هل ينجح التعليم عن بعد؟ ميزات وعيوب الدراسة عن بعد

هل تنجح الدراسة عن بعد؟ ما هي سلبيات وإيجابيات التعليم عن بعد؟ وكيف تطورت تقنيات الدراسة عبر الانترنت؟ وكيف استجاب التعليم الإلكتروني لظروف الأزمات؟

شكّل دخول التقنيات الحديثة إلى مجال التعليم ثورة حقيقية في النظم التعليمية حول العالم، ليس فقط من حيث تسهيل التواصل بين المعلمين والأساتذة من جهة والطلاب من جهة أخرى؛ بل أيضاً بفتح المجال أمام الطلاب في المراحل الدراسية المختلفة للحصول على شهادات من جامعات مرموقة دون مغادرة منازلهم!.
لكن هل يمكن القول أن تجربة التعليم عن بعد قد نجحت؟ وهل ستحل الدراسة عبر الانترنت محل المدارس والجامعات التقليدية؟ ثم ما هي سلبيات وإيجابيات التعليم والدراسة عن بعد؟ وكيف كانت استجابة التعليم الإلكتروني خلال الأزمات مثل أزمة كورونا؟ هذه الأسئلة وغيرها نحاول أن نجد لها الإجابة خلال الفقرات القادمة.

التعليم عن بعد أو الدراسة عبر الانترنت بالمراسلة (Distance education or e-learning)، قد يبدو مفهوم التعليم عن بعد واضحاً ولا يحتاج إلى تفسير؛ لكن من المهم وضع تعريف بسيط لمبدأ التعليم عن بعد أو الدراسة عبر الانترنت، حيث يعتمد مبدأ التعليم عن بعد على عدم وجود اتصال مباشر وجهاً لوجه بين الطالب والمدرس، ويتم تصميم مناهج مخصصة تحقق الأهداف التعليمية دون الحاجة للتواصل المباشر أو حضور الفصول الدراسية.
تطوّر التعليم عن بعد مع تطور وسائل الاتصال حول العالم، وشهد قفزات كبيرة مع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وتطوّر شبكة الانترنت في العقدين الأخيرين، ومع ذلك ما زلت بعض الجامعات والمدارس تحدد صفوفاً دراسية رديفة للتعليم عبر الانترنت، يلتزم الطالب بحضورها كل فترة للتأكّد من حصوله على متطلبات الدراسة بشكل جيد.
في البداية كان التعليم عن بعد مخصّصاً للفئات التي لا تستطيع الالتزام بالصفوف الدراسية التقليدية لسبب أو لآخر، مثل الموظفين أو القاطنين في أماكن نائية، إضافة إلى طلاب الدراسات العليا الذين يحتاجون لاستكمال الدراسة دون أن يتعارض ذلك مع حياتهم العلمية[1].
لكن مع انتشار التعليم عن بعد أصبحت الفئات التي تلجأ للجامعات الافتراضية والمدارس عبر الانترنت أوسع، تشمل الطلاب العاديين المنتظمين في الجامعات أو المدراس، والراغبين بالحصول على شهادة من جامعة معينة توفر فرصة التعليم عن بعد، أو حتى الذين لم يستطيعوا تحقيق متطلبات الدراسة في الجامعات التقليدية.

غيّر التعليم عن بعد مفهوم الدراسة والتعليم بشكل كبير، وتبنّت مجموعة من الجامعات حول العالم نظريات التعليم الافتراضي والدراسة عن بعد ودعمتها، ويمكن تحديد أبرز خصائص وإيجابيات الدراسة عبر الانترنت والتعليم الإلكتروني كالآتي:

  1. التعليم عن بعد يتم من خلال مؤسسات معتمدة تقوم بإعداد مناهج خاصة، وهذا ما يميّز التعليم عن بعد المنظّم والأكاديمي عن خضوعك لدورة تدريبية من خلال مشاهدة مقاطع يوتيوب مثلاً، وعادةً ما تعترف الجهات المختلفة بشهادات التعليم الافتراضي بنفس درجة الشهادات التي تقدمها الجهة ذاتها في التعليم التقليدي[1]، مع وجود بعض الصعوبات التي نذكرها في فقرة سلبيات التعليم الافتراضي.
  2. يتيح التعليم عن بعد الدراسة في الخارج دون مغادرة المنزل، حيث يمكن للطالب الحصول على ماجستير في علم النفس من جامعة أمريكية عريقة دون أن يغادر بلاده أو حتى مدينته، موفَراً تكاليف السفر ومتجاوزاً مصاعب الفيزا والحدود.
  3. في السياق نفسه تسهّل الدراسة عبر الانترنت على الطلاب والمعلمين مشقات التنقل، ما يقلل الجهد ويوفر الوقت ويتيح المجال للطلاب والمعلمين التحكم بالوقت أكثر.
  4. تعتبر المرونة في التعليم عن بعد من أهم مميزات الدراسة عبر الانترنت، هذه المرونة التي تساعد الطالب على تحديد مواعيد المحاضرات وفق جدوله اليومي، وتنظيم وقت الدراسة وأداء الواجبات وحتى الامتحانات بنفسه، إضافة إلى أن معظم الجامعات الافتراضية تتيح للطلاب تحديد فترة الدراسة الكلية ضمن إطار مرن، ما يعني أن بعض الطلاب قد ينهون متطلبات الشهادة النهائية في سنتين، فيما سيحتاج آخرون إلى خمس سنوات[2].
  5. يعتبر التعليم عن بعد عبر الانترنت هو الفرصة الأفضل للموظفين، للمنقطعين عن الدراسة، ولطلاب الدراسات العليا الذين يرغبون ببدء حياتهم العملية وكسب المال دون الانقطاع عن التحصيل العلمي، كذلك للأشخاص الذين يطمحون لاختصاصات غير موجودة في بلدهم، أو للحصول على شهادات علمية من جامعات ذات سمعة ممتازة على مستوى العالم.
  6. قد يكون التعليم عن بعد أقل تكلفة من الدراسة التقليدية، ربما لا يشعر الطلاب الذين تتاح لهم فرصة التعليم المجاني في دولهم بهذه الميزة، لكن على وجه العموم ستكون تكلفة الحصول على شهادة جامعية من دولة أخرى عبر الانترنت أقل من تكاليف السفر والإقامة والدراسة في نفس الجامعة بالطريقة التقليدية[2]، وقد تكون أقل من تكاليف الدراسة بجامعة خاصة تقليدية في البلد نفسه.
  7. يلجأ الطلاب والمعلمون في التعليم الافتراضي إلى إنشاء مجتمع مصغّر يجمعهم معاً على شبكة الانترنت، يكون مساحة للنقاش وتبادل المعلومات، ونشر المراجع والكتب وما إلى ذلك، ما يجعل هذه المجتمعات على فيسبوك أو واتساب أو يوتيوب؛ أشبه بصفٍّ دراسي على الانترنت.
  8. أضف إلى ذلك أن التعليم عن بعد يمنح الطالب خبرة إضافية بالتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، وتتبع تطور وسائل التكنولوجيا الأكثر حداثة والتي تلجأ إليها الجامعات الافتراضية لجعل التعليم عن بعد أسهل[3].

يوماً بعد يوم يقترب التعليم عبر الانترنت من تحقيق كافة مميزات التعليم التقليدي، فبعض المآخذ التي كانت تحاصر التعليم عن بعد منذ عقدين؛ تبددت مع وجود أساليب متطورة وحديثة للتواصل وتبادل المعلومات، كما أن الإقبال المتزايد على التعليم الإلكتروني يعتبر سبباً مباشراً بتطوّر هذا المجال، بل ومزاحمته للتعليم التقليدي.

بطبيعة الحال هناك مجموعة من الجوانب السلبية أو عيوب التعليم عن بعد، ويمكن تلخيصها كالآتي:

  1. موثوقية شهادات التعليم عن بعد عبر الانترنت والتي تعتبر من أكبر التحديات التي تواجه طلاب الجامعات الافتراضية، ويعود ذلك إلى انتشار الجامعات المزيفة والشهادات الوهمية التي يمكن شراؤها من الانترنت، هذا قد ينعكس على فرص الطالب بالوصول إلى سوق العمل وتثبيت درجته العليمة التي حصل عليها بالمراسلة[3].
  2. صعوبة اختيار البرامج الدراسية الجيدة، حيث يعتمد التعليم التقليدي على الوضوح في طرح برامجه الدراسية وعلى سمعة المؤسسة التعليمية، فيما تميل مؤسسات التعليم عن بعد إلى أسلوب تسويقي قد يكون مخادعاً وجذاباً لكنه غير ذي جدوى، ما يجعل الطلاب يقعون أحياناً في فخ المؤسسات التعليمية الاحتيالية على الانترنت، أو حتى اختيار برامج غير ملائمة تحت تأثير الدعاية[2].
  3. المتطلبات الخاصة للتعليم عن بعد، مثل توفر اتصال قوي ومستقر بشبكة الانترنت -وهو ما قد يكون عسيراً في بعض الدول والمناطق- إلى جانب حاجة الطالب لمهارات إضافية باستخدام الكومبيوتر والوسائل التقنية المختلفة، وقد يكون عمل الطالب مهدداً أحياناً بهجوم الكتروني أو حتى بتلف جهازه الخاص، ما يستدعي منه أيضاً فهم آليات الحماية الالكترونية والنسخ الاحتياطي.
  4. الوقوع بفخ الحرية بالتعليم ومرونة الوقت، فإن كانت إحدى ميزات التعليم عن بعد هي المرونة؛ ستنعكس هذه الميزة إلى واحد من عيوب التعليم الإلكتروني، وهو الإغراء بالتأجيل والمماطلة لعدم وجود ضغط المساءلة الذي نختبره في التعليم التقليدي.
  5. غياب التفاعل مع الطلاب والأساتذة أيضاً من العيوب البارزة للتعليم بالمراسلة عبر الإنترنت، حيث يحرمك التعليم عن بعد من التفاعل المباشر مع الأستاذ ومن النقاشات التي تجري في الصفوف الدراسية أو بعدها، وعلى الرغم من محاولة محاكاة الفصول الدراسية المشتركة في بعض البرامج الدراسية عن بعد؛ إلا أن هذا العيب قد يجعل الكثيرين غير راغبين بالتعلُّم عبر الانترنت.
  6. في سياق متصل سيفقدك التعليم عن بعد الحياة الجامعية، خاصّة إذا كنت من طلاب المرحلة الجامعية الأولى الذين لم يتسنى لهم خوض تجربة الجامعة التقليدية، والتي تعتبر من أكثر التجارب تميزاً في مسيرتك الدراسية وربما في حياتك بأسرها!. هذا يشمل أيضاً حرمان الطالب من تطوير مواهبه غير المتعلقة بالدراسة، مثل الرياضة أو الفنون أو غيرها من الأنشطة التي توفرها الجامعات التقليدية.
  7. التعليم عن بعد أقل تحفيزية للطلاب، حيث يؤدي ما ذكرناه سابقاً إلى انخفاض حوافز الطالب وشعوره بالعزلة، كما أن المنافسة التي تعتبر جزءاً مهماً من التعليم تنخفض إلى أدنى مستوياتها في التعليم عن بعد.

ما زلنا نتحدث عن عيوب الدراسة بالمراسلة أو الدراسة عبر الانترنت، وربما يكون تفاعل سوق العمل مع حملة شهادات؛ التعليم عن بعد من أبرز هذه العيوب وأكثرها إثارةً للقلق.
المعضلة الأولى التي تواجه حملة شهادة التعليم عن بعد هي السمعة السيئة للجامعات الافتراضية، ما يجعل أصحاب المؤسسات الخاصة بل وحتى المؤسسات الحكومية غير مرتاحة لتوظيف من يحمل شهادة من الانترنت، وقد أجرت بعض الدول إعادة نظر شاملة في العاملين الذين يحملون شهادات التعليم عن بعد لتجد الكثير من حملة الشهادات المزيفة، ما دفعها إلى إعادة النظر بحملة شهادات التعليم عن بعد وإمكانية الاعتماد عليهم في سوق العمل[4].
وقد انعكست هذه الممارسات الاحتيالية للمؤسسات التعليمية الوهمية على التعليم عن بعد بالمجمل، فحتى الجهات المعتمدة التي تقدم التعليم الإلكتروني يواجه خريجوها مشكلة بالدخول إلى سوق العمل.

وبالعودة لإيجابيات الدراسة عن بعد؛ تزامن إعداد هذا المقال مع ظروف انتشار وباء كورونا المستجد كوفيد-19، حيث تحوّلت معظم مؤسسات التعليم التقليدي إلى التعليم عبر الانترنت كوسيلة للحد من انتشار كورونا دون توقف العملية التعليمية في المراحل المختلقة.

وفي استبيان طرحه موقع حِلّوها على صفحته الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي تويتر حول نجاح تجربة التعليم عن بعد في المدارس والجامعات؛ أجاب نحو 70% من المشاركين أن تجربة التعليم عن بعد لم تنجح، بعضهم عزى ذلك لعدم توافر متطلبات التعليم عن بعد لدى جميع الطلاب مثل شبكة الانترنت، أو حتى أجهزة الكومبيوتر، وبعضهم يعتقد أن التجربة ستفشل لأن الطلاب غير مستعدين لها ولا يمتلكون المعرفة اللازمة بمفهوم أو تقنيات التعليم عن بعد.

