قليل منا.. إذا كنا صادقين يعترف بالتسويف في بعض الأحيان، فحياتنا مشغولة مع الكثير من الأولويات المتنافسة، لذلك من الطبيعي أن نؤجل عمل الأشياء التي نعرف أنها ستأخذ أكثر من حصتها العادلة من الطاقة الجسدية أو العاطفية أو الفكرية، لكن هناك أوقات تكون فيها المماطلة أكثر بكثير من مجرد موازنة أولويات، وهي أوقات يكون فيها الوهن صريحاً، كما يمكن أن تؤثر بشكل خطير على حياتنا المهنية وعلاقاتنا ونوعية حياتنا بطرق نعرف أنها غير صحية، ومثل الكثير من الأشياء التي نقوم بها؛ المماطلة عادة نقع فيه ونناضل من أجل التخلص منها، فما هي الحقيقة وراء قاعدة الثواني الخمس التي تخلصنا من التسويف؟


ذات صلة


أسباب المماطلة

أنت فقط لا تستطيع فعل ما يجب عليك فعله!
أسوأ ما في الأمر هو أنك عندما تكون واقعاً في خضم المماطلة، تشعر كأنك أمام جدار ورقي؛ تعرف أنه بإمكانك ويجب عليك اختراقه... لكن لا شيء يبدو مفيداً، وما يفاقم تأثير التسويف.. هو أننا لا نشعر بالضيق من أننا تجنبنا ما كنا نحتاج إليه فقط، لكننا ننفق بقية اليوم على تأنيب أنفسنا لأننا لم نفعل شيئاً.. فلماذا نسوّف؟
المشكلة هي أننا لا نفهم المماطلة! فأنت قد تعتبرها نتيجة لكونك كسول أو لأن أخلاقيات عملك وبيئته سيئة أو حتى بسبب عدم كفاءتك؛ كل هذه الطرق السلبية التي نسميها تقوم فقط بتغذية إحباطنا، وكل هذه الكراهية للذات تنتقل في النهاية إلى قناعاتنا الداخلية انطلاقاً من: "لا أريد أن أفعل ذلك" حتى تصل إلى: "أنا لا أستطيع فعل ذلك!".
وهذا غير صحيح.. لأن التسويف ليس انعكاسا لموقفك، أو أخلاقيات العمل، أو الكفاءة؛ التسويف هو في الواقع سلوك يهدف إلى مساعدتنا على التعامل مع الإجهاد، كل ما نؤجله مرتبط بشيء يجعلنا متوترين ومجهدين، بطبيعة الحال، إذا كنت مُرهقاً.. فأنت تريد الهروب من الضغط، لذا تفعل ما هو معقول، فأنت تحاول أن تتجنب الإجهاد وأن تسعى بدلاً من ذلك إلى الحصول على رضا على المدى القريب، أو على الأقل هو إلهاء وملجأ من الإجهاد.. بالمحصلة المماطلة والتسويف، هي لحظات تجعلك تشعر بأنك جيد لتجنب الإجهاد.
 

التسويف والمماطلة آلية للتكيف!
سواء كان الأمر متعلق بشيء نحتاج إلى القيام به؛ من أجل العمل أو العلاقة أو صحتنا، فالتسويف هو في الأساس آلية للتكيف، وفي الواقع إنه آلية للبقاء، حيث تطور أجدادنا في بيئة كان الإجهاد فيها مثل الرادار؛ مما يساعد على تجنب تلك الأشياء التي من المرجح أن تهدد بقاءنا على قيد الحياة، ولا تستغرب لو عرفت أن الرسوم على جدران الكهوف وهذا الفن الراقي (وهو من أولى فنون البشر)؛ كان نتيجة للمماطلة في الحصول على الطعام خوفاً من الوحوش القابعة خارج الكهف!
هذا ليس مختلف تماماً عما تفعله اليوم عندما تنتقل إلى مواقع التواصل الاجتماعي (Facebook) أو (YouTube)، إنها الطريقة التي تهرب خلالها من سبب الإجهاد، هنا يكمن الجوهر بأن ما نتجنبه ليس المهمة بحد ذاتها، بل التأكيد على أننا نربطها بالمهمة.
بطبيعة الحال.. فإن معرفة كل ذلك توفر وسيلة قوية لتعليق الحكم السلبي على نفسك عند المماطلة، بدلاً من ذلك ركز على السبب الذي يجعلك تؤجل القيام بفعل ما؛ فهل التوتر ناتج عن تهديد حقيقي أو تهديد محتمل؟ ما هو السيناريو الأسوأ الذي تخشاه؟ إن هذا النوع من الصدق هو خطوة أولى، وهي مفيدة في تطوير الوعي الذاتي حول سبب محاولتك المماطلة، لكنك قد تقضي الآن الساعات أو الأيام القليلة القادمة في محاولة لكشف هذه الأسئلة وأنت تتساءل بشأن معالجة تسويفك!
 

