مهارات التفكير الناقد وتنمية التفكير الناقد

مفهوم وتعريف التفكير الناقد، ما هي مهارات التفكير الناقد؟ وما هي مراحل التفكير الناقد؟ أهمية وفوائد التفكير الناقد، وكيفية تنمية مهارات التفكير الناقد

مهارات التفكير الناقد وتنمية التفكير الناقد

مهارات التفكير الناقد وتنمية التفكير الناقد

ما رأيك أن تكون حياتك سلسلة تحقيقات، كما هي شخصية المحقق الخيالي شارلوك هولمز؟ هل ستؤيده عندما قال بما معناه: "عندما تستبعد المستحيل؛ كل ما يتبقى هو الحقيقة، مهما كانت بعيدة الاحتمال"، إنه سيد جمع الحكايات من الحقائق والبيانات، ومن مصادر مختلفة من أجل حل اللغز والوصول إلى الجاني في الجريمة، هل تريد على الأقل أن تصبح سيد الحلول؟ ولن تخوض في تحقيقات الجرائم بكل تأكيد! لكن أن تكون حلال المشكلات عن طريق المنطق والاستدلال والاستنباط.
إذاً تعرف في هذا المقال.. أهمية التفكير الناقد، ومهارات التفكير الناقد، ومراحل تطور التفكير الناقد، والفوائد التي يمنحها التفكير الناقد. 

ما هو مفهوم التفكير الناقد؟
يشير التفكير النقدي إلى القدرة على تحليل المعلومات بموضوعية، وإصدار حكم منطقي يتضمن تقييم المصادر، مثل البيانات ونتائج البحوث والحقائق والظواهر التي يمكن ملاحظتها، بحيث يمكنك كمفكر ناقد؛ استخلاص استنتاجات معقولة بعد الاطلاع على مجموعة من المعلومات، والتمييز بين التفاصيل المفيدة والأقل فائدة لحل المشكلات أو اتخاذ القرارات [1].
ويقدر أصحاب العمل مهارات التفكير النقدي؛ بحيث يريد أرباب العمل المرشحين للمنصب الوظيفي الذين يمكنهم تقييم الموقف ومشكلات العمل؛ باستخدام التفكير المنطقي وتقديم أفضل الحلول، لذا يمكن الوثوق بشخص يتمتع بمهارات التفكير الناقد لاتخاذ القرارات بشكل مستقل، ولن يحتاج إلى مراقبة مستمرة من قبل الإدارة.

تعد قدرات التفكير النقدي من بين أكثر المهارات المطلوبة في كل صناعة ومكان عمل تقريباً، حيث يمكنك إظهار مهارات التفكير النقدي باستخدام الكلمات الرئيسية ذات الصلة في سيرتك الذاتية وأثناء مقابلة العمل.
يُعتقد أن أول مرة تم توثيق التفكير النقدي فيها؛ كانت في تعاليم سقراط والتي سجلها أفلاطون، ولكن عبر التاريخ تغير تعريف التفكير الناقد، حيث يعرفه الفلاسفة وعلماء النفس اليوم بشكل أفضل (وهو مفهوم معقد جداً)، وهذه بعض التعريفات الحديثة للتفكير الناقد ببساطة [2]:

  • التفكير المعقول الذي يركز على تقرير ما يؤمن به الشخص أو يفعله.
  • تقرير ما هو صحيح، وما يجب عليك فعله.

ما هي أهمية التفكير الناقد؟
تؤثر القرارات التي تتخذها على جودة حياتك، وإذا كنت ترغب بعيش حياة أفضل وأكثر نجاحاً وسعادة، ستحتاج إلى اتخاذ خيارات واعية، بحيث يمكنك القيام بذلك من خلال التفكير الناقد، وتكمن أهمية التفكير الناقد في دواعي وأسباب وضرورة امتلاكه [2]:

