لطالما يدور في رأسك نوع من المونولوج الداخلي حول ما يظنه الآخرون وبما يفكرون وكيف يحاكمون حياتك وتصرفاتك وكلامك.. الخ، ثم تتحمل إرهاق هذه الأفكار مراراً وتكراراً.. بعد أي زيارة تقوم بها أو اجتماع عمل أو عرض تقديمي لفكرة مشروع.. وما إلى ذلك، وتقلق خصوصاً فيما يتعلق بظنون الآخرين حول حياتك الخاصة، لكنك حرّ في خياراتك، مع ذلك تقيد نفسك بأفكار الآخرين!؛ فما رأيك أن الأبحاث العلمية تقول لك: "كفَ عن ذلك!".. هذا ما نناقشه في مقالنا.



محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- الحديث عن النفس
2- الأفكار السلبية
3- متعة تحرير العقل
4- التفكير بالآخرين
5- التفكير الإيجابي
6-المراجع والمصادر


الحديث عن النفس

ما تظن أنه فكرة الآخرين عنك.. ليس إلا أفكارك عن نفسك!
يصعب كسر بعض المعتقدات عن أنفسنا، لكن بإمكانك أن تتعرف على طريقة لإعادة صياغة حوارك الداخلي المتعِب؛ ظناً منك أن الآخرين يقضون كل وقتهم في التفكير بحياتك! تذكر.. أنت لست محوراً لحياة الآخرين، وهي الحقيقة التي ظهرت من خلال البحث العلمي على مرّ السنين، "لا أحد يفكر بك".. لأن الدليل العلمي يثبت؛ أننا جميعاً وغالباً نفكر بأنفسنا فقط!
لذلك دعنا نبدأ مع الخطوة الأولى وهي فهم أن (معظم الناس يتحدثون عن أنفسهم)، وبالعودة إلى عام 1997 بحث العلماء موضوع ومضمون المحادثات البشرية[1]، فوجدوا أن نسبة 78٪ من المحادثات تدور حول تحدث الشخص عن نفسه وتصوراته الشخصية للعالم، فالوظيفة الأولى للمحادثة في المجال الاجتماعي هي: "السماح للمتكلم أن ينقل للأفراد الآخرين؛ الكثير من المعلومات عن نفسه كشخص".
في عام 2013 وجد الباحثون[2]، أن معظم الناس يتبعون فعل شيء ما يسمى "anchoring"، أي التكيف بثبات والرسو على ما تعتقد، وهو نوع من التحيز المعرفي، حيث "يرسو الناس إلى تجاربهم الخاصة لتكوين استنتاجات حول تجارب شخص آخر، على سبيل المثال: قد تشعر بعدم الارتياح بين حشود الناس، لذلك عندما يصف شخص ما حفلة كبيرة حضرها سابقاً، فأنت تفترض أنهم كانوا يصفون تجربة سلبية، حتى لو كانوا (شخصياً).. يحبون الحفلات الكبيرة!
مؤخراً وفي عام 2018 اقترح الباحثون[3]، نظرية حول سبب تفكير الناس دائماً في أنفسهم، حيث أن هناك مساحة معينة من الدماغ، وهي نوع من منطقة "الشبكة الافتراضية" كما سماها العلماء، حيث وجدوا خلال الدراسة أنه يتم تنشيط هذه المنطقة؛ عندما يكون الدماغ في حالة راحة ولا يشارك في مطالب خارجية أو مسؤوليات لازمة، بمعنى آخر عقلنا الافتراضي هو تفكيرنا بأنفسنا، لذا فإن البحث يدعم هذه الحقيقة. بطبيعة الحال.. نحن نتحدث عن أنفسنا أكثر من أي شيء آخر، كما نستخدم خبراتنا الخاصة لوضع تصورات وافتراضات حول الآخرين، تذكر.. أنت تفكر في الغالب عن نفسك، لذا لا أحد يشغل باله في التفكير عنك!


