قلة التركيز وتشتت الانتباه مشكلة يومية يمكن أن تسيطر على حياتك الدراسية أو المهنية؛ لا سيما في ظل التطور التكنولوجي المتسارع وتعدد مصادر الخبر والمعلومات وانفتاح العالم ككل، فكيف تسيطر على عوامل الإلهاء من حولك؟ وما هي الطرق التي تساعدك على تحويل لحظات التشتت إلى حالة من تأمل الذات ووقت لابتكار الحلول الإبداعية لمختلف المشاكل؟ كيف تتحكم بقلة التركيز لصالح نموك وتطورك كفرد؟


الأسئلة ذات علاقة


نعيش عصر الإلهاء

التشتت والإلهاء ليس دوماً عدواً! 
يذكرنا المعلمون والباحثون والخبراء في مختلف المجالات؛ بعدم قدرتنا على التركيز، حيث يبدو أن التكنولوجيا تساهم في تراجع وتآكل الذاكرة البشرية، أو ربما خلق ضرر لا يمكن إصلاحه لأداء الدماغ، كذلك تقليص قدراتنا على القيام بعمل عميق ودقيق.. فإما أن تكون مركّزاً أو أنك تهدر وقتك.
هكذا يصور الكثيرون التشتت والإلهاء كوباء مدمر للبشرية، وعل كل حال فإن اهتمامنا المتناقص والتشتت الذي نعيشه ليس شيئاً جديداً في ظل التطور التكنولوجي، وما فعلته أجيال قبلنا؛ عندما دخلت الطباعة أو الراديو أو التلفزيون الفترات التي عاشوها، تجعلك تتوقف عن رؤية التشتت عدواً لك!
يقول الروائي البرازيلي باولو كويلو: "إذا كنت تعتقد أن المغامرة محفوفة بالمخاطر، فلتجرّب الروتين.. إنه قاتل"، والسعي للتركيز وتحسين الإنتاجية قد يكون عائقاً أمامك إذا تعاملت مع التكنولوجيا كعدو حقيقي يدفع لإلهائك، بل على العكس يمكن أن يساهم التشتت في تخفيف الألم كما وجدت دراسة حول ذلك، ومن المدهش الدور الذي لعبه الإلهاء في علاج حالات مثل القلق، لذا قد يكون التشتيت هو طريقة فعّالة لمكافحة الألم من دون الحاجة لأخذ المضادات الحيوية! لذا فالتكنولوجيا الحديثة يمكن أن تلهيك عن ألمك في الوقت الحاضر، كما يمكن أن تجعلك أقوى في المستقبل.
في المحصلة.. ما تتعرض له من تشتت لا يمكن أن يكون سلبي أو إيجابي، لكن هناك مجموعة متنوعة من العوامل، التي تؤثر على حياتك كفرد وعلى إنتاجيتك في العمل؛ من تفاعلات معقدة بين ما هو مطلوب إنجازه وطبيعة المهمة الأساسية التي تقوم بها ومدى ارتباط التشتت بها، هذا ما بينته دراسة نقدية حول تأثير التشتيت على الذاكرة والإدراك (الأداء المعرفي)، فعندما تكون المنبهات ملائمة لهدفك، فهي ليست تشتيتاً حقيقياً، وبالعكس عندما يتطلب التحفيز استجابات (أي أداء ثنائي المهمة).. سوف يشد انتباهك، كذلك يميل الأشخاص الذين يقومون بمهام صعبة إلى مقاومة التشويش أكثر من أولئك الذين يؤدون واجبات سهلة.
قد تكون التكنولوجيا سلبية لكنها ليست عدواً، كما تمتلك وسائل التواصل الاجتماعي نفس تأثير أكل البطاطا في التسبب بمرض الاكتئاب!.. لا نريد أن نهوّل الموضوع؛ حيث نمر خلال هذه المرحلة من الزمن بتغيير في المجتمعات العالمية، وما نشهده هو ردّ فعل على الثورة التكنولوجية بنوع من الهلع أو الذعر، وهذا ما يصرفنا جميعاً عن رؤية المعنى الحقيقي وراء هذا الإنجاز، إذ ننجر في التيار بطريقة عشوائية ونصبح مجرد مستهلكين لهذه التكنولوجيا، أو أن تزيد من تعقيدات مجتمعاتنا ومشكلاته غير المدبّرة بعد، أو نخاف ونرتبك ونؤمن بنظرية المؤامرة والعواقب الضارة والمربكة التي ستحملها إلينا!
التشويش ليس مشكلة! كذلك السبب في التشتت يمكن أن يضرّ أو يساعدك، فعندما يتعذر عليك العثور على الطريق المؤدي إلى التركيز، قد تستخدم الإلهاء كباب للتسويف، أو للهروب مما لا ترغب في مواجهته، بالتالي يصبح التشتيت؛ طريقة سهلة للهروب من التعامل مع الواقع.. والناس العاديين يحولون التشتت من الوضوح والهدوء إلى النسيان واللهو، بينما يلجأ العمليون والحكماء في فترات الإلهاء التي يمرون خلالها؛ إلى الإدراك الداخلي والتركيز، فهل تستخدم التشتت وعوامله للهروب أم للنمو لشخص؟


