يقول المثل الشعبي: "عُصفور في اليد خير من عشرة على الشجرة"، يُرسخ هذا المثل لعقلية تُفضل المضمون والمتاح وإن كان قليلًا هزيلًا، على الكثير الوفير لأنه محفوف بالمخاطر.
ولكن هذا المثل لا يطرح لنا الحل الوسط العملي، بأن نحتفظ بعصفور اليد، ونسعى لبعض العصافير الأخرى المحتملة، فما المانع أن يحاول الإنسان ويجرب طرقًا جديدة ما دام يفكر ويتحلى بقوة الإرادة، ودافعه السعي والقوة لا الطمع الأحمق؟
والعصفور المضمون في المثال السابق يسميه علماء النفس وخبراء تطوير الذات بـ" منطقة الراحة COMFORT ZONE" وهي حالة نفسية يشعر بها الشخص أنه مسيطر على الأمور، ويتعامل مع الأشياء المألوفة له، ويتكيف مع استخدام مجموعة محدودة من السلوكيات لتقديم مستوى ثابت من الأداء، حيث يقوم بما يعرفه بدون قلق أو توقع.
 


ذات صلة


مناطق السلوك والتفكير الثلاث

هناك ثلاث مناطق لسلوكنا وإنتاجيتنا[1]:
الأولى: منطقة الراحة

ويختارها أغلب الناس حيث يؤدون المهام بسهولة واعتيادية، ولكنهم في الوقت ذاته لا يحرزون تقدمًا هامًا أو يبنون مهارات مختلفة، ويصادرون على فرص الحياة لخوفهم من التغيير والتجريب.

الثانية: منطقة الذعر
وفيها تكون الأنشطة والمهام شديدة الصعوبة إلى درجة قد تعرقل التفكير، ولا تخرج الإنسان فقط من منطقة الراحة، بل وتغرقه في الإحباط.
ولا تعني الدعوة للخروج من منطقة الراحة أن يلقي الشخص بنفسه في منطقة الذعر حيث الأمور التي لا يعرف عنها شيئًا، والمجالات التي تحتوي على مخاطرة كبيرة هو لا يحسب لها حسابًا، لأن منطقة الذعر تمنع الإنسان من إحراز أي تقدم أو تحقيق أهدافه، كما أنها تُفسد حاضره وتعرضه للضغط الشديد.

الثالثة: منطقة التعلم
بين منطقة الذعر ومنطقة الراحة هناك منطقة التعلم، وهي تلك المساحة الرائعة من الطموح التي تطور الشخصية وتُشعل الحماس، بدون المخاطرة الكبيرة أو الإحباط، وهي منطقة وسط بين الشعور بالذعر في ملاحقة أمور بعيدة جدًا، والانغلاق والاكتفاء بما يعرفه الإنسان ويؤديه بسهولة بالغة.

وقد يتم الخلط بين منطقة التعلم والمنطقتين الأخريين لأنها تقع في المنتصف، ولكن إذا علمنا أن منطقة الراحة يسود فيها الشعور بالملل، ومنطقة الذعر يسود فيها الشعور بالانزعاج وفقدان التركيز، فمن الجيد معرفة أن منطقة التعلم يغلب عليها الشعور بالمتعة والنمو والرغبة في المشاركة مع الآخرين.
وتتغير المناطق الثلاث باستمرار، فمع استمرار التعلم ستنتقل المهام التي كانت ذات يوم جزءًا من منطقة الذعر إلى منطقة التعلم، وقد ينتهي بها المطاف إلى أن تصبح منطقة راحة، يحتاج الإنسان أن ينتقل منها لتعلم أمورًا جديدة وتطوير نفسه، وتنطبق هذه الدوائر الثلاث على كل شيء في حياتنا تقريبًا، من العمل والتعليم والرياضة والأنشطة البدنية والمهارات والهوايات المختلفة.
 

