يعتبر داء نيمان بيك (Niemann Pick Disease) من الأمراض النادرة والمعقدة التي قلّما يتم الحديث عنها خارج المجال الطبي، ولكن العالم العربي تعرف إلى هذا المرض بعد انتشار قصة الطفلتين السعوديتين ليان وراما الدخيل المصابتين بهذا المرض، وقد حصلت القصة على اهتمام وتعاطف كبيرين من جهات رسمية وشعبية، فماذا تعرف عن هذا المرض؟ في المقال التالي سنتحدث عن داء نيمان بيك، أعراضه وأسبابه والمشاكل الصحية التي يتسبب بها.


الأسئلة ذات علاقة


تعريف داء نيمان بيك

لمحة عامة حول مرض نيمان بيك
داء نيمان بيك (Niemann Pick Disease) هو مرض وراثي نادر يعرقل عمل الجسم على تحليل الدهون والكوليسترول داخل الخلايا، مما يؤدي إلى تعطيل عمل هذه الخلايا وموتها مع الزمن، يمكن أن يؤثر المرض على الدماغ والأعصاب والكبد والطحال ونقي العظم والرئتين.
أما من الناحية الطبية فيعتبر داء نيمان بيك هو مجموعة من الأمراض الوراثية التي تختلف بطبيعة الأعراض وشدتها، إذ يصنف على الشكل التالي:
• داء نيمان بيك من النمط A.
• داء نيمان بيك من النمط B.
• داء نيمان بيك من النمط C والذي أصبح يقسم إلى C1 وC2.
غالباً ما تظهر الأعراض في سن الطفولة ولكن المرض قد يبقى بدون أعراض لفترة طويلة، كما تعتمد شدة المرض واحتمال الوفاة على حالة الجهاز العصبي المركزي وجهاز التنفس بشكل خاص.
 


أسباب داء نيمان بيك

ما سبب حدوث مرض ليان الدخيل وأعراضه؟
- يحدث النمطان A و B
عندما لا تحتوي الخلايا على إنزيم يدعى باسم السفينغومايليناز الحامضي (Acid Sphingomyelinase) أو اختصاراً (ASM)، وهو مادة ضرورية لتفكيك مادة شحمية هي السفينغومايلين (Sphingomyelin)، والتي توجد في كل خلية حية من خلايا جسم الإنسان.
عند غياب إنزيم ASM أو حدوث خلل في عمله يتراكم السفينغومايلين داخل الخلايا ويصبح مادة سامة تخرب الخلايا وتعيق عمل أعضاء الجسم بشكل سليم، يمكن أن يحدث النمط A لدى الأشخاص من الجنسين ومن كافة الأعراق والمناطق حول العالم، ولكنه شائع بشكل خاص لدى شعوب شرق أوروبا وخاصة الأشكناز.
- يحدث النمط C عندما يفشل الجسم في تفكيك الكوليسترول وعدد من المركبات الدسمة الأخرى، ويؤدي ذلك إلى تراكم الكوليسترول في الكبد والطحال وارتفاع مستوى الشحوم في الدماغ، نعلم أيضاً أن هذا المرض يمكن أن يصيب الجميع ولكنه أكثر مشاهدة في منطقة بورتو ريكو وخاصة لدى المواطنين من أصول إسبانية (أو العرق اللاتيني بشكل عام).
- أما النمط C1 فهو نمط فرعي خاص من النمط C، وهو يؤثر على الآلية التي يتم بها نقل الكوليسترول بين خلايا الدماغ، لوحظ هذا المرض فقط لدى الكنديين في منطقة نوفا سكوتيا (Nova Scotia).
 