الأفكار السلبية

عندما تشعر بأن الآخر يحاكمك.. فهذا لأنك تحاكم نفسك!
جرب إعادة صياغة أفكارك وافتراضاتك السلبية عن نفسك للحظة، فعندما تشعر بالقلق من أن شخصاً ما يعتقد أنك شديد الهجومية مثلاً، أو أنك لا تقوم بجهد جيد في مهنتك، فإن الذي يفكر في الواقع هو أنت.. لأنك تؤمن بهذه الأفكار! وتفكر: "هل يظن الناس ذلك عني.. أيضاً؟"..
الحقيقة هي أنه ليس لديك أي فكرة عما يفكر فيه الآخرون ولن يكون، لكن السيناريو الأكثر ترجيحاً هو أن الناس من حولك يتساءلون عما تفكر فيه، وشيء آخر متعلق بهم هم أنفسهم أيضاً، بالنتيجة.. أنت الوحيد الذي تفكر في كل تلك الأفكار السلبية عن نفسك.
كل هذا لا يعني أن الناس لن يحكموا عليك مطلقاً أو يكونوا حولك أي آراء! فلنكن منطقيين في ذلك، فممكن أن يقصدوا أشياء إيجابية حولك، أو يفكرون بالأفكار السلبية كذلك، لكن هذا غير صحيح، من وجهة نظر علمية؛ هذه الأحكام من الآخرين ليست في الحقيقة عنك، على الأقل ليست فقط حولك أنت، حيث أن "الناس يستخدمون أفكارهم وتجاربهم الخاصة؛ كمرساة لفرضياتهم عن الآخرين".
بطبيعة الحال.. ما نشهده جميعاً هو أن الأشخاص، الذين لا يشعرون بالأمان والثقة في أنفسهم، غالباً ما يكونون أقسى في أحكامهم على الأشخاص الآخرين، لذلك في المرة القادمة التي يصدر فيها شخص ما حكماً بشأنك ورأياً حول كيفية عيشك حياتك؛ بدلاً من استيعاب رأيه وأخذه على محمل الجد، اسأل نفسك: "ماذا يعني ما قاله؛ عنه هو!؟ وما هي الأفكار السلبية، التي لديه عن نفسه.. حتى تثبتت لديه هذه القناعة أو الرأي حول حياتي!؟
اعتقد أن هذا المونولوج الداخلي أكثر إيجابية لحياتك، كما يساعدك على التفكير جيداً قبل أن تعتمل عواطف الحزن والحرج لديك، وبالطبع أعرف أن لديك أشخاص، يهتمون لصالحك ويفكرون بك بطريقة بناءة، لكنهم كما أثبتت لنا التجربة؛ أشخاص وأصدقاء حقيقيون نادري الوجود فعلياً، (عمري 38 عاماً وليس لدي بالإضافة لأسرتي إلا صديقة واحدة فقط، تهتم فعلاً وبشكل إيجابي).


متعة تحرير العقل

الحرية هي متعة الاختيار والقناعة بأن لا أحد يحاكم حياتك
عندما تدرك أن أفكار معظم الناس هي عن أنفسهم، وليست عنك وعن حياتك وخياراتك، وتستوعب هذا المفهوم المثبت علمياً؛ فإنك ستشعر براحة وحرية لا تصدق! هذا يعني أنه يمكنك أن تقوم بالعمل على طريقتك، وأن تؤمن بكل ما تريد حول أفعالك، كما يمكنك ارتداء ما تريد وأي زي تحب.. الخ، فالاحتمالات لا حصر لها، وبطبيعة الحال هذا التحول الذاتي المهم؛ قد لا يحدث بين عشية وضحاها، ولن تكون هذه الراحة النفسية موجودة طوال الوقت أيضاً، إذ ليس هناك ما هو مثالي ومطلق، أو أبيض وأسود.
وأكرر تذكيرك وتذكير نفسي أيضاً، أنه في المرة القادمة التي تشعر/أشعر فيها بأنك معرض لمحاكمة الآخرين، والتي يتم فيها كسر معنوياتك؛ بأن الآخرين يفكرون بشكل رهيب حولك، تذكر.. ليس لديك فكرة عما يفكرون به فعلياً، فمن غير المحتمل أن يكون عنك، والأرجح أن تكون عن أنفسهم، لذلك أنت حر في التفكير في أي شيء تريده، جيداً أو سيئاً وإيقاف جنون عقلك بالمونولوج الداخلي إياه، والعودة إلى اللحظة الحالية... ويا لها من راحة!


