لا نفشي سراً عندما نقول أن تربية الأطفال الذكور في المجتمعات الذكورية تشكِّل عبئاً إضافياً على الآباء والأمهات، ففي المجتمعات الأقل اهتماماً بمظاهر الرجولة والذكورة الواضحة للعيان ستكون تربية الذكور أسهل باستخدام أساليب التربية العامة مع مراعاة جنس الطفل،  أما في المجتمعات التي تهتم بتربية الطفل الذكر كرجل صغير فإن تربية الأولاد الذكور تكاد تخضع لقواعد ومعايير مستقلة تماماً.
في هذا المقال نحاول أن نناقش أهم الأمور التي يجب مراعاتها في تربية الأطفال الذكور، وأهمية تنظيم السياق التربوي للأولاد الذكور، وبعض النصائح والاقتراحات لتربية الأطفال الذكور والرجال الصغار.
 


ذات صلة


الأهداف التربوية للأطفال الذكور

قبل الخوض في النصائح والقواعد التربوية الخاصة بتربية الصبيان لا بد أن نتوقف مع مفهوم الأهداف التربوية، فتحديد الأهداف أو النتائج التربوية المرجوة مسبقاً يعتبر حجر الأساس لتبني سياق تربوي دون الآخر (راجع مقالنا عن مفهوم السياق التربوي وأساليب التربية)، وستختلف أهداف العملية التربوية في تربية الذكور باختلاف المجتمع والبيئة والصورة النمطية للذكر وباختلاف المنطلقات الفكرية للأهل.
ولا بد أيضاً من التمييز بين الأهداف والرسالة، فالأهداف هي مجموعة النتائج المتوقعة في المجالات المختلفة كلٍّ على حدة، مثلاً أريد أن أربي طفلاً متفوقاً في الدراسة، صادقاً بالتعامل، صريحاً، متعاطفاً ومحترماً، هذه كلها أهداف تربوية كل منها يحتاج إلى أسلوب؛ تتفاعل معاً في السياق التربوي.
وأما الرسالة فهي أمُّ الأهداف جميعاً، كقولنا أريد أن أربي ابني على مبادئ الرجولة ومواقف الرجولة، أو أريد أن أربي رجلاً أعتمد عليه في المستقبل.

وفي سبيل تحديد أهداف السياق التربوي الخاص بالذكور لا بد أن تسأل نفسك الأسئلة التالية:
1- هل تريد أن تربي طفلك ليكون نموذجاً متوافقاً مع النمط الاجتماعي للذكور؟ أم أنك تريد تربية طفل مستقر ومتزن بالمطلق بعيداً عن النمط الاجتماعي السائد؟.

2- هل تعتقد أن تربية الذكور تختلف جذرياً عن تربية الإناث في كل الجوانب، أم أن الاختلاف فقط في التربية الجنسية وبعض الجوانب التي لا تحدث فرقاً جوهرياً؟.

3- هل تعتقد أن تعليم الأطفال الذكور يجب أن يكون أفضل من تعليم الإناث؟ بمعنى أنك ستمنح فرص تعليمية أفضل لابنك الذكر مقارنة مع بنتك؟.

4- هل ستربي طفلك الذكر ليحمل مسؤولية العائلة في حال غيابك، أم أنك ستربيه على تحمُّل مسؤولية نفسه فقط؟.

5- هل تؤمن أن الفروق الطبيعية بين الذكور والإناث لا تؤثر على المهارات والقدرات؟ أم تعتقد أن الذكور يتفوقون على الإناث في مجالات محددة والعكس صحيح؟.

6- هل تعتقد أن الطفل الذكر يجب أن يتمتع بسلطة ما على أخواته الإناث حتى إن كبرنه سناً؟

7- هل تعتقد أن الطفل الذكر أقل عرضة للتحرش الجنسي من البنات؟

8- هل تعتقد أن أداء الذكور للأعمال المنزلية مثل غسيل الصحون أو التنظيف يتناقض مع مبادئ الذكورة وقد يؤثر على ميولهم الجنسية؟.

