يقول ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع أن المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب، وهو بذلك يختصر الكثير من الكلام في تفسير الميل الاجتماعي العام للمجتمعات والدول الأكثر تقدماً وللحضارات التي تعتبر سيدة عصرها، لكن ماذا عن انجذاب الأفراد للأجانب وإعجابهم بالغرباء بعيداً عن التقدم والتخلف وصراع الحضارات؟ لماذا يرغب البعض بالزواج من أجنبية أو أجنبي؟ ولماذا نفتخر بصداقة الأجانب ونعتبرها ميزة إضافية؟
في هذا المقال نحاول أن نقدم تحليلاً مفصّلاً بالقدر الممكن للانجذاب الفردي للأجانب، من خلال فهم العوامل التي قد تجعل الفرد ينجذب إلى من ينتمي لثقافة أخرى، والتمييز بين الانجذاب الفردي والعقدة الاجتماعية.
 


ذات صلة


ظاهرة الانجذاب للأجانب

في البداية لا بد أن ننوه إلى أن المقصود بالأجانب فيما يلي هم الأشخاص الذين ينتمون إلى دولة أخرى عربية أم أجنبية كانت، أو حتى الذين ينتمون إلى مجتمعات متباينة تتبع نفس الدولة وتنتمي إلى ثقافة أخرى أو قومية مختلفة، كما أن محبة الأجانب لا يقصد بها المحبة العاطفية أو الانجذاب الجنسي فحسب وإنما الإعجاب بملامحهم ولكناتهم ولهجاتهم ومظاهر ثقافتهم وسماتهم الاجتماعية العامة أيضاً.
ولم تحظَ ظاهرة الانجذاب الفردي للأجانب بدراسة نفسية مستفيضة كحالة فردية، فيما حظي الانجذاب الجماعي نحو الحضارات الأخرى بنصيب أكبر من الدراسة، وهو موضوع مختلف بشكل كبير على كل حال.
ويمكن تلخيص ظاهرة الانجذاب الفردي للأجانب أنها شعور الفرد بالانجذاب لشخص من غير بيئته أو دولته أو قوميته بناء على عوامل ظاهرية أو غير عميقة، وقد يكون هذا الانجذاب مجرد إعجاب بشكله المختلف أو لغته أو لكنته أو حتى عاداته، وقد يتعدى ذلك في حالات كثيرة إلى انجذاب عاطفي وجنسي تجاه الأجنبي من الجنس الآخر بناء على السمات التي تميزه كغريب ليس إلا.
 

ذات علاقة


التفاعل مع الأغراب والأجانب

إن تعامل الإنسان مع الأغراب عن بيئته ومجتمعه أمر بالغ التعقيد والغرابة، فهو يتخذ مستويات مختلفة ومتباينة، لا تتعلق فقط بشخصية الفرد ومنظومة قيمه ودوافعه وأفكاره المسبقة؛ وإنما تتعلق أيضاً بعامل جذب خاص بالأجانب على مستوى الأفراد، وتتعلق أيضاً بالموقف الاجتماعي العام من الأجانب.
في الحقيقة لم تكن دراسة الانجذاب للأجانب أمراً يسيراً لقلة المراجع والمصادر من جهة ولكثرة التناقضات الفردية والجماعية في هذه القضية، فبينما ينجذب بعض الرجال للأنثى الأجنبية انجذاباً جنسياً بحتاً قد تجدهم أكثر عنصرية تجاه نفس الأنثى في مجالات أخرى، وفيما ينجذب البعض تجاه أفراد ينتمون لثقافة معينة قد تجدهم ينفرون من الجماعة التي ينتمي إليها أولئك الأفراد!.
فقد يبدو الفرد سعيداً بصداقة شخص أمريكي عبر فيسبوك بل وفخوراً بهذه الصداقة يتباهى بها أمام أصدقائه المحليين، لكنه في الوقت نفسه يمتلك مجموعة من  الآراء المناهضة لعادات المجتمع الأمريكي وثقافته وللسياسات الأمريكية تجاه العرب والمسلمين، هذا التناقض يجعل من الكشف عن عوامل الانجذاب نحو الأجانب عملية صعبة سنحاول أن نحل عقدتها قدر الممكن.
 

