا على القرارات، ولكن في بعض الأحيان يتحول هذا التأثير إلى تلاعب، ويسعى أحدهما للتأثير على الآخر إلى حد أن يقوم بأمور لا يقتنع بها، ودفعه لاتخاذ قرارات أو العدول عنها بدون إرادته، وبتأثير الضغط العاطفي والمادي، واستخدام الهدايا والإلحاح وغيرها لتشكيل الآخر وتوجيه حياته كما يريد.

8ـ الإشعار بالذنب
بعض العلاقات تتحول إلى جلد نفسي مستمر، حيث يشعر أحد الطرفين الآخر بخيبة أمله وإحباطه المستمر، ويلومه على عدم شعوره بالسعادة، ويتهمه دومًا بأن "كل شيء هو خطؤه"، وقد يصل به الأمر إلى التهديد بإلحاق الأذى بنفسه أو بالآخرين إذا تركه، أو لم يمتثل لرغباته، وقد يستخدم هذا السلوك للضغط عليه لفعل أي شيء جنسي لا يرتاح له.
وكما ذكرنا في النقاط السابقة، فإن القدر المعقول من العتاب يفيد العلاقة ولا يضرها، ولكن كثرته واعتباره سلوكًا أساسيًا في التعامل يعد انتهاكًا وشكلًا غير صحي للعلاقات.

9ـ عدم الاعتراف بالخطأ
الاعتراف بالخطأ والاعتذار عنه وتحمل مسؤوليته وتبعاته من علامات النضج وسواء الشخصية، أما إذا اعتمد أحد طرفي العلاقة على التبرير الدائم، وإلقاء اللوم على الآخرين أو الظروف أو الأشياء فإنه يُدخل العلاقة إلى طريق مسدود، ومن الأمثلة على ذلك: أن يلقي باللوم على تجاربه العاطفية السابقة في قيامه بسلوك سيء، أو على والديه أو معلميه، أو يتعلل بظرف صحي أو مالي، أو يتخذ من تعاطي الكحول والمخدرات ذريعة للإيذاء.
ولهذه الأسباب السابقة تأثير على السلوك، وكل الناس لديهم ظروف وتجارب توجه أفكارهم وقد تشكل الكثير من ردود أفعالهم، ولكن المقلق هو ألا يعترف الشخص بمسؤوليته عن التحكم في حياته، ولا يعتبر نفسه مُلامًا أبدًا، فهذا يعني أنه سيظل يبرر لنفسه على الدوام، ولن يحاول التغيير.

10ـ الخيانة
تتعدد أشكال الخيانة، ولا تقتصر على الخيانة العاطفية والجنسية، فأن يكون الشريك ذو وجهين خيانة، وألا يلتزم بالمعايير المتفق عليها بينكما في التعاملات مع الجنس الآخر نوع من الغش يؤثر على قيمة الثقة التي لا غنى عنها لعلاقة مستقرة وصحية.
 

علامات الحب الحقيقي والعلاقات الصحية

وفي المقابل فإن العلاقة الصحية تتمتع بعدد من الخصائص الهامة والأساسية، إليك أهمها:

1- الراحة
في بداية التعارف قد تشعر بالسعادة لأنك تقضي وفتك مع الآخر، وأنك ترغب في ذلك لأنه شيء رائع، ولكن تأكد من أنك لا تفقد توازنك، وأنك لا تتعرض لضغط للقيام بأمور لا ترتاح إليها، أو تضطر للسرعة وأنت غير مستعد.
العلاقة الصحية هي علاقة مريحة، لا يتعارض فيها الاستمتاع والانجذاب مع الشعور بالتوازن والاستعداد.

2- الثقة
الثقة المتبادلة من أهم أركان العلاقة الصحية، أن تعتقد بأن شريك حياتك لن يفعل أي شيء يؤذيك أو يفسد العلاقة، وفي الوقت نفسه تشعر بثقته بك، ولا تضطر لإقناعه بإخلاصك له طول الوقت.

3- الأمانة
أن تكون العلاقة قائمة على الصراحة والانفتاح، فيستطيع كلا الطرفين التحدث مع الآخر بلا خوف، وقد يختلفان في وجهات النظر بشكل كبير، أو يقترف أحدهما خطئًا فادحًا، ولكنه لا يضطر للإخفاء أو التهرب.

