العولمة من المفاهيم الشائكة التي شهدت جدلاً كبيراً في العصر الحديث، وإن كان هناك ما يشبه الإجماع على معنى مصطلح العولمة والمفهوم العام للعولمة، فإن هناك خلافات عميقة وكبيرة حول منهج العولمة وآثارها السلبية والإيجابية، ومجالات العولمة وحدودها.

في هذه المقالة عن العولمة نحاول أن نفسّر معنى العولمة في اللغة والاصطلاح وأن نقدم شرحاً بسيطاً ووافياً لمفهوم العولمة، مروراً بأنواع العولمة ومظاهرها، وسلبيات منهج العولمة وإيجابيات العولمة، إضافة إلى أسباب العولمة وتطور مفهوم العولمة، وانعكاس العولمة على الدول الفقيرة والدول المتقدمة، آملين أن تكون هذه المقالة مدخلاً جيداً لتعريف وشرح العولمة لغير المختصين وللطلاب والمهتمين، تاركين لكم بعض المراجع المهمة عن العولمة في نهاية المقال.
 


ذات صلة


ما هي العولمة؟

تعريف العولمة... ما معنى العولمة؟ وما هو تعريف العولمة باللغة ومعنى مصطلح العولمة؟
العولمة في اللغة العربية مشتقة من كلمة (عالَم) والفعل عولَمَ أي جعله عالمياً[1]، واشتقت كلمات أخرى على نفس المنوال وبنفس المعنى مثل الكونية والكوكبة، فالمعنى اللغوي للعولمة في اللغة العربية أن يكون الأمر عالمياً، فإذا تحدثنا عن عولمة الثقافة مثلاً نقصد بذلك جعل ثقافة العالم على نسق واحد "عالمي"، والأصل الإنجليزي لكلمة العولمة Globalization مشتق أيضاً من كلمة Global (عالَمي).
وإذا أردنا تحديد معنى العولمة اصطلاحياً سنجد عشرات التعريفات المختلفة للعولمة والتي تختلف باختلاف موقف صاحبها من قضية العولمة، فمن يرى أن العولمة هي مسح للثقافات والديانات والمذاهب الفكرية وتحويل العالم إلى سيادة مركزية واحدة في كل المجالات يعتقد بالتالي أن العولمة شكل من أشكال الاستعمار، فيما يختصر مؤيدو وعرابو العولمة الأمر بجملة "العالم قرية صغيرة".

والأصل في استخدام مصطلح العولمة هو عالم الاقتصاد، حيث يشير مصطلح العولمة إلى التجارة الدولية التي تسهل تدفق البضائع والأشخاص والمعلومات عبر الدول، لكن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وسيادة القطب الواحد على العالم –الولايات المتحدة الأمريكية- أخذت العولمة تتبلور أكثر في مجالات مختلفة[2]، ابتداءً بتصدير أنماط الحياة الأمريكية للعالم في الطعام والشراب واللغة وليس انتهاءً بتصدير الفدرالية والديموقراطية على الطريقة الأمريكية، وبذلك اكتسب المصطلح شعبية أكبر ودار حوله جدل أكثر سخونة.
 

ذات علاقة


تاريخ العولمة ومظاهرها المبكرة

في الحقيقة إن كل ما يتصل بالعولمة هو موضوع خلاف، فحتى تاريخ العولمة وتطورها ومظاهر العولمة وأشكالها ونتائجها كلها موضوعات شائكة أثارت وما زالت تثير عواصف من الجدل والنقاش[3]، بل وأفضت إلى عزل بعض الدول عن التيار العالمي؛ إما اختيارياً خوفاً من العولمة، أو عقوبة لها من العالم المتقدم على رفضها العولمة المعاصرة.