لماذا ننجذب للأجانب؟

التباين والاختلاف
من بديهيات العلوم النفسية والإدراكية أن الإنسان ينتبه إلى التباين بشكل شبه إجباري، هذا ما يستغله رجال التسويق مثلاً باستخدام ألوان شديدة التباين والزهو في الإعلانات للفت النظر، وبغض النظر عن السلعة موضوع الإعلان فإن التباين يدفعنا لرؤيتها كخطوة أولى في عملية التسويق، وهي الوصول.
من جهة أخرى فإن كل ما هو مختلف جذاب بطريقة ما، على الأقل يسترعي الانتباه ويجعلنا أكثر رغبة بالنظر فيه والتعرف عليه أكثر، حتى على مستوى الذين ينتمون إلى بيئة واحدة ستجد أن من يتمتع بشخصية غريبة أو غير مألوفة هو أكثر من يجذب الآخرين إليه ويولّد لديهم الرغبة بمعرفته.
ويمكن القول أن عوامل التباين والاختلاف هي العوامل الأساسية في الانجذاب للأجانب والإعجاب بثقافتهم، فالشخص الذي قد يكون عادياً جداً في بلاده قد يبدو شخصاً مهماً ومحبوباً بمجرد انتقاله للعيش في دولة أخرى، طبعاً باستثناء الحالات الخاصة مثل العداوة بين شعبين أو السمعة السيئة لجماعة معينة التي تطغى على تباين الأفراد واختلافهم، وتجعل هذا التباين عاملاً عنصرياً يولد النفور.

من أهم وجوه الاختلاف والتباين التي تلعب دوراً في الانجذاب للأجانب:
الغرابة والفضول

إذا كان التباين والاختلاف هو أصل الانجذاب فإن الغرابة والفضول هي الدوافع الخفية للانجذاب، ليس فقط للأجانب بل لكل ما هو غريب، لاحظ مثلاً أن انجذاب الغني للفقيرة أو العكس وثنائيات البدين والنحيف والذكي والغبي الكوميدية (الجمع بين المتناقضات) واحدة من أشهر الثيمات الدرامية في الرواية والسينما والمسلسلات والأعمال المسرحية.

الإعجاب باللغة واللهجة الأجنبية أو الغريبة
سماع لهجات غريبة ولغات أخرى يعتبر من أقوى عوامل الإعجاب بالأجانب، فعلى الرغم أن اللهجة أو اللغة لا تبيّن فعلياً إن كان الفرد شخصاً جديراً بالإعجاب أم لا؛ إلا أن اللهجة أو اللغة الغريبة تؤثر على السمع بشكل إيجابي غالباً.
هذا ما يفسر مثلاً أن مغنية عربية تحاول بشتى الوسائل الوصول إلى الجماهرية على المستوى العربي لكن لا تتمكن من تحقيق التقدم المنشود، وعندما تتقدم إلى برنامج مواهب الغناء الفرنسي مثلاً وتؤدي أغنية باللغتين العربية والفرنسية، يقوم المدربون بالالتفاف عند المقطع العربي متفاجئين ومعجبين بلغة لا يفهمونها، حتى وإن كانت بمعايير الموسيقى العربية نشازاً لا يغتفر!.
هذا أيضاً ما يجعل أغنية أجنبية بلغة قليلة الانتشار في العالم العربي مثل الإيطالية أو الإسبانية تنال إعجاباً واسعاً، أغنية Lasciate mi cantare الإيطالية مثلاً انتشرت لفترة طويلة وكان كثيرون يعتقدون أنها أغنية عاطفية، لكن مع انتشار استخدام الانترنت والترجمة الإلكترونية تبين أنها أغنية وطنية!.
هذا يعني أن الإعجاب بلحن اللغة الأجنبية يترك لدينا انطباعاً محبباً في الأغلب بغض النظر عن المعنى، بل أن فهم اللغة وممارستها قد يقلل جاذبيتها كلغة أجنبية، وهذا ينطبق أيضاً على لهجات اللغة الواحدة.
وما يجعل الأجنبي أكثر جاذبية هو لكنته الغريبة عند الحديث بلغتنا، فالياباني الذي يتحدث العربية يثير إعجابنا بغض النظر عن شخصيته الحقيقية وما فيها من عيوب أو مميزات، ونحتاج لبعض الوقت حتى نخرج من الوهلة الأولى إلى التحليل العميق وتقييم العلاقة بعيداً عن الإعجاب المتسرع.

