كلمة "فرصة" من أكثر الكلمات المؤثرة التي يستخدمها خبراء التسويق، كذلك مدربو التنمية البشرية وتطوير الذات، وحتى في القانون الوضعي هناك مبدأ يسمى "تفويت الفرص" يأخذ به القاضي لإقرار التعويضات المناسبة، والسياسيون يروجون لأنفسهم بمصطلح تكافؤ الفرص....إلخ، فكلمة فرصة كلمة سحرية تترك مفعولاً عميقاً في النفس، وتحفِّز واحداً من أقوى دوافع الإنسان؛ دافع الكسب السريع والمميز.
وتحت وقع السحر في كلمة فرصة نسعى جميعاً لفهم وتعلُّم فن اغتنام الفرص، ونحاول أن نتعرف أكثر إلى سبب تفويت الفرص وكيفية تجنب تفويت أي فرصة، والبعض يفضل خلق الفرصة بنفسه.
 


ذات صلة


ما هي الفرصة؟

الفُرصَةُ في اللغة العربية مفردة استخدمت للتعبير عن وقت التناوب على الماء فلكل جماعة فرصة على عيون الماء، وفرصة الحصان أو الخيل قوته في السبق، كما تشير الفرصة إلى الوقت المناسب لأداء عمل ما، وفي اللغة الانجليزية Chance تشير أيضاً إلى الوقت المناسب وإلى الاحتمال والصدفة التي غالباً ما تحمل المعنى الإيجابي.

أما اصطلاحاً فيمكن التمييز بين استخدامين لمصطلح الفرصة؛
الاستخدام الأول أنها تشير إلى احتمال وإمكانية حصول أمر ما، كما قولنا: أن تعاطي المخدرات عبر الحقن يزيد من فرص الإصابة بفيروس سي والإيدز، أو كما في قولنا: تسعى الحكومات لتأمين تكافؤ الفرص في العمل والدراسة....إلخ.
والاستخدام الثاني هو الاستخدام التسويقي أو الترويجي، وهو الذي يشير إلى زمن فريد وعرض قد لا يتكرر، وسهولة استثنائية في تحقيق كسب مادي أو معنوي، كقولنا هذه فرصتك لامتلاك شقة على البحر، أو هذه الفرصة المناسبة للحصول على قرض جديد.
    
وإذا أردنا وضع تعريف شامل للفرص يمكن القول: إن الفرصة هي إتاحة احتمالٍ ما في وقت مناسب ينتج عنه أثر إيجابي محتمل، والفرصة الجيدة هي التي تتضافر عندها العوامل المختلفة لتسهيل وتيسير الأمور على غير العادة، والتي تسمح لنا بالحصول على مكتسبات معينة كانت تحتاج إلى جهد أكبر في وقت آخر أو أنها لم تكن في الحسبان، كالحصول مثلاً على منحة دراسية تغطي كامل التكاليف في جامعة مهمة، أو تزامن وصولنا إلى المطعم مع وصول فنان مهم ما يتيح لنا أخذ صورة سيلفي معه!، أو تقديم طلب توظيف في شركة مهمة بالتزامن مع طرد موظف في نفس اليوم....إلخ.
ومن هذا التعريف يأتي سحر الفرص؛ فميل الإنسان إلى الكسب السريع والمميز هو الوتر الحساس الذي يجعل من استغلال الفرص أمراً يستحق التفكير والتحليل.
 