  1. بلغت قيمة السوق العالمي للدراسة عبر الانترنت والتعليم عن بعد 107 مليار دولار أمريكي عام 2015، ويتوقع المراقبون أن تصل قيمة سوق التعليم عن بعد حول العالم إلى 325 مليار دولار أمريكي بحلول 2025، ويسجل نمو قطاع التعليم الإلكتروني 900% منذ عام 2000.
  2. حاجة الموظفين والطلاب للانخراط في "التعليم مدى الحياة" تعتبر من الأسباب الرئيسية لنمو سوق التعليم عن بعد، كما أن جزء كبير من نمو سوق الدراسة الإلكترونية يأتي من الدول النامية.
  3. في الولايات المتحدة الأمريكية استعانت 77% من الشركات بتقنيات التعليم الإلكتروني في تطوير مهارات الموظفين، وذلك حتى عام 2017.
  4. يعتقد أن التعليم الالكتروني المصغّر للموظفين والذي يتناول جزئيات محددة؛ قد يكون كفيلاً بزيادة إيرادات الموظف بنسبة 218%، وذلك إذا خصص الموظف ما نسبته 1% فقط من وقت العمل الأسبوعي للتدريب والتعلم عبر الانترنت، كما أن أصحاب الشركات الذين ينفقون 1500$ بالمتوسط لتدريب الموظف الواحد، يحققون تحسن بهامش الأرباح يصل إلى 24%، وتعتقد 72% من المؤسسات أن التعليم الالكتروني يضعها في ميزة تنافسية.
  5. بعد مرور 21 عاماً تقريباً على تبلور مفهوم التعليم الإلكتروني؛ 43% من الطلاب الأمريكيين يعتقدون أن التعليم عن بعد مفيد جداً، وأكثر من 65% من أعضاء هيئة التدريس يدعمون تقنيات التعليم عن بعد، كما بدأت حوالي 67% من مؤسسات التعليم الإلكتروني تقدم برامج التعليم عبر الهاتف المحمول.
  6. يعتقد أن التعليم الإلكتروني أكثر فاعلية بكثير من التعليم التقليدي خاصة لتدريب وتطوير الموظفين، حيث أجرت شركة IBM دراسة صغيرة لترصد فاعلية الدورات الإلكترونية التي يخضع لها الموظفون، لتجد أن فاعلية الساعة الدراسية الواحدة في التعليم عن بعد تعادل خمس ساعات من التعليم التقليدي، ما يعني توفير تكاليف التدريب بشكل كبير[5].
  1. قبل كل شيء يجب أن يقوم الطالب بمفاضلة حكيمة بين التعليم الالكتروني والدراسة عن بعد من جهة، وبين التعليم التقليدي من جهة أحرى، وذلك بناءً على مجموعة السلبيات والإيجابيات لكل منهما، وبناءً على مدى قدرة الطالب نفسه على الاستفادة من التعليم الإلكتروني وضبط الوقت ومدى حاجته إلى هذا النوع من التعليم.
  2. يجب أن تبحث عن مؤسسة معتمدة، لا تكن كسولاً في تقصي تاريخ المؤسسة التعليمية أو الجامعة الافتراضية قبل التسجيل والبدء بتلقي الدروس، هناك مئات الجامعات الوهمية والمعاهد الاحتيالية على الانترنت، وعشرات المؤسسات التي تقدم إعلانات تسويقية غير دقيقة حول ترتيبها وجودة نظامها التعليمي.
  3. اختر البرنامج الدراسي بعناية، فمن مميزات التعليم عن بعد أنه يوفّر دورات تدريبية مصغرة تستهدف تطوير مهارات الطالب في جزء معين من الاختصاص، إلى جانب البرامج الموسّعة التي تعطيك شهادات الدرجة العليمة، يجب أن تحدد أولوياتك وتختار البرنامج الدراسي بروية وحكمة.
  4. ضع في عين الاعتبار أن تنظيم الوقت هو الأولوية في التعليم عن بعد، يجب أن تكون حكيماً في تحديد الوقت والتوقيت، وألا تقع تحت تأثير المرونة بحيث تتحول لإهمال وتسويف.
  5. حاول أن تنضمّ إلى مجتمع المتعلمين في الجامعة نفسها أو الذين يتلقون الكورس نفسه، ذلك سيساعدك على بناء تواصل افتراضي مفيد مع الطلاب ومع الأساتذة ويخفف من عزلة التعليم الإلكتروني.
  6. لا تتردد بطلب المساعدة من المتخصصين بالتدريب والتطوير المهني والذاتي، سيساعدك ذلك بتنظيم مرحلة الدراسة عن بعد وتحقيق الفائدة المرجوة من تجربة التعليم الإلكتروني، انقر هنا للحصول على المساعدة.

المصادر و المراجعadd