مظاهر العولمة المبكرة
ويمكن القول أن أولى مظاهر العولمة بدأت مع تطور قدرة البشر على الانتقال عبر البر والبحر لأهداف تجارية واستكشافية أو استعمارية وعسكرية، فإيجاد رسومات جدارية في الصين عن تجار فينيقيين مثلاً يعتبر شكلاً من أشكال العولمة القديمة، كذلك الدعوات الدينية التي عبرت الشرق القديم إلى العالم تعتبر شكلاً من أشكال العولمة القديمة، وتعتبر نظريات ابن خلدون واختراعات الزهراوي وابن الهيثم شكلاً من أشكال العولمة الثقافية والعلمية...إلخ.
بالتالي كانت العولمة تتطور مع تطور وسائل النقل والاتصال التي تسهّل انتقال الثقافات والمعارف وحركة التجارة والغزو، وهذا يفسر لماذا أصبحت العولمة مفهوماً واسعاً ومهماً في العالم الحديث مع ابتكار شبكة الانترنت ووسائل النقل الحديثة فضلاً عن تشريعات التجارة الدولية والاتفاقيات التي تسهل انتقال البشر ورؤوس الأموال بين دولة وأخرى والتكتلات العالمية السياسية والاقتصادية الكبرى، وتطور أساليب الاستعمار غير العسكري.
 

أبرز أنواع ومظاهر العولمة

ما هي مظاهر العولمة؟ وما هي أنواع ومجالات العولمة الرئيسية؟ أمثلة عن العولمة الاقتصادية والثقافية وأنواع العولمة الأخرى

أن تعرف ما يحدث في الجزء الآخر من العالم في نفس اللحظة يعتبر ذلك مظهراً من مظاهر العولمة، ومشاهدة مباريات كرة القدم في الدوري الاسباني تعتبر أيضاً من أشكال العولمة، كذلك شحن الأسلحة المتطورة من نصف الكرة الشرقي إلى الغربي وإرسال الخبراء لتدريب الجيوش على استخدام هذه الأسلحة؛ شكلٌ من أشكال العولمة.

وإذا أردنا ذكر أبرز أنواع وأشكال العولمة يمكن القول[4],[5]:
1- العولمة الاقتصادية:
إذا كنت قد طرحت على نفسك سؤال "لماذا واجه العالم كله أزمة اقتصادية عام 2008 على الرغم أنها أزمة مصارف في أمريكا؟" فالجواب هو العولمة الاقتصادية والتجارية، الدول اليوم لم تعد تسعى للاكتفاء الذاتي الذي يؤمن لها العزلة الآمنة، وإنما تسعى للاندماج في النظام الاقتصادي العالمي قدر الممكن للاستفادة من عمليات التبادل والارتباط الاقتصادي.

2- العولمة السياسية: وقد ظهرت العولمة السياسية لأول مرة في العالم الحديث من خلال عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى، ثم الأمم المتحدة ومجلس الأمن في الحرب العالمية الثانية، وهناك الكثير من الأمثلة على العولمة السياسة بعضها يتمثل بتحالفات الدول وبعضها يتمثل في النزعات والصراعات الدولية الهادفة إلى بسط السيطرة والنفوذ.
والجدير بالذكر هنا أن جزءاً من الحرب الباردة بين المحورين الشيوعي والرأسمالي كانت على العولمة، وحاول كل من الطرفين بشتى الوسائل عولمة العالم على طريقته سياسياً واقتصادياً وثقافياً، فكان الهدف هو عولمة الشيوعية مقابل عولمة الرأسمالية.

3- العولمة الاجتماعية والثقافية: وهي من أخطر أنواع ومشاكل العولمة، حيث تتمثل العولمة الاجتماعية والثقافية بالمنتجات الثقافية التي تأخذ صفة العالمية مثل بعض الروايات والكتب والأفلام السينمائية والشخصيات الدرامية، ومثال ذلك سلسلة هاري بوتر الشهيرة وقبلها سلسلة شارلوك هولمز ودراكولا وغيرها، وينظر البعض إلى عادات الطعام أيضاً كجزء من العولمة الثقافية والاجتماعية كغزو الهمبرجر والبيتزا للعالم.
وأما عن سبب اعتبار العولمة  الثقافية أخطر أشكال العولمة؛ فذلك يعود إلى التأثير السلبي للعولمة الثقافية على الاختلافات الثقافية والثقافات المحلية أو الوطنية، فالعولمة الثقافية مؤثرة وغير متأثرة، بمعنى أنها عولمة باتجاه واحد، حيث يتم تصدير المنتجات الثقافية العالمية من الدول القوية والكبيرة باتجاه الدول النامية والفقيرة، ما يؤثر سلباً على الانتاج الثقافي الأصيل في الدول المستوردة لصالح تقليد النمط العالمي.
ومن أمثلة المشاكل الناتجة عن العولمة الثقافية أن الزي التقليدي في الدول النامية على الرغم أنه مجرد زي يتناسب مع طبيعة أصحابه ومناخهم وظروفهم؛ أصبح إشارة على التخلف، وعلى الجميع أن يتخلى عن الزي التقليدي لصالح الكاوبوي الأمريكي والموضة العالمية ليكون مواكباً للعصر!.

