مجموعة من القيم والمبادئ، أو المعايير والقوانين، وجهات نظر عامة وأمور متفق عليها؛ هي العناصر أو المكونات التي تتداخل وتتشابك في مجتمع ما وتظهر أخيراً بصيغة نهائية من الخصائص والصفات التي تمثل ثقافة هذا المجتمع أو ذاك، إذاً الثقافة بمعناها العام هي حالة معرفية ووظيفة تنظيمية وربما صورة عامة تميز مجتمع أو جماعة أو مجموعة من الأفراد.
وعند الحديث عن الأطفال وهم جزء من أي مجتمع وأحد مكوناته فلا نبالغ إذ نقول أن هؤلاء الأطفال يملكون ثقافتهم الخاصة والتي تختلف عن ثقافة مجتمعهم العامة ولو تأثرت بها، وثقافة الأطفال هذه لها مكوناتها وخصائصها وربما أفكارها وقوانينها الخاصة التي تنتشر بين أفراد هذه الثقافة وتنظم سلوكهم وتنتج أفكارهم وطموحاتهم وميولهم، ومن هذه النقطة بالذات تبدو ضرورة التعرف على هذه الثقافة والتعمق في أبعادها وآثارها في تنشئة الطفل وتربيته.
 


ذات صلة


معنى ومفهوم ثقافة الأطفال

ثقافة الأطفال لا تبعد من حيث معناها عن ثقافة أي مجتمع أو شريحة اجتماعية، وبما أن ثقافة المجتمع عموماً هي جملة من المعايير والقوانين أو القيم والمبادئ والأفكار بما تشتمل عليه من أساليب تفكير ووجهات نظر ومعارف وعادات وتقاليد بحيث تنصهر جميعاً في بوتقة واحدة لتكون هوية هذا المجتمع وتشكل صورته في شكلها النهائي؛ فإن ثقافة الأطفال بكل مضامينها ومكوناتها الخاصة تمارس نفس الوظيفة في صياغة الهوية الخاصة لمجتمع الأطفال والصيغة النهائية لشكله وصورته التي تميزه عن باقي فئات المجتمع الأخرى. 
 

ذات علاقة


مكونات وخصائص ثقافة الأطفال 

عند الرغبة في التعرف على الحالة المعرفية أو الثقافة في أي مجتمع وفهمها، فالخطوة الأولى في تحقيق هذه الرغبة هي التعرف على مضامين هذه الثقافة وما تشتمل عليه من مكونات وأفكار وأساليب خاصة في التعامل ووجهات نظر نحو مختلف المجالات، وكما جميع الثقافات فإن ثقافة الأطفال تحتوي على مكونات خاصة تميزها عن غيرها فمثلاً:

- مجموعة من الأدوات والطرق الخاصة: التي يستخدمها الأطفال في اللعب والتسلية والترفيه وهي تمثل المكون الرئيسي لثقافتهم مثل نوع الألعاب المنتشرة في كل مجتمع أو مكان يتواجد فيه الطفل كالمدرسة أو الحي أو العائلة والمنزل أو حتى الألعاب الالكترونية وأنواع الدمى المختلفة، حيث أن هذه الألعاب جميعها لها أنظمتها الخاصة وقوانينها أو مفرداتها وطرق معينة في تأديتها.

- الأشياء والشخصيات المشهورة في القصص والبرامج التلفزيونية المشهورة بين الأطفال: حيث أن هذه الأشياء تعتبر بعداً آخر من عالم الطفل وثقافته فهو يتعلم من هذه الأشياء ويتماهى مع شخصياتها أو يقلدها ويقتدي بها ومن هذه الشخصيات المحبب بالنسبة للأطفال مثل الشخصيات التي تتصف بالقوة والبطولة بالنسبة للأطفال الذكور والشخصيات الشهيرة بالجمال والرومانسية بالنسبة للأطفال الإناث كالأميرة النائمة، كما يوجد شخصيات أخرى تمثل حالة شريرة أو مدعاة للسخرية يستخدمها الأطفال في تشبيه بعضهم البعض فيها بدافع السخرية أو الشجار.

- مفردات لغوية ومصطلحات مجازية منتشرة بكثرة بين الأطفال: فالأطفال يطلقون تعابير مختلفة على الأشياء نفسها الموجودة لدى أفراد المجتمع كأنواع الأطعمة المفضلة بالنسبة لهم أو الطريقة التي يعبر من خلالها عن بعض حاجاته أو ألقاب يطلقها على والديه أو أخوته وطريقته في المدح أو توجيه الشتائم للآخرين الذين يشعر بالانزعاج منهم.

- رموز وتعابير خاصة: يتعلمها الطفل سواء من بيئته التي يعيش فيها أو من البرامج التلفزيونية والألعاب أو أقرانه ومدرسته وتمثل هذه الرموز لغة خاصة بالأطفال يتحدثون ويتعاملون مع بعضهم من خلالها.

- فنون وأدبيات خاصة: مثل الأغاني أو المقاطع الشعرية التي يحفظها الأطفال ويتلقوها من البرامج التلفزيونية الخاصة بالأطفال أو المدرسة.