  • التفكير النقدي عالمي: مهما كان مجال تخصصك أو عملك، فإن مهارات التفكير الناقد ستكون ذات صلة بتميزك ونجاحك.
  • التفكير الناقد حاسم للاقتصاد: يعتمد مستقبلنا على التكنولوجيا والمعلومات والابتكار، وهناك حاجة إلى التفكير النقدي لاقتصادات سريعة النمو، ولحل المشاكل بأسرع ما يمكن وبفعالية كبيرة.
  • يحسن التفكير النقدي مهاراتك اللغوية: من أجل التعبير عن نفسك بشكل أفضل، أنت تحتاج إلى معرفة كيفية التفكير بوضوح ومنهجية، أي ممارسة وتطوير مهارات التفكير النقدي، الذي يعني أيضاً "تحسين قدرتك على فهم الآخرين أولاً".
  • يعزز التفكير الناقد الإبداع: وهذا من أهم فوائد التفكير النقدي أيضاً، بحيث تستطيع ليس حل المشكلات فحسب، لكن الخروج بأفكار جديدة ومبتكرة للقيام بذلك، كما يسمح التفكير النقدي بتحليل هذه الأفكار الجديدة وتعديلها.
  • التفكير الناقد أداة للوعي الذاتي: يوفر التفكير النقدي الأدوات لتقييم نفسك بالطريقة التي تحتاجها، فبدون تفكير نقدي.. كيف يمكنك أن تعيش حياة ذات معنى؟!
  • التفكير النقدي أساس للعلم والديمقراطية: نحن بحاجة إلى التفكير النقدي في هذا العالم، بحيث يجب دعم النظريات بالمعرفة، ويحتاج البشر إلى تكوين آراء حول ما هو الصواب والخطأ باستخدام التفكير الناقد أيضاً.

الفوائد التي تحملها مهارات التفكير الناقد
تنبع الفوائد من أهمية التفكير الناقد على مستوى الفرد والمجتمع والعالم، ويعود تمجيد فوائد التفكير النقدي إلى آلاف السنين.. فما الذي يجعل مهارات التفكير الناقد ذات فوائد مهمة؟ وما هي الطرق التي يفيد من خلالها التفكير النقدي؟ أهم فوائد مهارات التفكير الناقد هي [3]:

  • يشجع التفكير النقدي الفضول: المفكرون الناقدون لا يأخذون أي شيء من ظاهره، ولا يتوقفون عن طرح الأسئلة أبداً، ويستمتعون باستكشاف جميع الجوانب في أي قضية والحقائق العميقة التي تختبئ في جميع أنماط المعلومات، من خلال طرح أسئلة أبسطها: ماذا يحدث؟ ماذا أرى؟ لماذا هو مهم؟ من يتأثر بهذا؟ ماذا ينقصني؟ ما هو المخفي ولماذا هو مهم؟ من أين جاء هذا؟ كيف أعرف بالتأكيد؟ من يقول هذا؟ لماذا أستمع لهذا الشخص؟ ماذا يمكنهم أن يعلموني؟ ماذا يجب أن أفكر؟ ماذا لو …؟ لما لا؟
  • يعزز التفكير الناقد القدرة على حل المشكلات: تستمر التحديات في التغيير والنمو مع تغير العالم من حولنا، فإن أفضل العقول القادرة على حلها؛ ستكون تلك المستعدة للتفكير بشكل خلاق ومتنوع، لإنتاج حلول مبتكرة ودائمة.
  • التفكير النقدي يشمل مجموعة واسعة من القواعد: وزراعة مجموعة واسعة من المهارات المعرفية، حيث يعزز التفكير النقدي تطوير العديد من المهارات منها: المهارات المنطقية، التفكير التحليلي، مهارات التقييم والتنظيم والتخطيط واللغة، كذلك القدرة على التأمل الذاتي والانفتاح، بالإضافة إلى القدرة على اتخاذ القرار.
  • يعزز التفكير الناقد الاستقلالية: عندما نفكر بشكل نقدي، يكون تفكيرنا ذاتي التوجيه ومنظم ومن ثم نمتلك عقلية تصحح نفسها، بمعنى أن قدرات التفكير الاستباقية القوية؛ تصبح طبيعة لدينا بينما نواصل تطويرها من خلال التعلم والخبرة.
  • التفكير النقدي مهارة لعيش الحياة: بحيث لا تقتصر فوائد التفكير الناقد على التعلم فحسب، من مبدأ "التعليم ليس إعداداً للحياة، التعليم هو الحياة نفسها".