4- العولمة التقنية والتكنولوجية: تعتبر العولمة التقنية أو تكنولوجيا العولمة هي العمود الفقري لمختلف مظاهر وأشكال العولمة، فوجود الوسائل السهلة مثل الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي والوسائل المتطورة بتبادل المعلومات هو السبب الفعلي لتطور مفهوم العولمة.

5- أشكال أخرى للعولمة: هناك العديد من المحاولات والتجارب التي يمكن تصنيفها كمظهر من مظاهر العولمة، منها مثلاً العولمة البيئية أو العولمة الأيكولوجية التي تهدف إلى تعميم النظام البيئي في العالم لمواجهة التحديات المناخية والبيئية، ومنها أيضاً عولمة التعليم وعولمة العمل الخيري والتطوعي وعولمة الموضة وغيرها من المظاهر التي يمكن تصنيفها كمظاهر أساسية أو فرعية للعولمة.
 

أسباب العولمة

أسباب العولمة... لماذا حدثت العولمة؟ وما هي العوامل المؤثر في نمو العولمة؟
العولمة ليست مفهوماً حديثاً على كل حال، وليست ابتكاراً أو اختراعاً أو مؤامرة بقدر ما هي ظاهرة ثقافية واجتماعية طبيعية، لكن العالم شهد طفرة تكنولوجية في عالم الاتصالات وتبادل المعلومات جعلت من العولمة تفرض نفسها على العصر الحديث أكثر من أي وقت مضى، ولذلك يعتبر السبب المباشر والأساسي للعولمة هو ثورة الاتصالات وتطور وسائل الاتصال والتبادل والنقل الرخيصة[6].
قبل فترة ليست طويلة كنت تحتاج إلى سنوات لإبرام اتفاق تجاري لاستيراد الخشب من أفريقيا إلى أوروبا مثلاً، ومع انخفاض كلفة الاتصالات والنقل وتوفر وسائل تقنية متطورة أصبح الأمر أشبه بالحلم، قد تحصل على عشرين طن من الصمغ العربي السوداني وتشحنها إلى أوروبا لاستخدامها في صناعة المشروبات الغازية التي ستشحن إلى مناطق متفرقة من العالم وأنت عربي مقيم في الصين ولا تعرف أحداً من أطراف العملية بشكل شخصي!، هذه هي العولمة.
 

نتائج العولمة

ما هي نتائج العولمة؟ ما هي سلبيات العولمة وإيجابياتها؟ وكيف يتفاعل العالم معها؟
يحتاج الحديث عن نتائج العولمة إلى مجلدات كثيرة، كما أن نتائج العولمة غير مستقرة حتى الآن، فهي تفاجئنا بمأساة هنا وبملهاة هناك.
كغيرها من المفاهيم؛ للعولمة الكثير من الفوائد أو الإيجابيات مقابل الكثير من المثالب والسلبيات، فأنت عندما تقرأ هذا المقال -الذي يكتبه شخص في بلاد أخرى- بواسطة هاتفك النقال المصنوع في دولة أخرى وباستخدام خوادم الانترنت الموجودة في النصف الثاني من الكرة الأرضية...إلخ؛ كل ذلك من إيجابيات العولمة.
لكنك أيضاً عندما تسمع أخبار النزاعات والصراعات المسلحة العابرة للقارات، وقدوم متطرفين من أكثر دول الغرب تقدماً للقتال في الدول النامية مع الجماعات التكفيرية، وتطوير الأسلحة الفتاكة من نووية إلى هيدروجينية ومن كيماوية إلى جرثومية بشكل مشترك بين الدول ووصول هذه الأسلحة إلى أيدي المجرمين والحمقى، وعندما تعرف أن الدجاج في هولندا يأكل من فول الصويا الغني بالبروتين المزروع في أفريقيا فيما شعب أفريقيا يعاني من سوء التغذية....إلخ؛ فأنت تنظر إلى سلبيات العولمة!.