عقليتان للتعامل مع التشتيت
- الهروب من الواقع:
استخدام التشتيت لاستعادة القوة ومكافحة الألم هو شيء جيد، لكن العيش في حالة إنكار أمر مختلف تماماً؛ إذ لا تكمن المشكلة في تشغيل ألعاب الفيديو أو مشاهدة حلقة من مسلسل دراما في الحصول على المتعة.. لكن القيام بذلك لتجنب المسؤوليات أو القيام بمهمة هو المشكلة.
- النمو والتطور: يمكن أن يساعدك الإلهاء والتشتت على الاستعداد للتعامل مع المستقبل، حيث يمكنك تحويله إلى وقفة ذات مغزى بين المهام، لا سيما أن الغرق في العمل دائماً يمكن أن يكون ضارًا مثل الإزعاج المستمر، هذا ويحتاج دماغك مثل جسدك إلى الراحة من وقت لآخر، ويمكن أن يساعدك ترك تفكيرك "للا شيء".. في إطلاق العنان للإبداع واكتشاف أشياء جديدة، مع ذلك لا تؤثر جميع أشكال الإلهاء على الأشخاص بالتساوي.
 

ذات علاقة


أنواع الإلهاء

التركيز والتحكم يحدد تأثير تشتت الانتباه
التحكم هو اختيار هادف لأن يتشتت انتباهك أو أن تكون مركّزاً، بينما التركيز هو القدرة على مواصلة الاهتمام بمهمتك الأساسية، بغض النظر عن الانقطاعات التي يسببها الإلهاء والتشتت، الذي يتضمن أربعة أنواع رئيسية وهي:
1- تشتيت الانتباه المقصود: إما أن تكون بحاجة إلى استراحة أو ترغب في تجنب الألم مؤقتاً (الدراسات أثبتت دور التشتيت في تخفيف الألم)؛ أو أي شيء يزعجك.. لذا عليك أن تشتت انتباهك، فلديك سبب واضح لكونك "تهرب" من المسؤولية، لا ينبغي أن تشعر بالضيق عند مشاهدة فيلماً أو دراما أو قضاء الوقت في تصفح وسائل التواصل الاجتماعي.. إذا كان بإمكانك الاحتفاظ بهذه السلوكيات تحت السيطرة، لكن المشكلة هي القيام بذلك بشكل إلزامي أو من دون تحكّم.
2- الغرق في التركيز: وهل هذا نوع من أنواع تشتت الانتباه؟!.. نعم قد تتسأل (ويتعلق مباشرة بنوع تشتت الانتباه الثالث).. فهذا يحدث عندما يكون لديك شيء يجب عليك (أو تريد) التركيز عليه، فأنت تتحكم.. توجه انتباهك إلى الشيء الصحيح في الوقت المناسب، مثلاً إذا كنت تحضر اجتماعاً، فإنك تصمت أو تترك خارج غرفة الاجتماعات كل أجهزة الهاتف النقال، بدلاً من أن يتم تشتيتك بعيداً عن طريق الإشعارات، بحيث تتخلص مسبقاً من كل الإلهاء المحتمل، بالتالي يمكنك إنشاء مساحة لعمل شيء واحد في ذلك الوقت.
3- الخروج عن المسار: عندما تركز انتباهك على الشيء الخطأ، بحيث يمكن أن يحدث ذلك إما لأنه يتم سحب انتباهك دون أن تدرك أو لأنك تهرب من الواقع (لا يمكنك أو لا تريد؛ التركيز على هنا والآن)، يشبه الأمر التحقق من إشعارات هاتفك وحساباتك على صفحات التواصل الاجتماعي؛ عندما يقدم أحد زملائك فكرة جديدة إلى الفريق، بالتالي لا تملك السيطرة على انتباهك.. بل تركز على الشيء الخطأ.