مراحل تطوير التفكير الناقد
حدد الباحثون مراحل ومستويات التفكير الناقد، ويمكن لنظرية تطور مراحل التفكير النقدي، التي ابتكرها عالما النفس ليندا إلدر (Linda Elder) وريتشارد بول (Richard Paul)؛ أن تساعد في قياس مدى تعقيد طريقة تفكير البشر الحالية، وهذه هي مراحل التفكير الناقد، بحيث يمكنك أن تتعرف على المرحلة التي يتطور تفكيرك خلالها الآن [4]:

  1. المفكر غير الانعكاسي (The Unreflective Thinker): حيث لا يعرف المرء في هذه المرحلة تقييم وتحليل تفكيره وتأثيره على حياته، ويشمل ذلك من يشكلون الآراء ويتخذون القرارات بناءً على التحيزات المعرفية والمفاهيم الخاطئة بينما لا يتحسن تفكيرهم، ويفتقرون إلى المهارات الحاسمة التي تسمح لهم بتحليل ما يفكرون به، والتي لا تطبق معايير مثل الدقة والملاءمة والمنطق، ويمكن أن تعرف هؤلاء الناس من خلال تعليقاتهم على وسائل التواصل الاجتماعي، كما أنه من الممكن للطلاب أن يتخرجوا من المدرسة الثانوية أو حتى من الجامعة وهم مفكرين غير انعكاسيين إلى حدّ ما!
  2. المفكر المتحدي (The Challenged Thinker): يبدأ الناس في هذه المرحلة الفكرية في فهم أن التفكير عالي الجودة يتطلب تفكيراً تأملياً، ويمكنهم الاعتراف بأن طريقة تفكيرهم فيها العديد من العيوب! ومع ذلك قد لا يتمكنون من تحديد جميع هذه العيوب، وقد يكون لدى المفكر المتحدي شعور بأن التفكير القوي يتضمن التنقل في الافتراضات والاستدلالات ووجهات النظر، ولكن هذا على المستوى النظري فقط، كما قد يتمكن من اكتشاف بعض حالات الخداع الذاتي والانحياز المعرفي لديه، ويواجه صعوبة في "عدم الثقة بأن تفكيره أفضل مما هو عليه في الواقع، مما يجعل من الصعب عليه التعرف على المشكلات والعيوب المتأصلة في طريقة تفكيره".
  3. المفكر المبادر (The Beginning Thinker): يمكن للمفكر في هذا المستوى تجاوز التواضع الفكري ثم التطلع للسيطرة على تفكيره خلال مجالات حياته، بحيث يعرف إمكانية واحتمال أن يكون لتفكيره نقاط عمياء ومشاكل وعيوب، ويتخذ خطوات لمعالجتها ولكن بقدرة محدودة، فتصبح قيمة العقل أكبر من الوعي الذاتي، وقد يكون المفكر المبادر قادر على انتقاد المفاهيم والتحيزات المعرفية الكامنة وراء أفكاره، مع تطوير معايير داخلية أعلى للوضوح والمنطق، والقدرة على اتخاذ القرارات.
  4. المفكر النشط (The Practicing Thinker): هذا النوع من المفكرين الأكثر خبرة لا يقدّر فقط أوجه القصور والعيوب لديه، بل يمتلك مهارات التعامل معها، وسوف يمارس المفكر في هذا المستوى من التفكير الناقد؛ عادات تفكير أفضل وسيحلل عملياته العقلية بشكل منتظم، وفي حين أنه قد يكون قادراً على التعبير عن نقاط قوة وضعف تفكيره، قد لا يكون لديه طريقة منهجية لأفكاره ويمكن أن يقع فريسة للتفكير الأناني والخداع الذاتي القائم على التحيز المعرفي، ويمكنك أن تصل إلى مرحلة المفكر الناقد النشط، من خلال اكتساب مهارة "المثابرة الفكرية"، بالتالي تولي قيادة تفكيرك!
  5. المفكر المتقدم (The Advanced Thinker): سيكون لدى هذا المفكر الناقد (الأعلى مستوى)؛ عادات قوية تسمح له بتحليل تفكيره مع نظرة ثاقبة لمجالات الحياة المختلفة، كما سيكون منصفاً وقادراً على اكتشاف العيوب في وجهات نظر الآخرين وعيوب تفكيرهم أيضاً، لديه القدرة على التعامل الجيد مع دور (الأنا) في التأثير على أفكاره، ومرتاح مع النقد الذاتي ويتطلع إلى التحسن.. متمتعاً بمهارات؛ "البصيرة الفكرية" لتطوير عادات فكرية جديدة، و"النزاهة الفكرية" من أجل التعرف على مجالات التناقض والتعارض مع الآخرين، كذلك "التعاطف الفكري" لوضع نفسه في مكان الآخرين من أجل فهمهم بصدق، بالإضافة إلى "الشجاعة الفكرية" لمواجهة الأفكار والمعتقدات، التي لا يؤمن بها أو لديه مشاعر سلبية تجاهها.
  6. المفكر السيد (The Master Thinker): المفكر الأعلى الذي يتحكم بكيفية معالجة المعلومات واتخاذ القرارات، ويسعى هؤلاء الأشخاص باستمرار إلى تحسين مهاراتهم الفكرية، ومن خلال التجربة يطورون تفكيرهم بانتظام إلى مستوى الإدراك الواعي، فيحقق المفكر السيد؛ رؤى عظيمة في المستويات العقلية العميقة، بحيث يلتزم بالعدل والإنصاف والسيطرة على الأنانية والإيغو (الأنا) لديه، كما يُظهر معرفة عملية دقيقة، ويعيد فحص افتراضاته بحثاً عن نقاط الضعف والتحيزات المعرفية لديه، وأخيراً.. لن ينزعج من المواجهة الفكرية ولن يقضي الوقت في تحليل ردوده.