كما أن نتائج العولمة تختلف حسب موقع المحلل من العالم، فنظرة ساكن العالم المتقدم للعولمة تختلف بالضرورة عن نظرة سكان العالم الثالث، لأن العالم المتقدم يحصد 80% من فوائد العولمة، فيما يحصد العالم الثالث 80% من كوارث العولمة، لذلك تجد الناس العاديين في العالم المتقدم يمجّدون العولمة، والناس في العالم الثالث والدول الفقيرة ينادون بمحاربة العولمة، حتى وإن لم يدركوا معناها بالشكل الصحيح.
 

إيجابيات العولمة

ما هي النتائج الإيجابية العولمة؟ وكيف يمكن رصد نتائج العولمة الإيجابية في الدول المتقدمة والدول النامية والفقيرة؟

يمكن ذكر أبزر إيجابيات العولمة كالتالي[8],[7].:
- السوق العالمي والعولمة الاقتصادية والتجارية:
بما أن التبادل التجاري والعلاقات الاقتصادي كانت التربة الخصبة لنمو مفاهيم العولمة، فمن الطبيعي أن يكون الانعكاس الأهم والأكبر للعولمة في عالم التجارة والأعمال، وفيما تنظر دول العالم المتقدم إلى السوق العالمي وعولمة التجارة كميزة أو كنتيجة إيجابية للعولمة، قد تعاني بعض الدول الفقيرة والنامية من هذه النتيجة، حيث يتم استنزاف مواردها بشكل خطير دون حصولها على ما يساعدها في التنمية.
وأمثلة العولمة الاقتصادية والتجارية: العملات العالمية مثل الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي، أسواق التجارة الحرة والأسواق المشتركة، الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات...إلخ.

- المنافسة العالمية في مظلة العولمة: في سياق متصل تعتبر المنافسة العالمية في السلع والأسواق من النتائج الإيجابية للعولمة، من جهة تعتبر المنافسة الحالة الصحية والمثمرة للمصنِّع والمستهلك، ومن جهة أخرى فإن المنافسة العالمية تعزز قوة الابتكارات وتعزز جودة السلع والخدمات، إضافة إلى انخفاض الأسعار نتيجة الحصول على الخامات الرخيصة من الدول غير المصنعة ووجود منافسة على السلع بشكلها المصنَّع.

- فرص العمل وفرص النماء بالأعمال: أثّرت العولمة الاقتصادية بشكل مباشر على طبيعة الأعمال وفرص العمل، فأنت لم تعد تعمل في الحي الذي تسكن به أو في الدولة التي تحمل جنسيتها، بل أنت تعمل في العالم بأسره، من جهة أخرى أتاحت العولمة فرصاً جديدة لتنمية الأعمال وتوسيعها بعد أن كان من الصعب على الأشخاص العاديين تطوير أعمالهم في ظل حصر الثروات بيد عائلات وأشخاص، بل أن عولمة الأعمال تعتبر القشة التي أنقذت البشر من الانخفاض الحاد بفرص العمل بعد تطور العمل المميكن.

- العولمة سبب لتقليص الفجوات الطبقية: نتيجة ازدياد فرص ومجالات العمل، وسهولة الوصول إلى الوظائف وإيجاد مبدأ العمل الحر والعمل عن بعد وغيرها من التطورات في عالم الوظائف المعولم؛ يعتقد أن العولمة ساهمت فعلياً بتقليص الفجوة بين الأثرياء والفقراء، وساهمت أيضاً بتقليص الفجوة في الأجور بين المستويات الإدارية المختلفة، على الأقل في الدول المتقدمة.

- نتائج العولمة على الابتكار والتكنولوجيا: حيث يعتبر التطور التقني الكبير والمتسارع مظهراً مهماً من مظاهر العولمة، ويتجلى ذلك في السباق الإيجابي بين الدول والأمم في تطوير وسائل الاتصال والوسائل التنقية التي تسهل الأعمال في مختلف المجالات، والجدير بالذكر أن العولمة أيضاً ساهمت في منع احتكار الابتكارات العلمية إلى حد بعيد، على الرغم من استمرار احتكار الدول العظمى للكثير من المعرفة.

- النتائج الإيجابية للعولمة في القوانين والتشريعات: وهناك الكثير من الأمثلة على العولمة في مجال التشريع والقوانين، منها مثلاً المحاكم الدولية التي تنظر في جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، وعندما تطلب دولة ما الانضمام إلى الاتحاد الأوربي مثلاً سيكون جزء من الشروط متعلقاً بالتشريعات المالية كإلغاء القيود على تعاملات الأفراد، ومتعلقاً بتشريعات حقوق الإنسان كإلغاء عقوبة الإعدام.

