نعلم جميعاً أننا نعيش في عالم يعمل على تشتيت انتباهنا، حيث ترتفع معدلات الاكتئاب والقلق وتستمر نسبة السمنة والأمراض المتعلقة بالسكري وضغط الدم في الارتفاع بين الناس، وهناك نوع من التعاسة العامة وحالة من عدم الرضا، فماذا يعني أن نكون ممتنين؟ ولماذا يُعد الامتنان منبع لجميع الفضائل البشرية؟
الامتنان يغير حياتنا، ويغير الامتنان.. ماضيك وحاضرك ومستقبلك!، لا يمكن أن تصدق ذلك.. أن تمتن في بداية كل يوم لكل الأشياء الجيدة في حياتك، بذلك تكون صياغتك ليومك بالطريقة المثمرة وتشهد الزخم الذي لم تعرفه قبلاً، فكيف تمارس الامتنان بأبعاده الزمنية الثلاث؟ وكيف يعمل على تغيير حياتك، وتحويلها لصالح رفاه عيشك؟
 


ذات صلة


الامتنان يحوّل الماضي

هناك مفهوم يُستخدم في تعليم رواد الأعمال ويُسمى (The Gap and the Gain) [1]، بمعنى الفجوة والمكسب؛ معظم الناس لا يرون إلا الفجوة (النصف الفارغ من الكوب)، بل حرفياً يعيشون في الفجوة، ويندمون على ما لا يفعلونه أكثر من ندمهم على ما فعلوه! مثلاً تنزعج الزوجة من نسيان زوجها بعض أغراض البقالة، ولا تنظر بعين الشكر للوردة، التي أحضرها لها في طريقه، بل ربما تلومه بأنه انتبه لأشياء تافهة ونسي المهم! ثم أن معظم الناس.. عندما ينظرون إلى ماضيهم، صحيح أنهم قد يعيشون الذكريات الجميلة، لكنهم غالباً ما يتذكرون الفجوات فقط، كما يتذكرون أين بالضبط لم تسر الأمور كما ينبغي، أو كيف لم يبذل أهلهم أو شركائهم جهوداً إضافية لتحقيق ما أرادوه، إن هذه الطريقة في التفكير؛ غير عادلة للأطراف الآخرين في حياتك ومتعبة جداً لك أيضاً، فمن السهل جداً أن تعيش ثغرة في العلاقات، حيث كل ما تراه هو المكان، الذي لا يكون فيه الشخص الآخر على قدم المساواة مع ما ترغب به، ويُجبر عقلك على التفكير في أن الأمور لا يمكن أن تتغير، وهذه هي الطريقة التي تطور بها عقلية ثابتة بشكل سلبي، بالتالي أغلب ماضييك.. في الفجوة! فأين يأتي دور الامتنان هنا:

- يتيح لك الامتنان إعادة تذكر ماضيك بالتركيز الكامل على المكسب، وعندما تعيد صياغة ماضيك، لن تكون ضحية لهذا الماضي مرة أخرى أبداً.

- لا داعي لأن يكون ماضيك سبباً في كونك ضحية، بينما يمكن أن يكون أمراً يلهمك باستمرار ويدفعك إلى الأمام.

- من خلال الامتنان أنت لا تقلل من أهمية ما حدث معك في الماضي، وقد يكون تجربة مروّعة هزت كيانك وغيرت مجرى حياتك.. فعانيت وكافحت، لكن لا تتجاهل التأثير العاطفي لهذا الماضي على حياتك، كن موضوعياً لأنه ذهب إلى غير رجعة، وأنت مصمم هذا الماضي، حيث يمكنك أن تقرر كيفية سرده والنظر إليه، مثلاً في أي موقف تتعرض فيه للفشل مثل الانتقال من بلد إلى بلد، ثم اكتشاف أنه عليك البدء من الصفر بعد أن كان لك منصب ودخل جيد.. الخ، فبعد مضي هذه المرحلة الجديدة من حياتك؛ عليك أن تختار تذكر المكسب (تغيير مسار حياتك)، وليس الفجوة (البدء من الصفر مجدداً)، اختر كيف تتذكر التجربة.

