ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بجدل مشتعل حول عرض مسلسل "جِنّ" الذي أنتجته شركة نت فليكس الأمريكية كمحاولة أولى لدخول السوق العربية باللغة العربية وبممثلين عرب بعد تصويره في الأردن كإنتاج أصلي للشركة.
لكن على ما يبدو لم تلقَ هذه التجربة استحسان الجمهور المستهدف (العرب)، حيث لاقت رفضاً كبيراً لكثرة ما احتوى عليه مسلسل جِنّ من شتائم وألفاظ خارجة ومشاهد حميمة ولقطات ساخنة!، فضلاً عن التباين الكبير بين واقع المجتمع الأردني والبيئة الطلابية في الأردن وبين المجتمع الذي خلقته شركة نت فليكس في مسلسل "جن".
 


ذات صلة


تسويق مسلسل "جن" الأمريكي الأردني

العديد من متابعي إنتاجات شركة نتفليكس الأمريكية في العالم العربي كانوا بانتظار خروج مسلسل جن الأمريكي الأردني إلى النور، فهو الإنتاج الأول للشركة باللغة العربية وبواسطة ممثلين محليين وفي دولة عربية... لكن هذا كل ما هو عربي في المسلسل، حيث كانت الصورة التي ظهر عليها المسلسل متباينة إلى حد بعيد مع طبيعة وثقافة المجتمع الأردني، ما نتج عنه جدل واسع بعد عرض أول حلقتين من المسلسل، وسنتناول المغالطات التي وقع بها مسلسل جن من نتفليكس بعد أن نتعرف إلى القصة باختصار كما نستعرض ردود الفعل المختلفة على "جِنّ".

الإعلان التشوقي لمسلسل جِنّ

 

ذات علاقة


قصة مسلسل جن

قصة مسلسل جن أول إنتاج عربي لنتفليكس

بيحكو من لما الإنسان طرد الجن؛ والجن بيحلم باليوم اللي بيرجع فيه يستولي على الأرض، وعلى مر الزمن في كتير من الجن اللي قدروا يتحدوا مع البشر ويحكوا معهم، بس بنفس الوقت في كتير منهم بيحاولوا يدمروا البشر وكل طريقة حياتهم!".

يبدأ مسلسل جن الأمريكي الأردني بهذه الجمل، في رحلة مدرسية لمجموعة من الطلاب الأردنيين إلى مدينة البترا المشهورة بظهور الجن فيها ليلاً حسب زعم المسلسل، ويتخلل الدقائق الأولى للمسلسل بضع شتائم وألفاظ سوقية لن تبدو غريبة فيما بعد عن لغة أبطال العمل.
بقصة بسيطة يستعرض المسلسل على مدى خمس حلقات حالة ظهور الجن بين الطلاب، حيث يسقط أحد الطلاب من مرتفع بطريقة غامضة ويموت، ثم يظهر "كيروس كخيان" الجني الخيِّر للطالبة ميرا ليخبرها أن جميع أصدقائها بخطر، وتظهر "فيرا" الجنية الشريرة لتتقرب من الطالب ياسين، وتبدأ الأحداث بالتفاعل مع اكتشاف ميرا لعالم الجن ومحاولتها التصدي للخطر.
 

ردود الأفعال على مسلسل جن

تمحورت ردود الأفعال على مسلسل جن بشكل أساسي حول كمية الشتائم والألفاظ الخارجة التي احتواها، إضافة إلى بعض المشاهد التي تعتبر ساخنة وإباحية بمعايير المجتمع العربي، كما انتقد البعض استسهال الشركة دخول السوق العربية من باب الشتائم والإباحية وكأنها تتعامل مع مشاهد ساذج!.