9- هل تخاف على الأطفال الذكور من الشذوذ الجنسي أكثر من البنات؟ أم تعتقد أن الأمرين سيان؟.

10- هل ستقوم بتأمين مستقبل أبنائك الذكور من الناحية الاقتصادية بشكل أفضل من البنات؟

إن إجابات هذه الأسئلة ستجعلك أقرب إلى تحديد أهدافك من السياق التربوي الخاص بالأطفال الذكور، يجب أن تعتمد على هذه الأسئلة لتحديد توقعاتك التربوية بشكل مسبق، وتذكّر أن أجوبتك على هذه الأسئلة لا تحدد ما هو صحيح وما هو خاطئ، بل تحدد نظرتك الشخصية إلى الفروق التربوية بين الذكور والإناث وتساعدك على تحديد أهدافك التربوية، قد تحتاج إلى إعادة النظر في بعض القضايا.
مثلاً؛ يتعرض الأطفال الذكور للتحرش الجنسي أيضاً ويجب أن تخشى عليهم من ذلك، وتأمين مستقبل الفتيات في بعض المجتمعات من خلال تعليمهن وتأمين قاعدة مالية لهن يعتبر مهماً لحمايتهن في المستقبل، كذلك يجب أن تعرف أن الأعمال المنزلية لا يمكن أن تؤثر على الميول الجنسية للذكور، فالميل الجنسي أكثر تعقيداً من أن يؤثر عليه غسيل الصحون!.
 

ذات علاقة


قواعد تربية الأولاد الذكور

كما ذكرنا سابقاً؛ فإن اختيار السياق التربوي للأولاد الذكور محكوم بالأهداف التربوية التي يحددها الأهل، والتي تكون بدورها رهناً بالسياق الاجتماعي وبالمنظومة الفكرية التي يتبناها الأهل[1]، لكن هذا لا يمنع وجود بعض القواعد العامة لتربية الأولاد الذكور، نذكر منها:

تربية طفل مستقل
إن الاستقلالية مهمة في التربية سواء للذكور أو للإناث، وقد يصح القول أن تربية الطفل الذكر على الاستقلالية والاعتماد على الذات أكثر أهمية في مجتمعاتنا العربية، وكلما بدأ الطفل بالاعتماد على نفسه في مرحلة مبكرة بالطريقة الصحيحة كلما أصبحت ثقته بنفسه عالية واستقلاليته راسخة (راجع مقالنا عن تربية طفل مستقل).

علِّمه معنى الرجولة
من النقاط التربوية الحساسة في تربية الذكور تعليمهم معنى الرجولة ومبادئها، حيث يعتقد بعض الآباء أن الأطفال يتعلمون الرجولة من خلال تعليمهم التسلط على الآخرين والعناد والبذاءة أحياناً، إضافة إلى تعليمهم كبت مشاعرهم والمكابرة والتصرف كالكبار، لكن هذه الأمور لا تصنع رجلاً، ولتعلمه معنى الرجولة الحقيقية:
- علمه احترام الآخرين والتعامل معهم بطريقة مناسبة، وعلمه احترام الإناث داخل البيت وخارجه.
- علمه تحمُّل المسؤولية ومواجهة الواقع بشجاعة.
- علمه الصدق والأمانة.
- علِّمه التعاطف مع الآخرين وتقديم المساعدة.
- علمه الالتزام بوعوده وعهوده.
- علمه الدفاع عن الحق ومواجهة الباطل.
- علمه أن رجولة مسؤولية وليست ميزة.
- علمه أن الذكورة لا تبرر الأفعال الدنيئة.