ذات علاقة


عيوب منطقة الراحة

البقاء في منطقة الراحة ودائرة المألوفات له العديد من السلبيات، أهمها:

1- تمنعك من النمو
في هذه الحياة، إما أن تنمو أو تموت، قد تبدو هذه العبارة مبالغًا فيها، ولكن ليس المقصود تناولها حرفيًا، فقد يعيش الإنسان ولكن تموت طاقاته وإمكاناته.
التقدم هو العنصر الأساسي لحياة سعيدة، وهو ما أشارت إليه الدراسات الحديثة، ويعرف "شون أكور" عالم النفس الإيجابي السعادة بأنها "الفرح الذي تشعر به وأنت تتحرك نحو إمكاناتك"[2].
النمو يدور حول التقدم، والتقدم يدور حول الحركة، والحركة تدور حول الخروج خارج حدودك المعتادة، أما إذا بقيت جالسًا داخل منطقة الراحة فلن تنمو لأنك لن تتحرك.
النمو المقصود هنا هو أن تصبح أفضل مما أنت عليه الآن، والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي أن تجرب أمورًا خارج ما تعودت عليه.

2- تمنعك من اكتشاف نفسك ومعرفة شغفك
اكتشاف الإنسان لشغفه من أسرار السعادة والنجاح في الحياة، وهو الطريق لأن تعمل ما تحب، فعندما تعرف ما تحبه وتسعى لإتقانه فإنك تبرع فيه، وتُحدث تغييرًا إيجابيًا في العالم.
وقد يستغرق الوصول إلى الشغف وقتًا طويلًا، ولكن ما دام الإنسان يُجرب أشياءً جديدة فإنه سيصل إليه، والمشكلة تكمن في البقاء داخل منطقة الراحة، ما تعودت على فعله وإن كان لا يثير فيك أي حماس أو سعادة، أو ما أُجبرت على القيام به، وهو ما يجعلك تتوقف عن عملية الاكتشاف والعثور على ما لديك شغف تجاهه، مما يُعطل سعادتك وتحقيق ذاتك.
إن العيش في منطقة راحتك يدور حول فعل ما هو آمن وسهل، لا شيء تترقبه فأنت تعرف النتيجة، وهذا قد يكون آمنًا ولكنه لا يتيح لك معرفة قوتك الداخلية، فإننا نكتشف الكثير عن أنفسنا عندما تتغير الظروف والأحداث، ونبدأ في رؤية الجزء العميق بداخلنا.

3- تأجيل أهدافك
لا تخلو حياة أي إنسان من صعوبات، ولكن التعامل معها يختلف بشكل كبير، وفي طريق تحقيق أحلامك لا بد أن تواجهك صعوبات، فإما أن تتمسك بمنطقة الراحة، أو أن تعتبر الصعاب فرصة لمزيد من الجرأة والإصرار على الخروج من مألوفاتك، وإذا بقيت في منطقة راحتك عندما تواجهك صعوبات، فسينتهي بك الأمر إلى تأجيل أهداف حياتك، وهذا سيجعلها أكثر صعوبة في المستقبل.

4- الحياة الروتينية تُفقدك جزءًا من نفسك
الحياة الروتينية سلاح ذو حدين، فهي تضمن من ناحية الراحة والأمان، ولكن مع البقاء فيها فترة طويلة تزداد مشاعر الملل والكسل، ويتحول الإنسان إلى ما يُشبه الآلة، يسعى فقط للحفاظ على الوضع الراهن.
الروتين هو جزء من منطقة الراحة، قد يكون مُرضيًا لك ولكن البقاء فيه بدون تغيير سيفقدك القدرة على مشاركة مواهبك مع العالم.
 

كيف تخرج من منطقة الراحة؟

هناك أمور بسيطة تساعدك على الخروج من منطقة الراحة.

1- لا تتعامل مع شيء على أنه مضمون: يقولون إن الأصعب من النجاح أن تحافظ عليه، والذي يتعامل مع نجاحه في أي شيء على أنه أمر مضمون يخسره. البقاء في المنطقة المريحة دون السعي للتطور والتوسع والمغامرة يعني أنك تجازف بما لديك، فالحياة تستمر دومًا إلى الأمام وعليك أن تواكبها.