ذات علاقة


لماذا نفوِّت الفرص؟

بعضنا قد يندم على فرصة واحدة فوَّتها، ويتخذ الكثير من الإجراءات في حياته ليتجنب تكرار تجربة تفويت الفرص، والبعض يعتقد أن تفويت الفرص مشكلة مستقرة في حياته يعاني منها ويرغب بتجاوزها، وفي الحالين لا بد من البحث عن الأمور التي تلعب دوراً في تفويت الفرص، والأسباب التي قد تجعلنا نتخلى عن فرصة ما ثم نندم عليها:

1- منطقة الراحة: السبب الكبير والأهم لتفويت الفرص هو الإقامة في منطقة الراحة، حيث تكون الأمور واضحة ومستقرة وجامدة إلى حد بعيد، خالية من المخاطر والمجازفة، خالية من التجارب الجديدة.
الإقامة في منطقة الراحة هي المكوث خلف سورٍ مرتفع يحجب عنا كل ما هو خارج الدائرة، ويدفعنا إلى سدِّ كل فتحة أو نافذة قد تتيح لنا النظر إلى أشياء جديدة، وهذه أقصر الطرق لتفويت الفرص.
ويمكن القول أنَّ أسباب التمسُّك بمنطقة الراحة بحد ذاتها أسبابٌ لتوفيت الفرص أيضاً، مثل الخوف من المستقبل والخوف من التجارب الجديدة وعدم الرغبة في التضحية بأي شيء في سبيل الحصول على شيء آخر والرضا الساذج بالواقع ومحاولة الحفاظ عليه من أي تغيير، وهذا لا يعني فقط تفويت الفرص بل طردها واستبعادها بشكل مسبق.

2- الوقت: عندما كانت الفرصة مرتبطة بالوقت ارتباطاً عضوياً، فإن سوء إدارة الوقت واحد من أهم الأسباب التي تجعلنا نفوِّت الكثير من الفرص، فهدر الوقت الثمين على نشاطات غير مثمرة مثل تصفح وسائل التواصل الاجتماعي واللعب عبر الانترنت ومشاهدة التلفزيون لساعات طويلة؛ كل ذلك يجعلنا أقل انتباهاً للفرص المتاحة وأقل استعداداً لاغتنام الفرص.

3- سوء التقدير: يمكن تعريف سوء التقدير أنه اتخاذ القرارات بناء على فهم خاطئ للأمور أو معلومات منقوصة أو خاطئة أو مفاضلة غير موضوعية بين خيارين، فالفرص وإن كانت طريقاً أسهل من العادة لتحقيق أمر ما لكنها تحتاج للدراسة الجيدة، وعادة ما يدفعنا سوء التقدير وقلة الخبرة لتفويت بعض الفرص المهمة في الحياة على حساب فرص أخرى أقل أهمية أو على حساب منطقة الراحة.

4- الفوضى في الحياة: عقولنا تنتبه إلى اهتماماتنا وتدعمها بشكل مبدع، فعندما تفكر مثلاً أنك تريد الحصول على منحة دراسية يتنبَّه عقلك بشكل استثنائي إلى كل ما قد يتعلق بالمنحات الدراسية من إعلانات أو عروض أو حتى حديث عابر بين شخصين في المواصلات العامة...إلخ، لذلك فإن تحديد الأهداف والعمل عليها وتنظيم حياتنا من خلال اكتساب المؤهلات اللازمة لتحقيق هدف ما هو السبيل المناسب لاقتناص الفرص.
أما الحياة غير الهادفة وغياب الحوافز والدافع والأهداف المحددة، وعدم تنظيم الوقت والجهد باتجاه معين؛ كل ذلك يجعل من تفويت الفرص أمراً لا مفر منه.

5- تأخر الاستجابة: التردد وتأخر الاستجابة للفرص من الأسباب المهمة التي تجعلنا نفوِّت الكثير من الفرص المميزة، هذا التردد قد يكون ناتجاً عن الخوف من التجربة أو قلة الخبرة أو الفوضى العامة في الحياة، والفرصة غالباً ما تكون سريعة في ظهورها وسريعة في غيابها، وإن كانت تحتاج للدراسة الموضوعية والعقلانية لكنها أيضاً تحتاج لسرعة البديهة.
مثلاً؛ كاتب شاب يطمح منذ زمن إلى التعرف لصاحب واحدة من أكبر دور النشر في بلاده، وفي فرصة ذهبية يلتقي به عن طريق الصدفة في أحد المطاعم، ينظر إليه من بعيد ويفكر: هل أذهب إليه وأعرف بنفسي؟ هل أطلب رقمه الشخصي؟ هل أصطنع حادثاً ما يلفت انتباهه كأن أختنق بالطعام؟ هل أدفع عنه الحساب؟.
في هذه الأثناء كان صاحب دار النشر يتحدث إلى صديقه عن رغبته بدعم روائي شاب جديد، ثم ينهي عشاءه المميز ويدفع الحساب ويذهب بعيداً حاملاً معه الفرصة!.