التفكير بالآخرين

تعزيز التفكير الإيجابي بالآخرين
كما تدينون.. تدانون.. وبما أنك تتابع قراءة هذا المقال؛ فأنت شخص تتمتع بحرية الاختيار والقدرة على رؤية الأمور الإيجابية في الناس والحياة بشكل عام، بالتالي تقاوم أي مواقف قد تُفرض عليك: للحكم بشكل سلبي على الآخرين (الثرثرة)، لأنك تعلم بشكل يقيني؛ السعادة التي ستملئك، بسبب تبني أسلوب التفكير الإيجابي في كل شيء، ليس فقط بالآخرين، كما يمكن أن يساعد التفكير الإيجابي في إدارة الإجهاد، بل ويلعب دوراً مهماً في صحتك الجسدية العامة ورفاهية حياتك.
ولأن التفكير الإيجابي يعني؛ التعامل مع تحديات الحياة بنظرة إيجابية، فهذا لا يعني بالضرورة تجنب أو تجاهل الأشياء السيئة.. لكنه ينطوي على الاستفادة القصوى من المواقف السيئة المحتملة، ومحاولة رؤية الأفضل في الأشخاص الآخرين، وتقديم نفسك وقدراتك أيضاً.. بشكل إيجابي، ولكن لا يعني أن تكون متفائل بحيث تفسر النجاح في حياتك والشيء الجيد بفضل جهودك، ثم ترمي المسؤولية على أسباب خارجية عند فشلك أو حدوث أشياء سيئة! أو العكس أيضاً.. أي أن تلوم نفسك فقط عند الفشل، وتشكر الحظ! والظروف الجيدة عند تحقيق النجاح.
من المؤكد أن علم النفس الإيجابي يميل إلى التركيز على التفاؤل، لكنه يشير إلى أنه على الرغم من وجود فوائد عديدة للتفكير الإيجابي، إلا أن هناك أوقاتاً يكون فيها التفكير الواقعي هو الأكثر فائدة، على سبيل المثال: يمكن أن يؤدي التفكير السلبي إلى قرارات ونتائج أكثر دقة ولصالحك[4]، وفي بعض الحالات يمكن أن يؤدي التفكير المتفائل إلى التقليل من المخاطر الفعلية التي ينطوي عليها قرار معين، حتى لو لم تكن شخصاً متفائل بشكل طبيعي، فإن هناك أشياء يمكنك القيام بها لتعلم كيفية التفكير الإيجابي، وإحدى الخطوات الأولى هي: التركيز على المونولوج الداخلي لديك، والانتباه إلى حديثك الذاتي.


التفكير الإيجابي

ما هي العادات التي تعزز تفكيرك الإيجابي؟
التغلب على السلبية وتبني نهج إيجابي في الحياة؛ أمر غير منطقي وأنت تعلم ذلك، لكن يمكنك تعزيز عادة التفكير الإيجابي من خلال بعض الممارسات البسيطة[4]:
- الشكر والامتنان: فمقدار الامتنان الذي نظهره، يشكل العامل الأساسي للمساهمة في سعادتنا عموماً، وقولك "شكراً" ثلاث مرات يومياً مثلاً، سيُحدث فرقاً في مقدار إيجابية تفكيرك.