فيما تداولت بعض المواقع الإلكترونية صورة لبيان رابطة علماء الأردن التي اعتبرت الألفاظ والمشاهد المسيئة في المسلسل مرفوضة تماماً ووضعتها في سياق المؤامرة على المجتمع الأردني والإسلامي، واعتبرت ردود الفعل الرافضة والمستنكرة دليلاً على رسوخ القيم الدينية والأخلاقية في المجتمع:

 

من جهتها ردت نتفليكس عبر حسابها على تويتر واضعة الجدل حول المسلسل في خانة التنمر المرفوض وتوعدت المتنمرين بعدم التهاون:

بين التسويق والمؤامرة ما هو هدف "مسلسل جن"؟

الشركة الأمريكية التي استعانت بمجموعة من الممثلين الأردنيين الشباب غير المعروفين جماهيرياً -وهذه ليست نقطة ضعف- لم تضع الاختلافات الثقافية الكبيرة بين أمريكا والأردن في عين الاعتبار على ما يبدو، ما جعل المسلسل صادماً بتباينه مع الثقافة الأردنية، مغايراً للصورة العامة للمجتمع الأردني والشباب في الأردن.
إن كنا لا نريد أن نختبئ خلف إصبعنا؛ يجب أن نقول أن الشتائم دارجة بين الشباب في كل العالم، وأنها لا تحتاج لمسلسل لتكون أكثر رواجاً!، وأن القبلات المسروقة بين المراهقين أمر وارد، فنحن كعرب لسنا ملائكة، لكن طريقة تعاطينا مع الكلمات النابية والشتائم والألفاظ الخارجة وطريقة تعاطينا مع العلاقات العاطفية والجنسية ومعايير توثيق هذه الجوانب درامياً مختلفة تماماً عن الأميركان ستايل؛ وهنا تكمن مشكلة المسلسل.

الشتائم والمشاهد الخارجة في مسلسل جن
لا تعتبر قصة مسلسل جن من القصص الدرامية النادرة أو الخارجة عن المألوف أو المبهرة، ففي أحسن الأحوال تم تناول هذه الثيمة الدرامية في عشرات الأفلام والمسلسلات وبنفس الطريقة (طلاب في رحلة يتعرضون لحادثة وتنكشف خيوط صراع مع العالم الخفي ويحمل أحدهم على عاتقه مسؤولية إنقاذ عالمه)، لكن خلال الدقائق الأولى من المسلسل نسمع شتائم سوقية تتلفظ بها طالبة، ثم المزيد من الشتائم، والمزيد منها، دون أن يكون هناك حتى موقف يستدعي الشتائم مثل الغضب!.
وفي الدقائق الأولى أيضاً نشاهد القبلة العميقة الخاطفة بين طالب وطالبة (هي نفسها التي تشتم وهي التي ستنقذ العالم) في باص المدرسة وكأنه أمر مألوف، ثم بعد قليل من الأحداث التشويقية والمشاهد العادية نعود إلى التقبيل على صخرة في البترا!.

هناك نظريتان تم تداولهما بشكل كبير حول مسلسل جن:
الأولى أنه هذا المسلسل هو محاولة جديدة لنقل الثقافة الأمريكية ونشرها بين الشباب العربي ومؤامرة على القيم الأخلاقية والدينية.
والثانية أن كل ما ورد في المسلسل من شتائم ومشاهد ساخنة ليس إلا فهماً تجارياً لطبيعة المشاهد العربي الذي سيحوِّل المسلسل إلى حديث الساعة وسيرغب العشرات بمشاهدة تلك الشتائم والمشاهد الساخنة في مسلسل جن، بمعنى أن الشركة اعتمدت الشتائم والإباحية كأسلوب تسويقي!.
وقد تكون المشكلة تقنية بشكل مطلق، فالقصة كما هو واضح كتبت بلغة أخرى قبل أن تتم ترجمتها إلى العربية وإلى اللهجة الأردنية، والأغلب أن من قام على ترجمة النص وجعله أردنياً شخص بعيد عن فهم تفاصيل الثقافة الأردنية العامة، هذا ما نستنتجه بسهولة من شكل الحوارات وطبيعة الكلمات المستخدمة، لو تخيلت أن الحوار يدور بالإنجليزية مع شتائمه وقبلاته لما شعرت أن هناك أمر غريب!، هذا مجرد افتراض على كل حال. 
 