4- الاستقلالية
وجود مساحة من الحرية والخصوصية من العلامات الفارقة بين العلاقات الصحية والمريضة، فالصديق الذي يريد أن يتملك صديقه ولا يكون له صديق سواه هو لا يحترم استقلاليته، ويسعى لجعله تابعًا له، وكذلك الحرص على معرفة جميع التفاصيل الصغيرة، واقتحام الوقت، والاستحواذ على الاهتمام، كلها انتهاكات للخصوصية.
وتحافظ الاستقلالية على بقاء الشغف في العلاقة، وعدم تعرضها للفتور والملل، فالتعلق الزائد، وغياب المساحة الشخصية يجعل العلاقة باهتة ومكررة لا جديد فيها ولا حيوية.

5ـ الاحترام
إذا كان الاحترام موجودًا في العلاقة، فسيقدر شريكك آراءك وأهدافك، وسيدعمك لتحقيق أحلامك، وسيحافظ على صورتك أمام الناس وعلى مشاعرك.

6ـ المشاركة
أن يبذل الطرفان جهودًا متساوية أو متقاربة لإنجاح العلاقة واستمراريتها، أما أن يبذل شخص واحد الجهد، ويقدم الاحترام والاهتمام، ويمنح الثقة، ولا يبخل بتقديم الاعتذار، بينما يتلقى الآخر فقط، فهذا من علامات الانتهاك والأذى وإنذار بفشل العلاقة، مثل مركب بمجدافين ولا يجدف فيه إلا شخص واحد فهو يوشك على الميل والغرق.

7- التعاطف
إذا كنت في علاقة صحية فسيكون شريكك لطيفًا معك، وسيفهمك ويدعمك عندما تمر بأوقات عصيبة، وسيقدم يد المساعدة في أوقات الحاجة، فالشعور بالاهتمام والقلق والمساندة من أهم سماتها.
وهي ليست علاقات آلية، يقوم فيها الزوج بدور المصرف، والزوجة بأمور الخدمة، أو يقوم الأصدقاء بأعمال رويتينة وترفيهية في الأوقات الجيدة فقط، بل تقوم على المشاعر الحية، والتعاطف الذي يظهر في الكلمات واللمسات والدعم الفعلي.

8- تحمل المسؤولية
أن تتحمل أنت وشريكك مسؤولية تصرفاتكما وكلماتكما، وتتجنبان إلقاء اللوم على بعضكما البعض، وتتحملان نتائج أفعالكما، ويترتب على هذا بدايةً شجاعة الاعتذار بصدق عن الأخطاء، والسعي للتغيير الإيجابي لتحسين العلاقة.

9- الوفاء
أن تشعر بأن شريكك سيحمي ظهرك، فهو عندما يكون محترمًا ومخلصًا، يدافع عنك وينصح لك ويساعدك على رؤية الأمور بشكل موضوعي، ويحفظ أسرارك.

10- التواصل
كما أن التعلق الزائد الضاغط يتنافى مع العلاقة الصحية، فإن الانقطاع والإهمال يتنافى معها أيضًا.
فالحفاظ على الخصوصية لا يعني الانقطاع، والتواصل يحفظ الوجود الفعلي لأي علاقة، أن تشعر بأنه موجود لأجلك إذا شعرت برغبة في التحدث أو مناقشة أمر.

وختامًا، فإن التعرف على هذه العلامات لا يهدف إلى محاكمة واختبار العلاقات، ولكن إلى تحسينها، وتعديل السلوك الشخصي، وإعادة النظر في أسباب التوتر، وبناء علاقات صحية.
فإن بعض العلاقات قابلة للإصلاح والبعض الآخر يجب تركها والمضي قدما، أو على الأقل التنبه لتأثيرها السلبي وحماية النفس منها، ليس في العلاقات العاطفية وحدها، بل في جميع العلاقات الإنسانية، والحفاظ على علاقات صحية ليس أمرًا معقداً، فالتواصل والاحترام المتبادل، والتعاطف والصبر تضمن ديمومة العلاقات آمنة وقوية.
العلاقات الصحية هي تلك التي تستخرج أفضل ما فيك، وعلى الرغم من أنه لا توجد علاقة مثالية تمامًا، إلا أن العلاقة الصحية تشعرك بالرضا غالبًا، وتجعلك إنسانًا أفضل وليس العكس.