- نتيجة اليوم: من خلال كتابة ثلاثة أشياء تعبر عن مواقف حصلت معك أو أشخاص التقيت بهم أو مهام قمت بها خلال نهارك؛ فأنت تتبع أفضل الطرق لتعزيز التفكير الإيجابي لليوم التالي.

- التركيز على نقاط القوة والنجاح: بطبيعة الحال لا أحد مثالي وكلنا نمتلك نقاط ضعف، ولا نستطيع تجاهلها بهدف تحسينها والعمل على تحويلها إلى نقاط قوة، لكن عليك بالصبر وفي نفس الوقت التركيز على نقاط القوة والتي حققنا من خلالها النجاحات مهما كانت بسيطة.

- الانتقال لمستوى أفضل: لا أقصد من الناحية المادية على الرغم من أهميتها، وإنما تحديد مستوى أعلى مما نحن عليه اليوم على كافة الأصعدة، بهدف الوصول للأفضل على طريق تحسين الذات والنمو الشخصي، كما أن الأشخاص الإيجابيين؛ يبحثون عن قداوتهم بين هؤلاء الذين يحبونهم.

- التعامل مع الأفكار السلبية: وهذه بالتأكيد لن تختفي بسحر ما، لكن دعها تمّر وعبر عنها، وإذا كنت حزيناً جرب اللعب مع أطفالك أو الصغار في عائلتك، كذلك جرب الرقص أو تنظيف الشرفة إذا كنت غاضباً، وتحايل على المشاعر السلبية مهما كانت كبيرة، اعترف بها لكن اعمل على احتوائها.

- لا تشكو من الطقس: حرفياً نعني ذلك، أحياناً أشعر أن شكوى المحيطين، بسبب البرد الشديد أو الحر الشديد؛ سوف تصيبني بالجنون أو سأحذو طريقهم، لكن مع قليل من التفكير المنطقي الإيجابي: "الطقس طبيعي فنحن في الشتاء أو في فصل الصيف.. لماذا نشكو!؟".. وصدقني هذه الفكرة تسيطر على حالتك الفيزيائية، بحيث يكون كل شيء طبيعي.

- التركيز على إيجاد الحلول: لا تفكر بالنتيجة وتشكو.. لا تلمْ نفسك والآخرين على مصيبة ما.. فاللوم مصيبة جديدة أيضاً، ركز على الحل واستكشف مختلف البدائل.

- توقع الخير: والأعمال بالنيّات كما تعرف.. تأمل دوماً بتحقيق النتائج الإيجابية.

- اللطف ثم اللطف: ينشر الشخص الإيجابي الفرح حوله، مع حذره من الأشخاص السلبيين لدرجة قد تسبب التسمم! فهو إيجابي لكنه ليس ساذجاً.

في النهاية... المحبة إكسير راحة البال، والسر أن تحب للآخرين ما تحب لنفسك؛ ربما هذا مبدأ مثالي جداً، لكن معرفتنا أن أفكارنا عن الآخرين ليست إلا عملية انعكاسية لما نفكر به عن أنفسنا، تجعل من تبني التفكير الإيجابي؛ أمراً لا بد منه في حياتنا المعاصرة الصعبة، شاركنا رأيك من خلال التعليقات.


المراجع والمصادر:

[1] دراسة.سلوك محادثات الإنسان منشورة على موقع Research Gate، تمت المراجعة في: 29/05/2019
[2] دراسة.التكيف والثبات في الوصول إلى استنتاجات اجتماعية منشورة على موقع Deep dyve، تمت المراجعة في: 30/05/2019
[3] دراسة.لماذا يفكر الناس دائماً في أنفسهم؟ منشورة على موقع Deep dyve، تمت المراجعة في: 30/05/2019
[4] مقال بالوما كانتيرو جوميز (Paloma Cantero-Gomez). عادات تعزز التفكير الإيجابي، منشور على موقع Forbes، تمت المراجعة في: 29/05/2019
 

ذات علاقة