- عادات وأساليب وسلوكيات خاصة: سواء في الطعام فبعض أنواع الأطعمة تعتبر مخصصة ومنتجة أساساً للأطفال كالحلويات على أنواعها المختلفة أو الشوكولا والسكاكر، وللأطفال طرق خاصة في تناول هذه الأطعمة وغيرها وأشياء مفضلة أكثر من غيرها وعادات وأساليب أخرى في التعبير عن جميع رغباتهم والأشياء المفضلة لديهم.

- معايير وقوانين خاصة تمثل ما يشبه نظام عرفي منتشر ومتبع بين الأطفال: ويستخدم الأطفال هذا النظام في حل مشاكلهم، ومعايير خاصة تفصل بين الحق والباطل في حكمهم على الأمور أو في بناء العلاقات وتفضيل الخيارات وتحديد ما هو صحيح وما هو خاطئ في تصرفاتهم أو تصرفات اقرانهم.

- ألقاب خاصة يطلقها الأطفال بين بعضهم: ويستخدم الأطفال هذه الألقاب سواء للإشارة إلى بعضهم أو إلى رغباتهم أو ما يريدون بقاءه سراً فيما بينهم، والجدير بالذكر أن هذه الإشارات والألقاب قد يفهما الأطفال الغرباء عن بعضهم حتى ولو كانوا في اللقاء الأول بينهم.

- طرق وأساليب خاصة في العلاقات الاجتماعية: فالأطفال لديهم اهتمامات مشتركة وأحاديث مشتركة وحتى أماكن وأساليب مشتركة للتعارف وبناء العلاقات.

- تقنيات وطرق خاصة في تقديم نفسهم والتعبير عنها: وهذه الطرق تنبع وتختلف بحسب ما يتعلمه الطفل من بيئته ومنزله ووالديه طريقته للتعبير عن النفس وذلك يتبع لما قد تعلمه عند والديه، ومن الاختلاف الطبيعي في المعارف والقدرات والرغبات بين الأطفال.

- بعض الأساطير والقصص الخيالية: والتي تختلف من مجتمع لآخر بحسب الهدف الذي وجدت من أجله والوظيفة التربوية التي تمارسها، والهدف الاجتماعي والثقافي من انتشارها
 

من أين تأتي ثقافة الأطفال وما هي مصادرها؟

العديد من العوامل والظروف تساهم في بناء ثقافة خاصة لدى الأطفال وصياغة شكل معين لمعارفهم واهتماماتهم وأساليب تعبيرهم أو أفكارهم ومعتقداتهم وأنماط سلوكهم، وتبعاً لهذه العوامل والظروف تختلف ثقافات الأطفال تبعاً لمعايير عدة كالمرحلة العمرية أو طبيعة تأثرها بمجتمع الكبار وثقافته وأحواله، ولتحديد هذه العوامل وفهم تلك الظروف تجب الإضاءة على المصادر التي تتكون منها ثقافة الأطفال وتتأثر بها:

- المنظومة الثقافية والمعرفية السائدة في المجتمع: فهذه المنظومة تعتبر المنهل والمنبع الأساسي لمعارف الطفل المبدئية والتي من خلالها يبدأ في بناء ثقافته الخاصة.

- المدرسة: فهي مؤسسة تتصف باعتمادها على قوانين وأنظمة وجملة من الأنشطة والمهام التي تساهم في تكوين ثقافة خاصة لدى التلاميذ. 

- وسائل الإعلام والبرامج التلفزيونية: وهي تعتبر من أكثر الوسائل تأثيراً في تشكيل ثقافة خاصة لدى الأطفال من خلال ما تعرضه من قصص أو برامج مسابقات وترفيه تشمل قوانين وشخصيات ومفردات خاصة يستخدمها الطفل في تكوين ثقافته.

- وسائل الاتصال والتواصل: التي تعد من المصادر الحديثة والتي تزداد انتشاراً واستخداماً في الوقت الراهن فهي جعلت الطفل يتعرف على عالم جديد يمكنه أن يتأثر ويؤثر به، فهذه الوسائل تعرض أفكاراً جديدة لم يسبق للطفل أن سمع بها كما تعطيه الفرصة للتعرف على أشياء وأشخاص جدد يمكنه التواصل معهم والاطلاع على أفكارهم وقيمهم واهتماماتهم، هذا بالإضافة للألعاب ووسائل الترفيه والتسلية، وكل هذا أعطى بعداً جديداً ومنبعاً غزيراً يمكن للطفل تطوير معارفه وثقافته من خلاله.

- الموروث الشعبي والاجتماعي: وما يحتويه من أساطير وقصص ملحمية أو عبر وأحداث تاريخيه تتناقلها الأجيال عبر الزمن للحفاظ على ما تحويه من عبر وأمثال وفلسفة اجتماعية، ويعلمها الآباء لأبنائهم والأجداد لأحفادهم بهدف تعليمهم دروس الحياة، وهذا المورث الثقافي الاجتماعي يعتبر جزء لا يتجزأ من ثقافة والأطفال وثقافة مجتمعهم. 