- ماضيك هو ما تنسب إليه المعنى، بحيث يمكنك تذكر المكاسب كما أسلفنا، أو يمكنك تذكر الألم، ونمو ما بعد الصدمة هو عكس اضطراب ما بعد الصدمة بمعنى "الضربة التي لا تقتلك تجعلك أقوى"، بحيث أنه مهما كانت تجارب الماضي سلبية.. فإنها مع الامتنان تصبح أفضل.
 

ذات علاقة


يغير الامتنان ظروفك في الحاضر

نادراً ما تكون في ظروف العيش مثالية، وسيكون هناك احتكاك وتحديات لعيش أحلامك دائماً، كما سيكون هناك عوائق أيضاً، لكن أنت تعلم أن المشكلة ليست في هذه الظروف، بل في طريقة نظرك إليها، لأن الظروف المثالية ليست مثالية في الواقع! خذ من الطبيعة؛ النباتات التي تزدهر تفعل ذلك بسبب الظروف الصعبة، بالتالي أنت كإنسان تريد وتحتاج إلى التحديات لتنمو وتتطور، وإذا كنت ستهتم بظروفك، فيجب أن تركز بوعي على الصالح الموجود فيها، فتمتع بالامتنان للأشخاص المذهلين والمهمين في حياتك، وللفرص المتاحة لديك والتي تستطيع التحكم بها حالياً، ولفرصة العيش والتنفس والتمتع بالصحة.. الخ، لأن التحدي والقيود في ظروفك الحالية تمثل فجوة أيضاً، وعندما تعيش في الفجوة، لن تهتم بما لديك.. قد تكون ملياردير، وإذا كنت في هذه الفجوة؛ لن يكون ذلك كافياً، لهذا يأتي دور الامتنان في تغيير الحاضر:

- الجزء الأول من تحويل الحاضر هو تقديره، لا يتعلق الأمر بما تمتلك، لكن بمدى سعة حيلتك، لأنها ليست ظروفك.. بل أنت، والمشكلة في التركيز على الظروف، بينما أنت أفضل حالاً من خلال التركيز على قدرتك، وهذا يشكل تحوّل قوي.

- إذا ركزت على ظروفك؛ ستجد الكثير مما يمكن أن تتذمر منه، لكن إذا ركزت على قدرتك، فإن الخيار الوحيد أمامك هو التحرك والقيام بما عليك القيام به.

- قدرتك دائماً فوق ظروفك، وهناك شيء يمكنك القيام به للتأثير على حياتك وتغييرها والتحرك في الاتجاه الذي تريده.

- امتنانك لفرصة النمو والمضي قدماً، هو كيفية تغيير حاضرك، فترى كل الجمال في ما لديك خلال اللحظة الراهنة، بالتالي تدرك القوة المذهلة التي لديك؛ لتحسين ما تتحكم به وتسيطر عليه.

- إذا ركزت على قدرتك.. من الأرجح أن تصرف طاقتك في الإبداع والتطور، أما إذا كنت أكثر تركيزاً على ظروفك، فمن الأرجح أن تستهلك طاقتك وتخسرها، بكل بساطة قارن بين وقتك في التفكير بالظروف والمصاعب التي تواجهها، وبين وقتك في القيام بما عليك القيام به! فإذا كنت مستهلكاً لطاقة الآن؛ من المحتمل أنك تعيش في الفجوة، أما إذا كنت تنجز؛ فلن ينصّب تركيزك على ظروفك الحالية، بل على ما يجب تحقيقه مستقبلاً، وأنت تحكي قصة عن حياتك وأنت من يكتبها، وهذه طريقة قوية للعيش، بحيث لديك امتنان للحاضر وامتنان لما يمكنك القيام به. 
 