- العولمة والنزاعات والصراعات: إلى فترة قريبة كانت كلمة نزاع مسلح تطلق على الحروب الداخلية في البلد نفسه، وكلمة صراع تستخدم للتعبير عن حرب بين بلدين، لكن في ظل العولمة يمكننا القول أنه لم يعد هناك نزاعات داخلية، أصبحت كلها صراعات دولية حتى وإن كانت بين مدينتين في نفس البلد أو بين الأشقاء في الوطن الواحد.
وللعولمة في الصراعات والنزاعات فوائد ومضار، من فوائدها مثلاً تدخل الدول ذات النفوذ لحل الخلافات أو سحب فتيل النزاع وتجنيب الناس ويلات الحرب، ومن مضارها أن ذات الدول تتدخل في أماكن أخرى لإذكاء نار الحرب وتصعيد النزاعات الداخلية لأهداف متنوعة.

- التبادل الثقافي حول العالم: الإنسان عدو ما يجهل، وقد ساهمت العولمة بشكل كبير بمحاربة جهل الإنسان بأخيه الإنسان الذي يبعد عنه آلاف الكيلومترات، بل أن العولمة ساهمت في تقريب وتصحيح وجهات النظر بين الشعوب التي تنتمي إلى دولة واحدة، وذلك أن العولمة أتاحت فرص الاتصال الشخصي والمعرفي بعيداً عن التصورات المسبقة والدعاية.

- إيجابيات العولمة على الدول النامية: استطاعت الدول النامية بفضل العولمة أن تستفيد من إنجازات الدول المتقدمة في المجالات الطبية والتكنولوجية والتعليمية، إلى جانب الاستثمارات الكبيرة التي قامت بها الدول المتقدمة للاستفادة من الثروات والخامات غير المستثمرة والتي انعكست بشكل مباشر على فرص العمل والنمو الاقتصادي في الدول النامية.
وجدير بنا هنا أن نكرر ما قلناه سابقاً؛ العالم المتقدم والدول العظمى تجني 80% من ثمار العولمة الإيجابية لأنها تقود العولمة وتخطط لها بطبيعة الحال، فيما تحصد الدول الفقيرة والنامية 80% من ويلات العولمة و20% من وفوائدها.
 

سلبيات العولمة

ما هي سلبيات العولمة؟ وهل تتأثر جميع الدول بسلبيات العولمة بالقدر نفسه؟ 
بالنسبة لمعظم الدول العربية والدول النامية والفقيرة فإن سلبيات العولمة لا تقل بأي حال من الأحوال عن إيجابيتها إن لم نقل أن سلبيات العولمة تطغى على إيجابيتها بشكل واضح، فبينما كان صراع العولمة في العالم المتقدم يتخذ شكلاً "بارداً" من خلال التكتلات والاتحادات المتقابلة والأزمات الدبلوماسية، كان الشرق الأوسط خصوصاً والدول النامية عموماً ساحة لمعارك العولمة الساخنة، وسنحاول أن نحيط بأبرز سلبيات العولمة في النقاط التالية[8],[9]:

سلبيات العولمة على الدول المتقدمة:
- يعتقد المنظّرون في الدول المتقدمة أن
تسلل الإرهاب إلى هذه الدول من أبرز سلبيات العولمة[8]، فيما تدافع الدول المتهمة بتصدير الإرهاب عن نفسها بالقول أن العولمة هي التي صنعت الإرهاب في دول العالم الثالث وكان من الطبيعي أن يطال مجتمعات العالم المتقدم بعض هذا الإرهاب.

- ومن سلبيات العولمة في الدول المتقدمة حصول المؤسسات والشركات على عمالة متعلمة وماهرة ورخيصة من دول أخرى، ما يهدد الاستقرار الوظيفي بصفة عامة، حيث يستطيع صاحب العمل اليوم التخلي عن خدمات أكثر موظفيه المحليين مهارة بسبب خطأ بسيط واستقدام موظف آخر  لا يقل مهارة وبأجر أدنى من أي مكان في العالم.

- كما تعتبر أزمة المهاجرين واللاجئين من الانعكاسات السلبية بالنسبة لبعض المجتمعات في الدول المتقدمة.