تجنب الضغط على الرجال الصغار
يتعرض الأولاد الذكور لضغط متزايد من الآباء والأمهات لتربيتهم كرجال وتحميلهم المسؤوليات، وتربيتهم على كبت عواطفهم ومشاعرهم لأن العاطفية لا تليق بالرجال!، حيث يفقد الأطفال الذكور قدرتهم على التعبير عن مشاعرهم بل حتى يفقدون قدرتهم على وصفها باستثناء مشاعر الغضب الذكوري والسعادة [2] والمعروفة باسم ثنائية الذكور القاتلة.
يجب الحفاظ على طفولة الأطفال الذكور والإناث على قدم المساواة، ومنح الولد الذكر مساحة حرة للتعبير عن مشاعره ووصفها بعيداً عن محاولات وضعه في القالب الاجتماعي للذكور، ويكون دور الآباء بالغ الأهمية في تعليم الذكور التعبير عن مشاعرهم ببساطة وسهولة بصفتهم أطفالاً.
وقد يؤدي الضغط المبالغ به على الطفل نحو الالتزام بالنمط الاجتماعي للذكور إلى نتائج عكسية بالمطلق، خاصة عندما يكبر هذا الطفل قليلاً ويستطيع الرفض والتمرد، سنجده يتجه عكس ما كنا نتمنى ليتخلص من الضغط.

تجنب الأخطاء الشائعة بتربية الأولاد الذكور[3]
1- تجنب التعامل مع الأطفال الذكور وكأنهم بعيدون عن الخطر أو أنهم لا يمكن أن يكونوا ضحايا التحرش أو الاعتداء الجنسي (اقرأ مقالنا عن التحرش الجنسي بالأطفال على مواقع التواصل الاجتماعي).
2- تجنب إجبار أبنائك على ممارسة الرياضات القتالية أو غيرها من الرياضة التي تعتقد أنها ترتبط بالذكورة.
3- تجنب إجبار الأطفال الذكور على كتم مخاوفهم، تحدث معهم عن مخاوفهم وعالجها لكن لا تجبرهم على كبت خوفهم لأن الرجال لا يخافون!.
4- تجنب التعامل مع الأطفال الذكور بجفاء، حيث يعتقد معظم الآباء أن التعامل مع الطفل الذكر يجب أن يكون رسمياً وقاسياً وحازماً خاصة في مرحلة المراهقة، وأن الحنان والعناق واللطف جيد في تربية الفتيات، هذا ليس دقيقاً (اقرأ مقالنا عن آثار الإهمال العاطفي على الأطفال).
5- تذكر دائماً أن العنف والقسوة لا تصنع رجلاً، بل تصنع شخصية مهزوزة وعنيدة وعنيفة.
 

التربية الجنسية للأطفال الذكور

من أكثر الأمور حساسية في تربية الأولاد الذكور موضوع التربية الجنسية لسببين؛ الأول ما يتعلق بحساسية الحديث عن الأمور الجنسية مع الأبناء خاصة في مجتمعاتنا المحافظة وهذا ينطبق على الذكور والإناث بطبيعة الحال، والسبب الثاني هو أن معظم الآباء والأمهات يعتقدون أن التربية الجنسية ليست مهمة للذكور بشكل خاص، فقد يميلون إلى الحديث مع البنات عن بعض الأمر الجنسية بهدف حمايتهن من التحرش والعلاقات غير الشرعية والمرفوضة وحمياتهن من الاستغلال الجنسي، لكنهم يعتقدون أن الذكور يتدبرون أمورهم!.
في الواقع إن الحديث عن الأمور الجنسية مهم لكلا الجنسين على قدم المساواة، خاصة في العصر الذي أصبح فيه الوصول إلى المعلومات أسهل بكثير من فهمها، فلم يعد التكتم على الأمور الجنسية أمام الأطفال مفيداً، لأنهم ببساطة سيتعرضون للكثير من الأفكار والمعلومات الجنسية عبر شبكة الانترنت، وسيبحثون بأنفسهم عمَّا يشبع فضولهم، وقلَّما يجد الأطفال ما يستطيعون فهمه بطريقة صحيحة عن القضايا الجنسية.