ذات علاقة


قاعدة الخمس ثواني

كيف تعمل قاعدة الخمس ثواني؟
ما يُسمى قاعدة الخمس ثواني، بسيطة ومباشرة بشكل لا يصدق، ولا يمكنك رفضها لأنها ليست معقدة، وما تحتاجه هو طريقة للتخفيف من الضغط، وليس إضافة طبقات إليه.. وإليك كيف يعمل وفقاً لميل روبنز (Mel Robbins) مؤلفة كتاب قاعدة الخمس ثواني: "قاعدة الخمس ثواني بسيطة؛ إذا كان لديك غريزة للتصرف بهدف معين؛ (يجب أن تتحرك جسدياً في غضون 5 ثوانٍ وإلا سيقتلك عقلك!)، وفي اللحظة التي تشعر فيها غريزياً أو بدافع الرغبة بالعمل على هدف أو التزام ما، استخدم هذه القاعدة"، وتتابع روبنز: "عندما تشعر بأنك متردد قبل القيام بشيء تعرف أنه يجب عليك فعله؛ قمّ بالعد (5-4-3-2-1) وانطلق نحو الفعل".

هناك نافذة موجودة بين اللحظة التي لديك فيها دافع للعمل أو غريزة للتغيير وعقلك يقوم بقتلها، وهي ذاتها نافذة الـ (5 ثواني) التي تفصل ما بين تفكيرك والفعل.. وهي موجودة لدى الجميع، وإذا لم تتخذ إجراءً للتغيير والفعل؛ ستبقى راكداً ولن تغير شيئاً، لكن إذا قمت بشيء بسيط، يمكنك منع عقلك من العمل ضدك، يمكنك أن تبدأ زخم الفعل؛ قبل أن يضربك وابلٌ من الأفكار والأعذار بكل قوة (مماطلة وتسويف).
الأمر المذهل في هذا النوع من القرار الذي يعتمد على الاندفاع، هو أنه متجذر في بعض العلوم حول كيفية اتخاذنا للقرارات، حيث أن اتخاذنا للقرار العاطفي لا يقل أهمية عن اتخاذنا لقراراتنا العقلانية والتحليلية، في الواقع إذا كان ذلك الجزء من دماغك مخصص للتفاعل مع عواطف العقاب والمكافأة؛ فسوف تتعثر حتى في اتخاذ أبسط القرارات.

إن القرارات التي لا تحتاج إلى التعمق في التفكير، مثل القفز في الماء لإنقاذ طفل يغرق؛ مدفوعة في الواقع بجزء التفكير السريع جداً من الدماغ، ولا يمكن أن يكون عملية صنع قرار بطيئة وغير فعالة.
وربطاً بالمماطلة التي نحاول علاجها؛ هو أنك تحتاج إلى تنشيط ذلك الجزء من دماغك، وهنا يأتي دور (قاعدة الخمس ثواني)..
 

كيف تنفذ قاعدة الخمس ثواني؟

مجرد البدء في العد العكسي: (5-4-3-2-1)؛ سيركز العد على الهدف أو الالتزام ويصرفك عن المخاوف والأفكار والمبررات في ذهنك، وبمجرد الوصول إلى الرقم (1) ادفع نفسك للتحرك، هذه هي الطريقة التي تدفع نفسك من خلالها للقيام بالأشياء الصعبة (العمل الذي لا تشعر برغبة به، أو أنك تخاف من القيام به، أو أنك تتجنبه)، فإذا كنت لا تتصرف بغريزة ضمن هذه النافذة التي تبلغ مدتها خمس ثوانٍ؛ بطبيعة الحال.. أنت لن تفعل شيء، والآن سنشرح وفق ميل روبنز العناصر التي تعتمد عليها هذه القاعدة وكل منها مهم وهو موجود لديك:

أولاً: اللحظة التي تمتلك فيها إحساساً غريزياً؛ لضرورة القيام بالفعل: الغريزة ليست قراراً متسرعاً لا رجعة فيه، وليست سلوكاً مدمراً أو غير قانوني أو ضار، وتعرّف روبنز الغريزة: "إنها كأي حافز أو دافع أو معرفة، أنه يجب عليك أو لا يجب أن تفعل شيئاً ما، لأنك تشعر به في قلبك ومن أمعائك"! هذه هي غرائز القلب.. إنها لحظات عندما يتحدث قلبك إليك، "لدينا جميعاً علامتنا الفريدة من الحكمة" وفق روبنز، التي تتكون من تجاربنا الغنية وحدسنا وجيناتنا، في تلك اللحظات الصغيرة التي مدتها خمس ثوان، تتصادم هذه الحكمة في داخلك، وغرائزك هي هذه الحوافز من الحكمة، إنها تعلم أنه يجب عليك أن تفعل شيئاً حتى إذا كنت "لا تشعر" بأنه عليك القيام به!

ثانياً: العمل على تحقيق هدف: الأمر لا يتعلق فقط بالتصرف وفق أي غريزة لديك، بل هي غريزة مرتبطة بهدف ما، على سبيل المثال: قد يكون لديك غريزة للخروج من المنزل والذهاب للركض أو ممارسة الرياضة، في هذه الحالة إذا كنت تتصرف وفق هذه الغريزة؛ فإنك تقرب نفسك خطوة واحدة من حلمك لإنقاص وزنك، ويعتقد الكثير من الناس أن الغرائز غبية ولا معنى لها! وهذا غير صحيح... فقد أظهرت العديد من الأبحاث أن الجهاز الهضمي لدينا هو "دماغنا الثاني"، فهل شعرت في أي وقت مضى أن أمعائك تخبرك ما يجب القيام به؟! إذ نحصل على هذه "المشاعر الغريزية"؛ عندما تحاول قلوبنا وعقولنا أن تخبرنا بشيء ما، حيث عادة ما ترتبط هذه الدوافع الهضمية بأهداف أكبر، فمن السهل عليك سرد ما تريد.. (وظيفة رائعة- أن تكون مرتاح مادياً- أن نكون بصحة جيدة- سعيداً- ولديك أشخاص رائعين في حياتك)، فإذا كان لديك غريزة للاتصال بصديق، عليك القيام بذلك.. أنت تعرف بالفعل مقدار ما تحمله لأصدقائك، وعندما تحصل على هذا الشعور الغريزي للتحدث في اجتماع؛ يجب عليك التصرف حيال ذلك، وينطبق نفس الشيء على أي غريزة مرتبطة بهدف ما، تقول ميل روبنز وهي أيضاً محامية وسيدة أعمال و خبير في التغيير وصنع القرار بالنسبة للعلامات التجارية الرائدة في العالم: "لقد وجدت أن معرفة مكان البدء من هدف أمر صعب، حيث يكتب الناس لي طوال الوقت، ويسألوني كيف يمكنهم الحصول على الشكل الجميل، أو كيف يصبحون أكثر سعادة، أو يحصلون على وظيفة أحلامهم، هل تعرف ما الذي يمكنهم فعله؟ أولاً: البدء بتحديد تلك الغرائز الهضمية التي ستقودهم نحو هدفهم"، وتتابع روبنز: "سوف تبدأ في ملاحظة المشاعر تنبعث من معدتك (شخصياً أمرّ بهذه المشاعر  مع كل خطوة تحتاج مني لقرار)، تلك المشاعر المتعلقة بهذه الأهداف على مدار اليوم، ولكن.. كيف تتصرف حيالها؟"، هذا ما يقودنا العنصر التالي.

ثالثاً: عليك أن تحفز نفسك: يجب عليك دفع نفسك بنفسك، حيث تدور القاعدة حول دفع نفسك حتى عندما لا ترغب في ذلك، إنها تتعلق بالتحكم في حياتك؛ دفعة واحدة في كل مرة، هذا لن يكون سهلاً. فأنت مرتاح بأن تفعل نفس الشيء القديم الذي تفعله دائماً، حتى إذا كنت تريد تغيير حياتك! فاللحظة تأتي.. تشعر بالغريزة وأنت تعرف أنها مرتبطة بهدف ما، الآن.. إنها نافذة من الفرص، وعقلك يريد أن يغلق هذه الرغبة الغريزية، وسوف يفعل ذلك... لكن... في هذه اللحظة يمكنك السيطرة، فأنت تعرف ما عليك فعله، كما تعلم أنك تريد تغيير حياتك والتحرك نحو أهدافك، والقاعدة بسيطة.. لكنها غير سهلة، ومن الصعب تحفيز نفسك، لكن إذا كنت تريد التغيير، فهذا شيء يجب عليك فعله، فتصبح قاعدة الخمس ثواني سهلة، وبمجرد بدء العد التنازلي (5 - 4 - 3 - 2 – 1).. فإنك تحفز نفسك وتبدأ، وعلم الأعصاب الذي فسر هذه القاعدة يشرح السبب؛ في أن الحركة الجسدية أثناء العد التنازلي، تعمل على تنشيط قشرة الدماغ الأمامية، وهذا يقودنا إلى العنصر الرابع.