- وتشترك الدول النامية والدول المتقدمة بمجموعة من سلبيات العولمة، منها التقلبات المالية والاقتصادية التي قد تكون ناتجة عن سياسات خاطئة في دولة ما لكنها تنعكس بشكل كارثي على معظم دول العالم.

- أيضاً تحكُّم الإعلام بالرأي العام وقدرته على تدويل بعض القضايا وطمس أخرى وتغذية الصراعات تلبية لمصالح معينة، كذلك يعتبر انتشار الأنماط غير الصحية من الغذاء واحد من النتائج السلبية العالمية للعولمة.

سلبيات العولمة على الدول النامية: هي كثيرة وأبرزها:
1- الإرهاب أيضاً:
ليس المبحث الرئيسي لنا هو الإرهاب، لكن يمكن القول أن العولمة ساهمت بشكل كبير في تشكيل الجماعات الإرهابية المتطرفة حول العالم، فإذا نظرنا اليوم إلى المأساة في عالمنا العربي سنجد أن التنظيمات الإرهابية والتكفيرية لم تكن إلا جزءاً من الصراع بين الدول العظمى على النفوذ والتحكم بالعولمة!، يكفي أن نتذكر من التاريخ القريب أن تأسيس وتمويل تنظيم القاعدة -الذي يعتبر النسخة المبكرة من داعش- كان على يد الأمريكيين بمواجهة السوفييت في أفغانستان، أي جزءاً من صراع العولمة بين القطبين، كما سهلت الوسائل الحديثة في مختلف المجالات تجمُّع أصحاب الفكر المتشدد من شتى أصقاع الأرض. 
وبطبيعة الحال تدفع الدول الفقيرة والنامية الثمن الباهظ للإرهاب.

2- تنظر الدول المتقدمة إلى معظم الدول النامية كمنجم للمواد الخام الرخيصة والعمالة الرخيصة، ما جعل الكثير من الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات تنشئ مصانعها في دول فقيرة ونامية للحصول على الخامات الرخيصة وتوفير كلفة نقلها من جهة، والحصول على اليد العاملة الوفيرة والرخيصة من جهة أخرى، ثم تصدير السلع والمنتجات بكلف أقل للعالم المتقدم وللدول النامية.
نظرياً يستفيد سكان الدول النامية من فرص العمل التي تتيحها الاستثمارات الأجنبية، ويستفيدون أيضاً من المبادرات التي تقوم بها الشركات والحكومات لتطوير البنى التحتية في القطاعات المختلفة، لكن عملياً تتحمل الدول النامية أعباء كبيرة، منها مثلاً الأضرار البيئية، وتشغيل الأطفال، وتحكُّم الشركات متعددة الجنسيات والعابرة للقارات بالحياة السياسية في بعض هذه الدول، وغيرها من سلبيات العولمة الصناعية والتجارية.

3- تأثير العولمة على الثقافة والتراث في الدول النامية: من التأثيرات القاسية للعولمة في الدول النامية أيضاً تبني المجتمعات في هذه الدول لثقافات غريبة عنها دون أن تستطيع مجاراتها بشكل حقيقي، هذا لا يتعلق فقط بالموضة والأفكار وطريقة الكلام، وإنما يتعدى ذلك إلى الأحكام الاجتماعية والعرفية السائدة، وحدوث فجوة بين التشريعات القانونية المبنية على أسس عرفية وشرعية، وبين تطبيق هذه القوانين لأنها بربرية من وجهة نظر الغرب.
أضف إلى ذلك التأثير الواضح وذا الاتجاه الواحد على الإنتاج الإبداعي والثقافي في الدول النامية، حيث يحاول الكتاب والمخرجون والشعراء تبني الاتجاهات الثقافية السائدة في المجتمعات السائدة على حساب تطوير اتجاهاتهم الثقافية الأصيلة، فيهجرون ما لديهم ويتبنون ما تصدّره لهم المجتمعات المتقدمة، وإن كان ذلك مفيداً في مكان لكنه ضار في أكثر من مكان.