6- المكان الخطأ: تنظيم المحيط أمر بالغ الأهمية في دورة حياة الفرصة، فعندما تكون محاطاً بالأشخاص المحبطين والسلبيين والفاشلين والحسودين، وتقضي أوقاتك في أماكن جامدة فيها أشخاص ينتظرون الفرصة ويندبون حظوظهم، اعلم أن الفرصة ستصل إليك وتستدير بعيداً قبل حتى أن تطرق بابك، وإن وصلت إليك سيتولى من حولك طردها باحتراف.

7- التعامل مع الفرصة كهدية مجانية: عادة ما يتم تشبيه الفرص بالقطارات، يجب أن تركب في الوقت المناسب لأنها لن تنتظرك ولن تستجيب لندائك بعد أن تنطلق، المشترك بين القطار والفرصة أن كلاهما لا ينتظر الركاب وينطلق في وقته المحدد، لكن الحياة ليست محطة انتظار، بمعنى أنَّك إن جلست وانتظرت الفرصة من غرفتك إلى الأبد فلن تأتي، لا بد أن تعمل في سبيل تعبيد الطريق أمام الفرصة.
 

كيف نغتم الفرصة؟

1- حدد أهدافك: أولاً وقبل كل شيء لا بد أن تحدد أهدافك بوضوح، ما الذي تريده من هذه الحياة؟ ما الذي ترغب بتحقيقه فعلاً؟ ما هو المجال الذي تريد أن تثبت نفسك من خلاله؟.
ارسم أهدافك بعناية وموضوعية، واعمل على تأهيل نفسك لتحقيق الأهداف، وستجد أن الفرص تأتي إليك وتناديك.

2- حدد مشاكلك: فكر بما قد يمنعك من استغلال فرصة ما، هل تعاني من هواجس المستقبل؟ هل أنت عالق في منطقة الراحة؟ هل تواجه مشكلة في التعامل مع الناس أو تشعر بالخوف من مواجهتهم؟ هل لديك مشكلة مع محيطك الاجتماعي تضيِّع عليك الفرص؟ حدد مشاكلك وابدأ بحلِّها.

3- استعد لاستقبال الفرص: كما ذكرنا فإن سبباً من أسباب تفويت الفرص هو التعامل معها كهدايا مجانية، يجب أن تبدأ بالاستعداد من خلال اكتساب المهارات والخبرات اللازمة التي تؤهلك لتحقيق أهدافك، ومن خلال اختيار الأشخاص المناسبين والأوساط المناسبة التي تدعم تطلعاتك، واكتساب مهارات التفكير المرن لتكون مستعداً لدراسة الاحتمالات المحيرة.

4- تحلَّى بالشجاعة: لا تصدق من يقول لك أن الفرصة نصيب لا يخطئ صاحبه، استغلال الفرصة يحتاج إلى قدر كبير من الشجاعة، إلى رغبة جامحة تدفعنا بكل قوة نحو أهدافنا وتجعلنا نغامر ونجازف في سبيل ما نريد تحقيقه.

5- لا توجد أبواب مقفلة لكن توجد مفاتيح ضائعة: جميعنا نختبر شعور الإحباط وفقدان الأمل في مرحلة ما وبدرجات مختلفة، وقد نقف ونقول: جميع الأبواب مغلقة بوجهنا. تذكَّر دائماً أن الأبواب المُصَدَّة لها مفاتيح في مكان ما، ابحث عن طرق جديدة ولا تيأس.