لذلك يجب الاهتمام بتربية الذكور الجنسية اهتماماً استثنائياً لحمايتهم ولحماية الآخرين منهم أيضاً؛ وذلك من خلال:
- اتباع قواعد التربية الجنسية العلمية من خلال قراءة المقالات العلمية والدراسات الحديثة التي تقدم لنا معلومات غنية وحلول فعالة للحديث مع الأطفال عن الأمور الجنسية وأهميته، اقرأ مثلاً مقالنا "كيف اخبر ابني بالبلوغ والاحتلام"، ومقالنا عن التربية الجنسية.

- الحديث مع الأطفال الذكور عن حدود الجسد وتعليمهم الحفاظ على دائرتهم الشخصية، وتوضيح الأمور التي يجب الإخبار عنها مباشرة عند حدوثها.

- الحديث مع الطفل عن احترام الأنثى، وعدم الانجرار وراء المعاكسة والتحرش بالإناث.

- الحديث مع الأطفال عن الرغبات والتفضيلات الجنسية ما هو السوي وما هو الشاذ.

- تقديم معلومات تتعلق بالصحة الجنسية للأطفال الذكور.

- الحديث عن الأطر المقبولة اجتماعياً في تنظيم العلاقات الجنسية.

- إجابة الأطفال الذكور عن كل أسئلتهم الجنسية مهما كانت محرجة.
 

الإيحاء والرسائل في تربية الصبيان

يعتبر الإيحاء والرسائل الخفية التي يرسلها الأهل إلى أبنائهم من أكثر الممارسات التربوية فاعلية وتأثيراً، ومن هنا تأتي أهمية السيطرة على الإيحاءات غير المباشرة والرسائل الخفية في التربية.
الأطفال يستمعون إلى الأحاديث، لكنهم أقل قدرة من الكبار على تحليلها وفهمها وتبني ما جاء فيها بشكل موضوعي، هم غالباً يتعاملون مع الأحاديث المختلفة كبيانات ومعلومات مسلَّم بها، ويبنون عليها معتقدات وأفكار يصعب التخلص منها لاحقاً.
مثلاً يسمع الطفل الجارة تقول لأمه "الرجل لا شيء يعيبه، لكن الفضيحة للمرأة!"، سيبني على هذه الجملة اعتقاداً راسخاً أن الذكورة تتيح له فعل الكثير من الأشياء دون محاسبة.
وإلى ما هنالك من رسائل خفية تجعل الطفل يبني عليها اعتقادات تتحكم بسلوكه، مثل أن العناد صفة الأطفال الذكور ما يجعل الطفل أكثر عناداً ليثبت ذكورته، أو عندما تقول الأم لابنتها "لديكِ وقاحة الصبيان"، ما يجعل الطفل الذكر يزداد وقاحة ليثبت ذكورته أيضاً.... إلخ. 
حيث يجب أن يبقى الأهل يقظين لكل حوار يدور حول أطفالهم، ويجب التصدي لكل المفاهيم الخاطئة أو الرسائل غير المناسبة وتصحيحها على الفور وبنفس الطريقة.

أخيراً... إن الركض وراء تنميط الأولاد الذكور كرجال على الرغم من أهميته في المجتمعات الذكورية لتأمين الاندماج الاجتماعي المناسب؛ لكنه أيضاً يحرم الأطفال من طفولتهم ويكبت الكثير من المشاعر الصحية، وينعكس سلباً على نظرتهم لأنفسهم وللآخرين من حولهم، لذلك لا بد أن تتم دراسة الأهداف التربوية لتربية الصبيان دراسةً تتضمن تجنيب الطفل الضغط السلبي لتربية الذكور النمطية.
 

المراجع والمصادر

[1] مقال JULIE BECK "تربية الأولاد مع تعريف أوسع للذكورة" منشور في theatlantic.com، تمت مراجعته في 24/6/2019.
[2] مقال David J. Baxter " تنشئة وتربية الذكور" منشور في psychlinks.ca، تمت مراجعته في 26/6/2019.
[3] مقال Joanna Schroeder "ثمانية أشياء يجب تجنبها في تربية الصبيان" goodmenproject.com، تمت مراجعته في 26/6/2019.