السمات الظاهرة
المقصود بالسمات الظاهرة هي سمات الشكل والمظهر التي تميز جماعة عرقية، مثل العيون الملونة أو الشعر الأشقر أو البشرة السمراء أو العيون الآسيوية أو بنية الجسد وغيرها؛ فعلى الرغم أن هذه السمات الظاهرة تبدو أقل من عادية بين أفراد العرق نفسه إلى أنها شديدة التميز بالنسبة لأفراد الأعراق الأخرى.
ولا تنتمي الاختلافات في سمات الشكل إلى الانجذاب الطبيعي فقط، ولكن تلعب دوراً كبيراً بالانجذاب الجنسي نحو الأجانب، والانجذاب الجنسي نحو الأجانب والأجنبيات ليس حالة نادرة على ما نعتقد.

العادات والتقاليد ومظاهر الثقافة
على وجه العموم فإن العادات والتقاليد من السمات التي تميز ثقافة عن أخرى وفئة عن أخرى حتى وإن انتموا إلى نفس البلاد أو نفس العرق، وبعض العادات خاصة الأصيلة منها تعتبر من عوامل الجذب القوية.
يضاف إلى ذلك السمات الثقافية الأخرى مثل الموسيقى (الفلامينكو مثلاً) أو الأزياء أو الفنون الأخرى، هذا ما أطلق عليه الأوروبيون في مرحلة ما سحر الشرق، فهم لم يفتتنوا بالعيون السود المكحّلة فحسب، ولا بالقوام العربي، وإنما افتتنوا ببيت الشعر ودلة القهوة والفروسية والضيافة، وافتتنوا أيضاً بالخط العربي والعمارة الإسلامية وعمارة ما قبل الميلاد في الدول العربية وخاصة المصرية، وافتتنوا بقصص ألف ليلة وليلة وحكايات شهرزاد ومأساة الحلاج وقصص الجاحظ...إلخ.

السمعة والصورة النمطية
على الرغم أن الانجذاب للأفراد الأجانب هو الحالة الطبيعية على مستوى الأفراد غالباً، إلا أنَّ السمعة والصورة النمطية الرائجة لجماعة ما تؤثر على تعزيز الانجذاب أو النفور، فمحاولة تنميط المسلمين والعرب بصورة الإرهابي أنهت حقبة سحر الشرق وأدخلتنا في حقبة إسلام فوبيا، وفي نفس الوقت فإن الترويج للحلم الأمريكي ونمط الحياة في أمريكا عزز الانجذاب نحو الأمريكيين عالمياً في مرحلة ما، والإنجازات الحضارية الكبيرة لليابان جعلتنا ننظر لكل ياباني أنه عالم مبدع من كوكب آخر!.
يضاف إلى ذلك مجموعة من الخرافات العنصرية التي ترسم صورة نمطية فضفاضة لبعض الأعراق، فيقال لك أن المرأة السمراء أكثر رغبة بالجنس من المرأة البيضاء!!، أو أن الرجال في الصين يعانون من ضعف في القدرة الجنسية على الرغم أن الصين تضم أكبر تجمع سكاني في العالم وكانت إلى وقت قريب تضم أعلى معدلات التكاثر قبل سياسة الطفل الواحد، أو يقال أن الألمان عرق نقي!.