2- غيّر في روتينك: الروتين يتعلق بالراحة وبالكفاءة أيضًا، وله الكثير من الإيجابيات، ولكن تبديل الروتين بطرق صغيرة يوميًا، كأن تسير في طريق جديد إلى العمل، أو تغير طريقة ذهابك، أو أن تأخذ الدرج بدلا من المصعد، هذه الأمور الصغيرة وأمثالها تؤدي إلى مقابلة أشخاص جدد ورؤية مشاهد مختلفة، مما يساعد على تدفق الأفكار لتطوير العمل والحياة الشخصية.

3- تحرك نحو مخاوفك: فكر في الأشياء التي تخاف منها، ربما يكون الكثير منها يشتمل على أكبر إمكانيات لتوسيع وتحسين حياتك. عندما تشعر بالخوف من أمر ما، فكر فيه ثانية بشكل آخر، وسل نفسك: ما الذي يمكن أن يحمله لي هذا الأمر غير الخوف؟.. هل تخاف من الرفض؟.. وماذا وراء الرفض، ربما إذا واجهت خوفك وطلبت ما تريده، ولم تخف كثيرًا من الرفض ستحصل على الكثير من المزايا.

4- جرب شيئًا جديدًا: استمر في تجربة أساليب مختلفة حتى تكسر الشعور بالقلق منها، ليس مهمًا أن تحسب الفائدة التي ستعود إليك بالورقة والقلم، فتجربة أمور جديدة فائدة بحد ذاتها.

5- احتفظ بأهداف للنمو: ضع قائمة بأهدافك، راجعها وطورها باستمرار، واطّلع عليها في نهاية اليوم، وفكر في اتخاذ خطوات لتحقيقها.
 