أعراض داء نيمان بيك

ما هي الأعراض والعلامات المترافقة مع مرض ليان الدخيل؟
تعتبر الأعراض المرتبطة بداء نيمان بيك متنوعة بشكل كبير، كما أن الكثير من الأمراض الأخرى المرتبطة بغياب إنزيمات أخرى يمكن أن تعطي أعراضاً مشابهة، يمكن في البداية أن تكون الأعراض قليلة وخفية لتتطور مع الزمن، أو حتى أن يكون الشخص مصاباً بالمرض من الناحية الوراثية دون أن يبدي أية أعراض.
عادة ما يبدأ النمط A بإعطاء أعراض في الأشهر الأولى من الحياة، ومن هذه الأعراض نذكر:
- انتفاخ منطقة البطن وتضخمها خلال الأشهر الستة الأولى للحياة.
- بقع حمراء شبيهة بحبات الكرز على شبكية العين.
- صعوبة في الإرضاع والتغذية.
- نقص في تطور الوظائف الحركية التي تتدهور تدريجياً مع الزمن.

عادة ما تكون أعراض النمط B مشابهة لما ذكرناه ولكنها أخف نسبياً، وتبدأ بالحدوث في عمر المدرسة أو حتى في المراهقة، يحدث تضخم البطن لدى الأطفال الصغار بشكل شائع، أما إصابة الدماغ والجهاز العصبي فتكون نادرة جداً، لذلك قلما نشاهد مشاكل في الوظائف الحركية لهؤلاء الأطفال، ولكن بعضهم يصابون بأعراض رئوية تظهر على شكل التهابات تنفسية متكررة قد تكون شديدة.

يصيب النمط C الأطفال بعمر المدرسة على وجه الخصوص، ولكنه يمكن أن يظهر في الطفولة المبكرة أو حتى بعد البلوغ، أما عن أعراضه فهي تشمل:
- مشاكل حركية تتجلى بصعوبة في تحريك الأطراف مما قد يؤدي إلى اضطراب المشية والتوازن أو عدم القدرة على المشي.
- تضخم الكبد والطحال مما يؤدي إلى كبر حجم البطن.
- اليرقان عند الولادة أو في وقت لاحق.
- صعوبات في التعلم وتراجع القدرات العقلية.
- نوبات صرعية.
- التلعثم واضطراب الكلام.
- نوبات من فقدان التقلص العضلي مما قد يؤدي إلى السقوط المفاجئ.
- خلل في حركة العينين.
 

تشخيص داء نيمان بيك

الاختبارات والإجراءات التشخيصية المستخدمة
ينتقل هذا المرض بصورة وراثية وهو بذلك قد يكون منتشراً في عائلات محددة وخاصة في حال انتشار زواج الأقارب، ويمكن أن يكون الشخص حاملاً للمرض في مورثاته بدون أعراض ليظهر الداء لدى أطفاله مثلاً، وفي هذه الحالة لا يمكن تشخيص المرض إلا بتحليل الحمض النووي (DNA) لكشف المورثات المرتبطة بالمرض.
عند الشك بوجود داء نيمان بيك من النمط A أو B يمكن إجراء تحليل للدم أو فحص لنقي العظم (Bone Marrow)، وهي الاختبارات الأساسية لكشف المرض (وتكون طبيعية لدى حملة المرض من غير المصابين)، أما النمط C فيمكن تشخيصه باستخدام خزعة نسيجية مأخوذة من الجلد يتم فحصها تحت المجهر ومراقبة عمليات نمو الخلايا وتخزينها للكوليسترول، كما يمكن إجراء اختبار الحمض النووي لكشف الحامل الصامت بالطبع.

ومن الاختبارات التشخيصية التي قد يحتاجها مريض نيمان بيك.
- رشافة نقي العظم (Bone Marrow Aspiration).
- فحص العين بجهاز يدعى المصباح الشقي (Slit Lamp) لكشف التغيرات النموذجية للمرض في الشبكية.
- خزعة الكبد في حالات خاصة.
- معايرة الإنزيم ASM لكشف مستواه في الجسم.
- تصوير الدماغ بالرنين المغناطيسي (MRI) لكشف بؤر الأذية الدماغية التي قد تكون مسؤولة عن بعض الأعراض.
 