ما هي مهارات التفكير الناقد؟
عند استخدامك مهارات التفكير النقدي، سوف تقوم بفرز وتنظيم الحقائق والبيانات والمعلومات الأخرى، لتحديد المشكلة وتطوير حلول فعالة، وهناك العديد من مهارات التفكير النقدي، فيما يلي بعض الأمثلة على ذلك [5]:

  • مهارة الملاحظة والمراقبة: وهي نقطة البداية للتفكير النقدي، يمكن للأشخاص الملتزمين الشعور بسرعة وتحديد مشكلة جديدة، وأولئك قادرون على فهم سبب وجود مشكلة في الأصل، وقد يكونون قادرين على التنبؤ بوقت حدوث المشكلة قبل حدوثها بناءً على خبرتهم.
  • مهارة التحليل: بمجرد تحديد المشكلة، تصبح مهارات التحليل ضرورية.. بحيث تتضمن؛ القدرة على تحليل الموقف ومعرفة الحقائق أو البيانات أو المعلومات حول المشكلة، فالتحليل مهارة أساسية لحل المشكلة في نهاية الأمر.
  • مهارة الاستدلال: هو مهارة تنطوي على استخلاص استنتاجات حول المعلومات، التي تجمعها وقد تتطلب منك امتلاك المعرفة أو الخبرة الفنية أو الخاصة بمجال ما، وعندما تستنتج معلومات حول موقف ما، فهذا يعني أنك تطور إجابات بناءً على معلومات محدودة، على سبيل المثال قد يحتاج ميكانيكي السيارة إلى استخدام مهارات الاستدلال لتحديد سبب توقف محرك السيارة لأسباب تبدو غير منطقي.
  • مهارة التواصل: مهارات الاتصال مهمة عندما يحين الوقت لشرح ومناقشة القضايا والحلول الممكنة لها مع الزملاء وأصحاب العلاقة الآخرين، يعد التواصل مهارة مهمة يجب امتلاكها وتحسينها لأغراض عديدة في العمل، بما في ذلك التفكير النقدي.
  • مهارة حل المشكلات: بعد تحديد المشكلة وتحليلها ومناقشة الحلول الممكنة، فإن الخطوة الأخيرة هي تنفيذ الحل، ويتطلب حل المشكلات تفكيراً نقدياً لتنفيذ أفضل، وفهم ما إذا كان الحل يعمل من حيث صلته بالهدف أم لا.

في النهاية.. التفكير الناقد هو القدرة على رؤية العالم من منظور أكثر موضوعية وليس من وجهة نظر أشخاص آخرين، وذلك من خلال جمع الحقائق والبيانات والمعلومات من مصادر مختلفة، من أجل حل المشكلات أو تحقيق النتائج المرجوة في عمل أو موقف ما أو اتخاذ قرارات سليمة ومستنيرة، ما هي آخر القرارات السليمة التي اتخذتها في حياتك على أساس التفكير الناقد؟ شاركنا رأيك من خلال التعليقات.

المصادر و المراجعadd