6- تعلَّم من الطبيعة: الكائنات والمخلوقات التي تعيش في بيئتها الطبيعية تتبع جميعها مبدأ استغلال الفرص، القطة مثلاً عندما تريد الانقضاض على طائر تستعد وتتخذ الوضع المناسب، تراقب، تنتظر اللحظة المناسبة التي يغفل فيها الطائر عن الخطر، تفكر بالمسافة التي تفصلها عن الطائر إن كانت متناسبة مع سرعتها بالقفز والانقضاض، ثم تقفز وتلتقط فريستها، وإن فشلت تعيد التجربة مع حيطة وحذر أكثر.

7- تعلم من رجال الأعمال: في عالم ريادة الأعمال هناك ما يسمى الفرصة التسويقية أو التجارية، التي تقوم على دراسة الاحتمالات والبحث عن الفرص التي قد تجعل من منتج ما ضربة حظ موفقة في وقت ما.
ويقوم رجال التسويق بدراسة الفترات المناسبة لعرض منتجاتهم لتكون قادرة على استغلال الفرصة، فبالكاد تظهر طفرة جديدة في السوق حتى تجد رجال التسويق أول من يستغلها، وتجدهم قبل أي مناسبة عامة أو عيد يدرسون كيفية استغلال الفرصة.

8- لا تسترح: لا تعتقد أن اغتنام الفرصة ينتهي عند إقبالك عليها وإقبالها عليك، عليك أن تعمل دائماً لتحافظ على ما تكسبك إياه الفرصة، عليك أن تكون ممتناً للفرصة ومجتهداً في تطويرها لتفتح أمامك أبواباً جديدة.

9- تعلم من التجارب ولا تقف على الأطلال: حتى وإن فوَّت فرصاً كثيرة في الحياة، فهناك دائماً فرص جديدة أنت تختارها وتستدعيها وتصنعها، وتفويتك للفرص يجب أن يكون درساً مهماً في اغتنام الفرص، لكن الوقوف على الأطلال وندب الحظ والأسف على الضائع لا يؤدي إلا لضياع المزيد من الفرص.
 

خلق الفرص وصناعة الفرصة

الأشخاص الناجحون والرائدون غالباً ما وقفت وراءهم قصّة كفاح عنوانها خلق الفرص، خذ مثلاً الفلسطيني طلال أبو غزالة صاحب واحدة من أكبر شركات تسجيل الملكية الفكرية في العالم، تقدم مجموعته خدمات في المحاسبة والاستشارات الإدارية ونقل التكنولوجية والتعليم على مستوى عالمي.
قبل أن يكون طلال أبو غزالة امبراطوراً مالياً كان طفلاً فقيراً لاجئاً في لبنان قدم من يافا يحمل داخله هدفاً كبيراً هو أن يثبت نفسه ويتفوَّق على عدوِّه، وصنع طلال أبو غزالة أول فرصة له عندما وقف الطفل على باب منزل مدير المدرسة وطلب منه منحة دراسية لفصل واحد على أن يثبت تفوُّقه لنيل منحة جديدة، واستطاع أبو غزالة أن يكمل تعليمه بمنحة كاملة حتَّى تخرج من الجامعة الأمريكية في بيروت.
سافر من بلد إلى بلد، وأسس شركة في سيارته قبل أن ينتقل إلى مكتب ثم يأسس شركات أخرى ويفتتح فروعاً في دول العالم حتى صار اسمه علامة فارقة، هذا الرجل لم ينتظر الفرصة بل صنعها وحافظ عليها وقدم الفرصة للكثيرين غيره.

أخيراً... إن الاجتهاد والعمل الجاد هو السبيل الحقيقي لاكتساب الفرصة، وإن كان الحظ يلعب دوراً والصدفة تلعب دوراً في تقديم الفرص؛ إلا أن الاستعداد لاستغلال الفرصة والذهاب إليها وخلق الفرصة أهم من الحظ والصدفة وأجدى من الانتظار.