علاج داء نيمان بيك

ما هي الإجراءات العلاجية المتبعة في هذا المرض؟
- النمط A:
لا يوجد علاج فعال في يومنا هذا للنمط A من المرض، وعادة ما تؤدي الإصابة إلى الوفاة في سن الثانية أو الثالثة.
- النمط B: هناك بعض العلاجات التجريبية المستخدمة هنا مثل زرع نقي العظم (Bone Marrow Transplant)، بالإضافة إلى العلاجات التجريبية الحديثة مثل العلاج المورثي، ومحاولة تعويض الإنزيم الناقص بشكل مباشر إلى الخلايا، ويكون العمر المتوقع جيداً مقارنة بالنمط A إذ يعيش المريض حتى عمر المراهقة أو البلوغ عادة.
- النمط C: يمكن استعمال دواء حديث يدعى (Miglustat)، والذي أظهر فعاليته في تحسين الأعراض العصبية ومنع تدهور الحالة العصبية للمرضى، ويعتمد العمر المتوقع للطفل على العمر الذي بدأت فيه الأعراض، فإذا ظهرت الأعراض في العام الأول من العمر تكون الوفاة متوقعة قبل الوصول إلى سن المدرسة، أما إذا بدأت الأعراض بالظهور في سن المدرسة فيمكن أن يصل الطفل إلى أواخر سن المراهقة أو حتى إلى العشرينات في بعض الحالات.
كما يمكن ضبط مستوى الكوليسترول إلى حد ما باتباع حمية صحية قليلة الشحوم وتناول الأدوية الخافضة للكوليسترول مع أن الدراسات لم تظهر دوراً لهذه الإجراءات في منع تدهور المرض أو تغيير الآلية التي تتعامل بها خلايا الجسم مع الكوليسترول.
 

قصة الطفلة ليان الدخيل مع نيمان بيك

ليان وراما الدخيل: قصة حزينة لطفلتين أثارتا مواقع التواصل الاجتماعي في صراعهما مع نيمان بيك
ليان الدخيل وشقيقتها راما طفلتان سعوديتان أصيبتا بداء نيمان بيك وانتشرت أخبارهما في العالم العربي بعد انتشار مقطع فيديو للطفلة ليان وهي تبكي وتشكو معاناتها مع المرض وتدهور حالتها بشكل مستمر إذ أصبحت بطنها كبيرة ومؤلمة، كما أنها لم تكن قادرة على التنفس بشكل طبيعي بدون دعم بالأكسجين.
بعد ذلك ظهرت القصة على عدة منصات إعلامية عربية مشهورة، وانطلقت عدة مبادرات لدعم ليان الدخيل التي ذهبت لتلقي العلاج في الولايات المتحدة الأميركية، وأطلقت مع والدتها مبادرة "أنا أستطيع" لتوعية الجميع بالأمراض النادرة المشابهة لمرض الطفلتين.
منذ أن بدأت قصة ليان بالانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي أصبح الكثيرون يتابعون أخبارها ويسألون عن صحتها بشكل يومي، وتكفلت والدة ليان السيدة (هدى الحربي) بهذا الأمر إذ كانت تنشر مستجدات وأخبار الطفلتين كل يوم، ثم انقطعت أخبار ليان لعدة أيام حتى يتبين أنها توفيت نتيجة نزف دماغي مفاجئ بتاريخ الثالث من ديسمبر/ كانون الأول.
ظهر خبر الوفاة على حساب والدة ليان على الأنستغرام، وتسابق الآلاف من الأصدقاء والمتابعين والمدونين السعوديين والعرب لتعزية والدة ليان بفقدان الطفلة التي عرفوها عبر مقاطع الفيديو والمنشورات اليومية، التي وثقت رحلة حياتها المليئة بالمصاعب والألم.
 

وفي الختام.. لم يبق لنا سوى أن نقدم أحر التعازي للسيدة الرائعة أم ليان ونحييها على صبرها وتحملها لهذه المصيبة، كما نذكر فضل السيدة هدى والطفلة الراحلة ليان في توعية المجتمع العربي بالكثير من الأمراض النادرة التي تمر أحياناً بدون تشخيص أو لا تلاقي الاهتمام الطبي اللازم في عالمنا العربي، بسبب عدم توفر مراكز مختصة بها.