غيّر مستقبلك الآن

بعد أن أصبحت مصمم ذكرياتك الماضية، كذلك تجربتك الحالية؛ كيف لك أن تصنع مستقبلك من خلال الامتنان؟ وفي حين يتم تعريف معظم الناس من خلال تجارب الماضي؛ يتم تعريف الأشخاص الناجحين من خلال تجاربهم مستقبلاً! كيف يحدث ذلك؟ لديك بعض التساؤلات المهمة:
- ما هي الخبرات التي تريد أن تحصل عليها؟
- ما هي الأحداث التي تخص مستقبلك؛ وتريد أن ترى حدوثها؟
- هل تعيش حياتك الآن، كما لو كانت تلك الأحداث ستتحقق بالتأكيد؟
- هل تعيش حياتك الآن، لتخلق هذه الخبرات بوعي؟
- هل لديك سلام مع فكرة؛ أن أحلامك سوف تتحقق؟

إذا لم تكن إجاباتك نعم حقيقية وأكيدة؛ من المحتمل ألا تنجح، لأن حالتك العاطفية السلبية تمنعك عن الأشياء التي تريدها، وهي أمر أساسي.. لما ستخلقه في حياتك ومستقبلك، فإذا كنت في مكان تتمتع فيه بالقبول والسلام والثقة المطلقة؛ ستتمكن حتماً من التغلب على التحديات التي تواجه أحلامك.
كل يوم من حياتك.. هو تجربة امتنان كامل للنجاح في مستقبلك، ثم تفعل ما عليك فعله هنا والآن، وكل صباح.. تأمل وتصور (عقلياً وعاطفياً) حياتك، حيث أن كل ما ترغب في تجربته وتجسيده، هو امتنان كامل لمستقبلك، وهو يعزز إيمانك بنفسك وقدراتك، كما يتيح لك معرفة أنك ستنجح؛ قبل وقت طويل من نجاحك!
 

كرر كلمات تقديرك وامتنانك

امتنان.. امتنان... امتنان
أنت الشخص الذي يخلق تجربتك في هذه الحياة، وأنت الشخص الذي يصوغ ويصمم معنى ماضيك وتجاربك مهما كانت مؤلمة وقاسية [2]، كما أنك أنت الشخص الذي يحدد مدى حسن أدائك، بغض النظر عن الظروف التي تعيش فيها، لا تقلل من قيمة تجاربك الماضية، عندما تنظر  إليها بعين موضوعية فاحصة، ومن خلال اتخاذ خطوة للوراء كي تنظر إليها بعقلك وليس بعواطفك، لذا تذكر ذلك: 
- ظروفك تحمل معنى عميق؛ كي تقرر ما يجب القيام به.
- ركز على قدراتك وليس على ظروفك، فعندما تركز على قدرتك، تدرك أن لديك القدرة على إنشاء مستقبلك المنشود، بغض النظر عما تراه أمامك من تحديات وصعوبات.
- عندما تركز على قدرتك وطاقتك؛ تتوقف عن الانشغال والاحتكاك والتحدي لظروفك الحالية.
- هناك قيود تمنعك من التقدم الفعلي إلى الأمام، وتلك القيود موجودة في عقلك، والتركيز على القيود يجعلها أكبر في ذهنك فقط، لذا ركز على كيفية تغيير الظروف السيئة.
- يمكنك تغيير حياتك، ففي كل صباح.. جرّب قدراً كبيراً من الامتنان لماضيك وحاضرك ومستقبلك، وستُفاجئ خلال دقائق حقيقة من الامتنان؛ حول مدى شعورك بالرضا، ربما ستُصدم من الأمل والتفاؤل الذي تشعر به نحو مستقبلك، كما ستكون لديك رغبة في التواصل مع الأشخاص المهمين في حياتك، وإخبارهم عن مدى امتنانك لهم ولوجودهم في حياتك.

في النهاية.. عندما تبدأ الامتنان الحقيقي، ستتحول حياتك وعلاقاتك فوراً، فماذا تنتظر؟ لا مزيد من استهلاك طاقتك بمزيد من التركيز على المشاكل في حياتك الحالية أو ماضيك، فأنت مالك تجاربك وماضيك وطريقة سرده، ومالك لقدرتك الحالية.. لأن لديك إمكانات وقدرة غير محدودة، لكن فقط إذا ركزت انتباهك على ما يمكنك القيام به، بدلاً من التركيز على الخطأ، شاركنا رأيك من خلال التعليقات.
 

المصادر والمراجع

[1] مفهوم دان سوليفان التدريبي Dan Sullivan، "الفجوة والمكسب"، منشور على موقع strategiccoach.com، تمت المراجعة في 25/07/2019
[2] كتاب Benjamin Hardy، "اكتشف مفاتيح النجاح" 2018، رابط الكتاب على موقع amazon.com، تمت المراجعة في 25/07/2019