4- خارج النطاق: هذا ما تشير إليه معظم التحذيرات عندما تتحدث عن عصر الإلهاء؛ يريدون منا أن نعتقد أن التكنولوجيا تجعل الجميع خارج المنطقة... ويطلق البوذيون على هذه الحالة اسم: "عقل القرد"، بحيث تقفز من فكرة إلى أخرى بشكل عشوائي، ليس فقط أنك لا تتحكم في اهتمامك، لكن لا يمكنك التركيز على أي شيء لأكثر من ثانية، بحيث يتغذى "العقل القرد" على المنبهات.. يقفز من فرع إلى فرع (من فكرة إلى فكرة).. مثلاً الانتقال من تطبيق إلى آخر دون أن تلاحظ أياً من التطبيقات التي تبحث عنها في وقت محدد، بحيث تدور في ذهنك الكثير من الأشياء؛ لدرجة أن اهتمامك ليس في أي مكان، بالتالي تصبح فريسة للقلق وتعدد المهام غير المجدية والتفكير العشوائي.
 

التشتت باب الإبداع

دع عقلك يتخبّط... فأنت تبدع!
نعم.. ودعنا نوصّف الحالة بأنه لا يمكنك إسكات عقلك القرد عن طريق قمعه؛ عليك ترويضه أولاً!.. بحيث يعني الخروج عن النطاق (النوع الأكثر خطورة من تشتت الانتباه)؛ أنك تقفز من شيء إلى آخر لأنك لا تستطيع التركيز، شرود التفكير وطواف العقل يمكّنه من التحرك بلا هدف دون التركيز على أي شيء وبخاصة أنك لا تتعمد الهروب من الواقع مثلاً، بل تفتح الباب أمام أشياء جديدة لتحدث.. لكن عندما تتبنى طواف العقل إياه وعن قصد؛ يمكنك تحويل هذا التشتت إلى باب للإبداع! كيف؟
من خلال تدريب عقلك للتخلي عن السيطرة ورفض الهروب من الواقع من خلال:
- التوقف قليلاً عما تفعل والتأمل.
- إعادة ضبط تفكيرك ومحاولة استمداد الطاقة عن طريق التنفس بعمق.
- إلهام نفسك...


فقد كشفت دراسة كيف يرتبط تطواف العقل وشرود التفكير وتجول الذهن؛ بالمعرفة الإدراكية للعقل الباطن، التي تنطوي عليها الذاكرة العاملة والقدرة على التحكم أيضاً، فتجول العقل ليس دائماً شيئاً سيئاً، ولا تفكر به كما أفعل الآن حيث أركز على موضوع هذا المقال وأعمل بجد مع قليل من التشتت خلال الاستماع لبعض الموسيقى، ثم يقفز تفكيري إلى ضرورة وضع قائمة المشتريات من الماركت غداً بعد الظهر!!.. قد ألوم نفسي لكن ما يقوم به العقل الباطن وفق هذه الدراسة؛ "هو أمر طبيعي وليس خطير أبداً"، حيث أكد الباحثون الذين أخضعوا ظاهرة التجول الذهني أثناء أداء المهمات للتدقيق العلمي؛ بأن المهام البسيطة التي تسمح للذهن بالتجول قد "تزيد من قدرتك على حل المشكلات بطريقة إبداعية".
على العموم.. يقترح علماء الأعصاب: "أن فن التأمل الذاتي (الذي قد يطول أمده من التجوال الذهني إلى التفكير المركّز)؛ هو جزء ذو قيمة متزايدة في عيش الحياة".. فعندما تسمح لعقلك بالراحة أو تدع ذهنك يتجول بحرية.. يمكن أن تحدث أشياء عظيمة!... فاسمح "لعقل القرد" في رأسك أن يتحدث بحرية، وكن صبوراً حيث سوف يستغرق الأمر بعض الوقت لتحويل تشتت الانتباه.. إلى أفضل أصدقائك.. من خلال بعض الحيل التي سنتحدث عنها تالياً.
 