4- الحروب التي تخوضها الدول المتقدمة في الدول النامية: فعلياً أتاحت العولمة الفرصة أمام جيوش الدول المتقدمة لخوض حروبها مع خصومها في الدول النامية، حيث تنعم الدول المتقدمة بالهدوء فيما تخوض جيوشها حروباً طاحنة في الدول النامية والفقيرة، حروباً مباشرة وحروباً بالوكالة والنيابة، حروباً عسكرية واقتصادية وثقافية تدفع ثمنها شعوب الدول النامية.
 

الجدل حول العولمة المعاصرة

كي لا نطيل عليكم فإن الجدل حول العولمة المعاصرة محصور بنقطتين رئيسيتين:
- الأولى هي إدارة العولمة
، فإذا كانت العولمة تعني جعل النظام العالمي موحداً في المناحي المختلفة، من سيقود هذا التحوّل ومن سيفرض قالبه أو طريقته على من؟!!، هل سيقوم الأقوى بسحق وتدمير الثقافات الأخرى بهدف فرض ثقافته أو طريقته؟ وهل سيدفع العالم ثمن رعونة أفراد محدودين يقودون العالم بطريقتهم؟!.

- وأما الوجه الثاني أو نقطة الجدل الثانية حول العولمة هي تأثير العولمة المتباين على الدول، فتأثير الاستثمارات الصناعية التي تقوم بها الدول العظمى في الدول النامية يحمل في طياته الكثير من المخاطر على شعوب الدول الفقيرة والكثير من الأرباح للدول الغنية، وأول ما يخطر على البال أن هدفاً من أهداف نقل المصانع الكبرى إلى الدول النامية هو الحفاظ على بيئة الدول الغنية من التلوث والآثار المباشرة لهذا التلوث على السكان.
 

كتب ومراجع عن العولمة عربية ومترجمة

ملاحظة: مجرد تزويد المستخدمين بوسائل النسخ والنقل الرقمية لا يؤدي إلى تحمل مسؤولية قانونية بخصوص حقوق الطبع والنشر.
- العولمة، دكتور جلال أمين، رابط تحميل الكتاب.
- ما هي العولمة، أوليرش بك، رابط تحميل الكتاب.
- عولمة الفقر، ميشيل تشوسودوفسكي، رابط التحميل.
- صراع الحضارات بين عولمة غربية وبعث إسلامي، جعفر الشيخ ادريس، رابط التحميل.
- انهيار العولمة، دكتور رضا عبد السلام، رابط قراءة الكتاب.
- العالم مسطح The World Is Flat، توماس فريدمان، رابط الكتاب.

أخيراً.... العولمة من وجهة نظر بعض المفكرين هي استجابة لتطورات العصر وليست مؤامرة، بمعنى أن العولمة تتفاعل بشكل طبيعي نتيجة اتساع المعرفة والتبادل بين الشعوب والأمم وسهولة الوصول والتواصل التي تعتبر السمة الأبرز للعصر الحديث، وأما عن حصاد العولمة فهو حلو ومرّ، سليم ومنخور، مستساغ وشائك، حسب مكان الحاصد ومرونته بالاستجابة لمتطلبات العولمة.

المراجع والمصادر

[1] مقال "تعريف العولمة- موسوعة المذاهب الفكرية- الدرر السنية" منشور في dorar.net، تمت مراجعته في 7/11/2019.
[2] مقال "ما هي العولمة، وكيف شكَّل الاقتصاد العالمي الولايات المتحدة" منشور في piie.com، تمت مراجعته في 7/11/2019.
[3] مقال "العولمة" منشور في nationalgeographic.org، تمت مراجعته في 7/11/2019.
[4] مقال Anam Ahmed "ما هي الأنواع المختلفة من العولمة؟"، منشور في bizfluent.com، تمت مراجعته في 7/11/2019.
[5] مقال Rachel Fairhead "أشكال العولمة" منشور في tutor2u.net، تمت مراجعته في 7/11/2019.
[6] مقال John Williamson "العولمة: المفهوم والأسباب والنتائج" منشور في piie.com، تمت مراجعته في 7/11/2019.
[7] مقال شيماء عمر "5نتائج تترتب على انتشار العولمة" منشور في edarabia.com، تمت مراجعته في 7/11/2019.
[8] مقال "الآثار السلبية والإيجابية للعولمة" منشور في edusson.com، تمت مراجعته في 7/11/2019.
[9] مقال Nicolas A. Pologeorgis " كيف تؤثر العولمة على البلدان المتقدمة" منشور في investopedia.com، تمت مراجعته في 7/11/2019.