- فنون وآداب الأطفال: مثل الأغاني أو بعض القصص وأنواع الآدب التي تنتج خصيصاً وتوجه لمرحلة الطفولة في أهدافها.

- دروس ومواقف الحياة: فالطفل في كل يوم معرض لتجارب جديدة وأشياء وأفكار جديدة في المدرسة أو الحي مع الأصدقاء أو الغرباء، تعترضه مشاكل ويبني علاقات يتعرف على خبرات وأماكن جديدة وكل من هذه الأمور تضيف خبرة جديدة أو درس إضافي في معلومات ومعارف الطفل.

- اللعب والتسلية: حيث أن اللعب يعد المصدر الأول الذي يتعلم منه الطفل ويجرب كل ما يريده وهذا اللعب يعتبر عالماً للتجريب والاختبار وفضاءً واسعاً من القوانين والعادات والمفردات الثقافية الخاصة بمرحلة الطفولة والتي تعد من أهم المكونات الثقافية لهذه المرحلة.
 

توجيه ثقافة الأطفال

كيف يمكن استغلال ثقافة الأطفال في عملية التنشئة والتعليم
موضوع التربية وتنشئة الأطفال يعتبر من الأمور الجدلية الواسعة ومن المواضيع الهامة التي أفردت له الكثير من الأبحاث والنظريات، وتحدث عنه العديد من علماء النفس والتربية، وفي إطار هذا الاهتمام وهذه الغاية يمكن النظر إلى ثقافة الأطفال على أنها من أهم الأدوات التي تساعدنا في تربية أطفالنا وتنشئتهم بالطريقة التي نراها مناسبة لهم إذا ما أحسنا استخدامها والتأثير فيها، ويمكن تحقيق هذه الغاية عبر مجموعة من الخطوات:

- زرع قيم ومعايير الثقافة العامة للمجتمع: من خلال ما يعرف بثقافة الأطفال وبعض مكوناتها المرتبطة بمشاعر اللعب والتسلية والمحبة أو الأحلام والأمنيات وسعي الطفل لتحقيقها يمكن غرس معايير وقيم المجتمع الكبير بإيجاد الرابط المشترك الذي يتمتع بالقبول والرغبة مع ثقافة والأطفال.
فمثلاً عندما يرغب الطفل بتقليد شخصية أسطورية معينة يجب العمل على تعويم صفاتها الجيدة المناسبة للمجتمع والمرغوبة في سلوك الطفل وتحفيزه على تقليدها والاقتداء بها.

- تعلم الكلام واللغة وأساليب التعبير: فكون ثقافة الأطفال تحوي على مصطلحات ومفردات وتعابير خاصة والكثير من أنواع الفنون والآداب كالأغاني والقصص والحواديت، وكون هذه الفنون والآداب غالباً ما تكون مدروسة ومتقنة في إنتاجها وموجهة في معظم الأحيان فإن الطفل من خلالها سوف يتعلم الكثير من دروس الحياة وخبراتها وأهمها لغة التواصل الخاصة بمجتمعه والتي سوف يستخدمها بقية حياته، كما يتعلم الأطفال من خلال هذه اللغة أساليب التعبير عن رغباتهم وحاجاتهم أو آرائهم ووجهات نظرهم وأفكارهم.

- زيادة المدارك وتطوير المعارف والخبرات: فالفنون والآداب بأنواعها والمفردات الثقافية واللغوية الخاصة بالإضافة إلى القوانين والعادات وأساليب التفكير والتعبير المنتشرة في ثقافة الأطفال، تمثل منظومة فكرية متكاملة في أبعادها ويمكن استغلال هذه المنظومة ومكوناتها في شرح وتفسير نواحي ومجالات الحياة ومواقفها للأطفال كتشبيه الخلافات على اللعب والرغبات التي تحدث بين الأطفال بالخلافات والمشاكل التي تحصل بالأمور الجدية في الحياة وطريقة النظر إليها وحلها والتعامل معها. 

- تعليم الطفل العادات الجيدة: من خلال توسيع القوانين وأنظمة الضبط وتقدير السلوك الصحيح المنتشرة بين الأطفال وربطها بالنظام الاجتماعي القائم وما هو مقبول وجيد في هذا النظام من سلوكيات وما هو مرفوض وممنوع فيه.

ثقافة الأطفال أكثر من مجرد مجموعة من المفاهيم أو الألعاب وأنماط السلوك، وإنما هي بنية ومنظومة معرفية متكاملة ومتناسقة تمارس وظيفة حقيقية في تحديد الهوية الثقافية المستقلة لهؤلاء الأطفال والتي تميزهم كشريحة أو فئة اجتماعية منفردة ومستقلة عن باقي فئات المجتمع من حيث قيمها وأفكارها واهتماماتها ومعارفها، ومن هنا جاءت ضرورة الدخول والتعمق في هذه الثقافة بهدف دراستها وفهمها والتعرف على مكوناتها.