كيف تتعامل مع القلق خارج منطقة الراحة؟

هل تشعر بدقات قلبك تتسارع وتتصبب عرقًا قبل أن تُقدم عرضًا تقديميًا وتخاطب الجمهور؟، هل تتوالى على عقلك أسئلة من نوعية: ماذا لو لم أكن مستعدًا بشكل كافٍ؟ ماذا لو سارت الأمور بشكل سيء؟ .. حسنًا هذا شيء طبيعي، بل قد يكون جيدًا أيضًا.
يؤكد الباحثون على أن القليل من القلق مطلوب لتركيز الجهود وتحسين الأداء، وأن هذا القدر المعتدل من القلق هو الذي يجعل الناس يؤدون المهام بشكل جيد، ويتمكنون من التوفيق بين مهام متعددة، ويؤدون جيدًا في حالات التأهب القصوى.
وقد يفتقر بعض الأشخاص الذين لديهم تفاؤل بشكل مفرط إلى القلق الكافي الذي يدفعهم للاستعداد الجيد، بينما يتمتع المنجزون والناجحون بدرجة معقولة من القلق.
ويلفت دينيس تيرش، المدير المساعد للمعهد الأمريكي للعلاج المعرفي في نيويورك إلى أن تنظيم القلق أمرًا صعبًا، لأن الإنسان المعاصر لا يزال يتعامل مع تحديات يومه بمشاعر التهديد القديم للبشر، فيبدأ في تخيل جميع أنواع السيناريوهات المفزعة في تفكيره في المستقبل، لذا فإن استجابة الجسم البدائية للقتال أو الطيران تحدث حتى عندما يكون التهديد بسيطًا كحدث اجتماعي شاق، أو أداء اختبار.
وللإفراط في القلق تأثيرات مؤلمة ومدمرة، ووفقًا للمعهد الوطني الأمريكي للصحة العقلية، فإن اضطرابات القلق تؤثر على حوالي 40 مليون من البالغين الأمريكيين - 18٪ من السكان، يسعى ثلثهم فقط للعلاج، وينشأ عنه مجموعة من الاضطرابات مثل: نوبات الهلع والرهاب، وقد تزيد لتصل إلى الوسواس القهري واضطراب ما بعد الصدمة واضطراب القلق العام، ويمكن أن يؤدي إلى الإصابة بالاكتئاب والأمراض الجسدية، بما في ذلك الصداع النصفي وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب واضطرابات الجهاز الهضمي والألم المزمن.
ويقول عالم النفس جيسون موسر من جامعة ولاية ميشيغان إن القلق الشديد يمكن أن يجعل المهام البسيطة أكثر صعوبة. أما القلق المعتدل فهو من النقاط المضيئة التي تساعد على النجاح[3].
وتعود فكرة القلق المعتدل إلى منحنى يركيس دوكسون الذي افترضه عالمان من جامعة هارفارد عام 1908، وأكده علم الأعصاب الحديث، من أن الدماغ يتعلم بشكل أفضل عندما تكون هرمونات التوتر مرتفعة بشكل خفيف.
كيف تستخدم القلق في صالحك؟
وفي ضوء ما سبق ذكره من أهمية القلق المعتدل، وخطورة زيادته أو نقصانه إلى حد الإفراط في التفاؤل، يبقى السؤال المهم هو: كيف يمكن ضبط درجة القلق والاستفادة منه؟
بداية يوضح العلماء أن القلق يصبح اضطرابًا إذا كان مستمرًا ويتعذر إيقافه، أو يتداخل مع الأداء الوظيفي فيجعله سيئًا، ويسبب إعاقة حياتية كبيرة، ومن علامات القلق المفرط الذي يؤدي إلى اختلال وظيفي أن يسبب التوتر الجسدي في الجسم، أو أن يكون منشؤه النقد واللوم المستمر للذات، وعدم القدرة على النوم بدون أدوية.
ويمكن التفرقة بين القلق النافع المعتدل، والآخر الضار المفرط بطبيعته وكيفية التعامل معه، فعندما يكون القلق منصبًا على الخوف في حد ذاته فهو يهزم الإنسان باستمرار، ويضعه في دائرة مغلقة من القلق المستمر، وأفضل طريقة للتغلب عليه والحفاظ على النسبة الجيدة منه هي توجيه القلق إلى نشاط مثمر، مثل الدراسة أو التمرين.
ويعد تحويل القلق إلى فعل عنصرًا رئيسيًا في العلاج السلوكي المعرفي، والذي يُنظر إليه على نطاق واسع على أنه العلاج الأكثر فاعلية لاضطرابات القلق، ويقول علماء النفس إن تحديد الأفكار المسببة للقلق وتحديها، ومواجهة مصدر الخوف تدريجيًا، يمكن أن يوفر راحة أكثر من الأدوية المضادة للقلق، وبدلا من الانسحاب والركون إلى منطقة الراحة والاستسلام للقلق أو الهروب منه، سخره لمصلحتك، واستفد منه في التحضير الجيد وتطوير نفسك ومغالبة خوفك.

وختامًا فإن الإنسان بحاجة إلى الاستقرار لتنتظم حياته ويؤدي مهامه، ولكنه بحاجة في الوقت نفسه إلى التغيير والتجديد وبعض المخاطرة ليتعلم ويتطور ويكتشف نفسه، وتحقيق التوازن بين هذين المطلبين من أسرار النجاح المستمر، ويُنسب للشاعر الأندلسي أبي البقاء الرندي أنه قال: ويفوز باللذات كل مغامر، ويموت بالحسرات كل جبان.
 

المراجع والمصادر

[1] مقال "المناطق الثلاث التي ينبغي أن يعرفها الجميع" منشور في موقع sethsandler.com، تمت مراجعته في /7/201917
[2] كتاب Shawn Achor "ميزة السعادة" (2010)، رابط الكتاب في أمازون.
[3] مقال Melinda Beck "القلق يمكن أن يخرج الأفضل" منشور في wsj.com، تمت مراجعته في 17/7/2019.