العوامل الذاتية
كل العوامل التي ذكرناها سابقاً تعتبر عوامل موضوعية وعوامل جذب تميِّز الأجانب عادةً، وعلى الضفة الأخرى فإن هناك سلسلة ليست قصيرة من التفضيلات الشخصية والعوامل الذاتية التي تجعلنا ننجذب للأجانب.
مثلاً؛ عدم رضا الفرد عن العادات الاجتماعية السائدة في مجتمعه سيجعله يبحث عن بدائل يجدها عند الأجانب، كذلك وجود قناعات غير متناسبة مع المجتمع تجعل من الأجانب خياراً مثيراً وجذاباً.
كما يؤثر سياق التربية والتعليم على الانجذاب للأجانب، فمن يتعلم في مدرسة أمريكية وباللغة الإنجليزية لكنه يقيم في دولة عربية ومجتمعه متباين أشد التباين مع سياق التربية والتعليم؛ فإنه غالباً يشعر بالغربة في وطنه والميل إلى المجتمع الذي شرب ثقافته.

عقدة الخواجة
عقدة الخواجة هي الشعور المستقر واليقين بتفوُّق الأجانب علينا كمجتمع وكحضارة، هذا اليقين بغض النظر عن صحته يجعلنا نقلد الأجانب ونحاول تقمص ثقافتهم وننجذب للأفراد الأجانب بطبيعة الحال.
في مجال الأخبار مثلاً نجدنا أكثر ميلاً لتصديق صحفي أجنبي يتحدث عن أمر يحدث تحت شرفة منزلنا!، فكونه أجنبي يعطيه مجموعة كبيرة من الصفات التي لا يتمتع بها بالضرورة.
 

الانجذاب V.S النفور من الأجانب

إذا اتفقنا أن الانجذاب الفردي للأجانب هو الحالة الأكثر شيوعاً؛ فإن النفور من الأجانب عادة ما يكون لنفس الأسباب، بمعنى أن العوامل التي تجذبنا للشخص الأجنبي أو الغريب هي ذاتها التي قد تجعلنا ننفر من أجنبي آخر.
فالاختلافات في اللون واللغة واللهجة والدين والعرق والعادات والتقاليد التي كانت عنصر جذب فعال في حالات معينة، ستتحول هي ذاتها إلى عوامل نفور.
وذلك لا يرتبط فقط بأعراق وأجناس معينة أو ثقافات بذاتها، بل بثقافة الفرد نفسه ونظرته إلى الفئات المختلفة.
فالشخص الذي ما زال يؤمن بالفكر الشيوعي الماركسي قد يعتبر أن سكان أمريكا اللاتينية مثل كوبا وفنزويلا أجدر بالإعجاب من سكان الولايات المتحدة الرأسماليين، ومن يؤمن أن المسلمين خطر على أوروبا سينفر من المسلمين على اختلاف لغاتهم وأشكالهم وعاداتهم...إلخ.
وإذا كان من الممكن أن يكون الانجذاب للأجانب موقفاً فردياً؛ فإن النفور من الأجانب قلَّما يكون كذلك، لأنه مرتبط بشكل كبير بالدعاية السياسية التي تهدف إلى تعبئة المجتمع وتوجيهه، وبالسمعة التي تتمتع بها جماعة من الجماعات.

الأجانب والصوة الاجتماعية
في رواية الحرب والسلام للروائي الروسي ليو تولوستوي يبدو انجذاب طبقة النبلاء إلى اللغة الفرنسية قضية بالغة الأهمية لأنها جزء من رسم الخطوط الفاصلة بينهم وبين العامة، وهذا ما نجده واضحاً أيضاً في مجتمعنا العربي اليوم من خلال استخدام الكلمات الإنجليزية بشكل غير مبرر في الطبقات الراقية.
وفي رواية ساق البامبو للكويتي سعود السنعوسي فإن نفور الأسرة الكويتية من ابنها "ابن الفلبينية" يبدو واضحاً أيضاً، ولنفس السبب، لأن اختلاط الدم الكويتي بالفلبيني قد يهدد الخطوط التي تفصل بين السادة والخدم!.
القصد من المثالين السابقين أن البريستيج الاجتماعي يلعب دوراً لا يستهان به في النفور والانجذاب -وبريستيج كلمة أجنبية!- فحتى إن كان انجذابنا للشخص الأجنبي فردياً ومبنياً على فضولنا وافتتاننا بلغته أو شكله أو ثقافته؛ لا بد أن يكون هذا الأجنبي أيضاً قادراً على تعزيز مركزنا الاجتماعي أو صورتنا الاجتماعية.