مراجعة مسلسل جن من الناحية الفنية

على الصعيد الفني والتقني تميَّز مسلسل جن الأردني الأمريكي بحرفية عالية من ناحية التصوير والمؤثرات وهو المعهود عن شركة نتفليكس، حيث كان الشكل الأمريكي لمسلسلات التشويق مسيطراً على الصورة والحركة.
لكن من ناحية السيناريو فكان فقيراً إلى حد بعيد وقد كتب باللغة الإنجليزية لتتم ترجمته لاحقاً إلى العربية، كما أن روح القصة نفسها تفتقد إلى حد بعيد للخصوصية العربية والإسلامية في التعامل مع قضية الجن، فكان من السذاجة تناول قضية كهذه دون التطرق إلى الفهم العام لقضية عالم الجن في المجتمع العربي والإسلامي.
من جهة أخرى فإن طبيعة صياغة السيناريو وإدارة المواقف الدرامية وحتى طبيعة المكياج المستخدم وشكل بناء المدرسة وطبيعة العلاقة بين الطلاب وبعضهم من جهة وبين الطلاب والمدرسين والمدرسة من جهة أخرى؛ جميع هذه التفاصيل تجعلك تشك بين حين وآخر أنَّك تتابع مسلسل مدبلج إلى العربية وليس عربياً، حتى لفظ الممثلين للكلمات وللحروف لفظ غريب يطغى عليه لحن الأحرف الإنجليزية (مثل أحرف P..T..J)، أما عن أداء الممثلين فلم يكن هو الأفضل، لكنه لم يكن كارثياً أيضاً.

ومن وجوه ضعف السيناريو أيضاً هو اعتماده غير المبرر على الشتائم والألفاظ السوقية دون حتى أن تبدو طبيعية أو في سياق عادي، بل تبدو كأنّها منثورة وموزعة فوق النص بشكل عشوائي لتكون عامل جذب وتسويق بالدرجة الأولى.
أعتقد أن الشيء الإيجابي الوحيد في مسلسل جن كمسلسل عربي هو التقنيات الجيدة في التصوير، ما عدا ذلك لا يمكن اعتبار هذا المسلسل إلا نسخة من مسلسل أمريكي سيء باللغة العربية، أي مثله مثل أي عمل تركي أو مكسيكي أو أمريكي مدبلج أو مترجم، لا تجد له أي خصوصية عربية.

وربما ما جعل المسلسل يأخذ هذه الضجة أنَّك مهما شاهدت في المسلسلات والأفلام الأجنبية تعلم سلفاً أنها لا تمسك ولا تتعلق بك ولا تتحدث عنك، أما في حالة مسلسل جن فإن التقييم ليس فنياً وحسب، بل هو تقييم لمدى ارتباط المسلسل بجمهوره، وردة الفعل الغاضبة نابعة من شعور المغردين الرافضين بإهانة عاداتهم وتقاليدهم معاييرهم السائدة في قالب فنتازي.

أخيراً... إن كان قصد شركة نتفليكس الأمريكية من تفخيخ مسلسل جن الأمريكي الأردني بالشتائم والعبارات الخارجة والمشاهد الساخنة هو التسويق للمسلسل وجعله الشغل الشاغل للمتابعين لبضعة أيام فقد وصلت الشركة إلى هدفها فعلاً، وإن كان هدفها هو الوصول إلى جمهور دائم ومتابع تخاطبه بلغته العربية فلا نعتقد أنها محاولة ناجحة لأن المسلسل ما زال أمريكياً مدبلجاً رديئاً من الناحية الفنية لو أنتجته شركة عربية لما اكترث له أحد، وإن كان الهدف من الشتائم والمشاهد الساخنة هو "إفساد الجيل" فهو هدف ساذج وبعيد المنال من وجهة نظر علم الاجتماع على الأقل، وغير مثمر تجارياً.