رابعاً: التحرك خلال خمس ثواني: الحركة البدنية هي المفتاح، لكن هذا لا يعني أنك يجب أن تقفز وتبدأ في عمل حركات بهلوانية! لكن كل ما عليك القيام به هو التحرك باتجاه غريزتك، لأنك إذا لم تتخذ أي إجراء بدني في غضون 5 ثوان؛ فإن عقلك سيقتل الغريزة، قم بالعد التنازلي.. ثم اذهب.. اتخذ إجراء، هذا يمكن أن يعني عدداً من الأشياء، يعني قول شيء ما كنت تمنعه، مثلاً (التحدث في اجتماع عمل، البدء بتناول وجبات صحية، إمساك لسانك بدلا من قول شيء جارح لشريكة حياتك، إرسال البريد الإلكتروني لعمل محتمل).. أي شيء مرتبط بهدفك، وهذه النافذة من الخمس ثوانٍ؛ كما تسميها روبنز: "هي اللحظات الحاسمة بين تغيير حياتك وعقلك الذي يوقفك"، وقد تفكر: "لماذا 5 ثوان؟ لماذا ليست 3 أو 7 أو 17؟".. الجواب هو 5 ثوان هي قاعدة أساسية، يمكن أن تعمل من أجل الجميع، فكلما طال الانتظار بين غريزيك الأولية للعمل والتحرك جسدياً، كلما كان من الصعب عليك أن تتحرك، فإذا كنت تستطيع أن تفعل ذلك في 3 ثوان.. فافعل ذلك! وثانيتين... هذا أفضل، بالنتيجة اعتمد أقل وقت ممكن قبل الانتقال إلى الفعل، وتذكر أن النظام داخل دماغك الذي يقتل أحلامك يعمل بسرعة فائقة، وهو ما يقودنا إلى العنصر الخامس الأخير من القاعدة.

خامساً: عقلك سوف يقتلها: إذا لم تتحرك جسدياً خلال 5 ثوان، فستدمر أحلامك، أنت تعلم أن عقلك لديه 3 وظائف أساسية: (يروي حياتك كما كنت تعيشها ويحفّز ذكرياتك-  يجعل وظائف جسمك تعمل- ويحميك من الخطر)، إنه مثل والد غير منطقي وغير عقلاني، وأنت تعتقد أنه يُشعرك بالأمان في حين أنه يمنعك من النمو كشخص مستقل، ويمتد ذلك إلى عملك، وتجربة حياتك كاملة، عندما تتوقف وتفكر، وعندما تتردد، وعندما تشعر بعدم اليقين؛ فإنك تشير إلى عقلك بأن هناك خطأ ما، ودماغك يقوم تلقائيا في الاستجابة لحمايتك، من خلال منعك من فعل أي شيء يبدو مخيفاً أو صعباً أو غير مؤكد أو مألوف، أنت تعلم أنه لا يوجد شيء خطير عند إجراء مكالمة أو المشي أو السعي لتحقيق أحلامك؛ لكن دماغك لا يعرف ذلك ويحاول تخريبه، وقاعدة الخمس ثواني هي طريقة لإفشال دماغك عن طريق تغيير التردد من خلال الفعل.

في النهاية.. قبل أن تشك في هذه القاعدة.. جربها، إنها أداة تخلق تغييراً كبيراً.. وتضيف من خلال عناصرها متعة من نوع ما لحياتك، ثم أن قاعدة الخمس ثواني ليست دواء لكل داء.. لكن الإدراك البسيط بأن التسويف هو استجابة طبيعية وصالحة للإجهاد، وأنك على بعد خمس ثوانٍ فقط من اتخاذ قرار؛ يمكن أن تكون قفزة هائلة نحو التحرر من التسويف.