اشرد وابدع

طرق تحويل تشتت الانتباه إلى فرص للإبداع
- شتت انتباهك عن قصد:
بدلا من مقاومة تجول الذهن وطواف العقل، قم بتهيئة الظروف المناسبة بتجريب طرق جديدة، مثلاً: تمشى في محيطك بدون اتجاه واضح أو عطّل روتين حياتك اليومي، أو دع صديقك أو شريك حياتك يقود بك السيارة إلى حيث لا تعلم، بالتالي ومن خلال تجوالك على غير هدى جسدياً، يمكنك إطلاق العنان لعقلك الباطني أيضاً.
- عطّل أفكارك: يستخدم العلاج السلوكي المعرفي تقنية الإبطال (حرفياً.. هو نزع الفتيل إذا شبهنا العقل بقنبلة موقوتة بالأفكار)؛ ليصبح مدركاً لأفكارنا بالتالي ترويضها، ومن خلال فهم الأفكار التي تجعل عقولنا مشغولة أو مشوشة؛ من السهل علينا استعادة السيطرة والتحكم، يحتاج ذلك إلى النظر في أفكارك بدلاً من الانغماس في هذه الأفكار، بالتالي مراقبة الأفكار بدلاً من الوقوع في فخها وسيطرتها على ذهنك، كذلك ترك الأفكار تأتي وتذهب بدلاً من التمسك بها... يقول الكاتب الأميركي الراحل مارك توين: "اسحب أفكارك بعيداً عن مشاكلك... من الأذنين، من كعب القدمين، أو بأي طريقة أخرى يمكنك التحكم بها"..
- التأمل: لترويض قردك الداخلي، عليك أن تواجهه أولاً، حيث يوفر التأمل بعض الوقت الهادئ للاستماع إلى ما يدور في داخلك، وتكوين الخبرة وفهم عقلك المتجول، بحيث يمكنك التأمل لبضع ثوان فقط وليس عليك خلالها.. إعاقة وحجز أفكارك وعواطفك فأنت بحاجة إليها.
- أخذ قيلولة: النوم هو الوسيلة الأكثر فعالية لتطلق عقلك الباطني، فهذه العادة لا تساعد على الراحة بل تسمح أيضاً للعصائر الإبداعية بالتدفق وبحرية.
- النزهات والسير على الأقدام: كثيراً ما تحدثنا عن فعالية المشي وأهميته في الكثير من الأمور المتعلقة بتحسين المزاج أو العلاقة مع الشريك، كما أنه طريقة فعالة وحيلة لتدريب العقل على التفكير الخلاق، كذلك يعد المشي وسيلة فعالة لتعزيز وتحسين الإنتاجية... (التي سنتحدث عنها في مقال مفصّل).


في الختام.. جرّب كل الطرق التي تحدثنا عنها أعلاه في محاولة السيطرة على ذهنك عندما تدخل منطقة تشتت الانتباه أو الشرود أو تتعرض لعوامل الإلهاء المختلفة من حولك، حاول التعرف على نفسك أكثر في كل مرة يطوف ذهنك على غير هدى، فهذا العقل نقمة لو سيطرت عليه حالات القلق بسبب التشتت الذي يسم عصرنا الحالي، كما أنه نعمة عندما تعرف أنت كيف تسيطر عليه، وقوة التركيز لا تُضاهى عندما تنبع عن سابق إصرار منك، شاركنا رأيك من خلال التعليق على هذا المقال.