تأثير المخدرات على الدماغ والجهاز العصبي

تأثير المخدرات على الجهاز العصبي وأضرار المخدرات على الدماغ، كيف تعمل المخدرات على تغيير بنية الدماغ وهل يمكن علاج أضرار المخدرات على الجهاز العصبي؟

تأثير المخدرات على الدماغ والجهاز العصبي

تأثير المخدرات على الدماغ والجهاز العصبي

تعتمد آلية عمل المخدرات على تغيير طريقة عمل الدماغ والأعصاب لإحداث حالة استثنائية وغير طبيعية من المتعة أو النشاط أو الاسترخاء، وعلى الرغم أن تعاطي المخدرات لمرة واحدة أو مرتين قد لا يسبب أضراراً جسيمة في الدماغ والجهاز العصبي؛ إلّا أن تداخل عمل المخدرات مع شبكة الرسائل العصبية هو ما يجعل التوقف عن تعاطي المخدرات صعباً بعد أول مرة، ما يجعل الأضرار الناجمة عن المخدرات على الجهاز العصبي أمراً حتمياً.

animate

لفهم تأثير المخدرات على الجهاز العصبي للإنسان لا بد من فهم النظام العصبي وآلية علمه، يتكون الجهاز العصبي من قسمين رئيسيين:

  1. الجهاز العصبي المركزي CNS والذي يتألف من الدماغ المحرّك الأساسي للجهاز العصبي، والنخاع الشوكي المسؤول عن نقل الإشارات.
  2. الجهاز العصبي المحيطي PNS وهو شبكة أعصاب تتفرع من النخاع الشوكي إلى باقي أجزاء الجسد، والذي ينقسم بدوره إلى الجهاز العصبي الحسي المرتبط بالأعصاب الإرادية مثل الأعصاب المسؤولة عن تحريك العضلات الهيكلية، والجهاز العصبي اللاإرادي المسؤول عن الحركات والاستجابات اللاإرادية أو القرب-ودية مثل التنفس وضربات القلب.

يتأثر الجهاز العصبي بالمخدرات كنوع من المرونة العصبية، والمرونة العصبية Neuroplasticity هي قدرة الدماغ على تعديل طريقة العمل والاستجابة وفق التجارب التي يمر بها الإنسان، جزء من تأثير المخدرات على الدماغ والجهاز العصبي يكون مباشراً عبر التدخل بسرعة وكثافة وانتظام نقل الرسائل والإشارات العصبية من وإلى الدماغ، والجزء الآخر يكون طويل الأمد من خلال تغيير آلية عمل الدماغ بشكل جذري استجابةً للمرونة العصبية، إضافة إلى الآثار الأخطر الناتجة عن تلف الخلايا العصبية وخلايا الدماغ نتيجة التعاطي المفرط والمستمر للمواد المخدرة.

ويتم تحديد تأثير المخدرات على الجهاز العصبي بثلاثة أنماط أساسية هي ذاتها الأصناف التي تنطوي تحتها أنواع المخدرات:

  1. تنشيط وتنبيه الجهاز العصبي: حيث تسبب المنشطات والمنبهات تسريع الإشارات العصبية وتغيير بنيتها وإفراز أنواع معينة من الهرمونات بشكل كبير وغير اعتيادي مثل الدوبامين، وعادة ما تتمثل آثار العقاقير المنشطة بحالة من السعادة المفرطة والشعور بالقوة والاندفاع، مثل الكوكايين، الهيروين، الأمفيتامين.
  2. تثبيط الجهاز العصبي: تعمل المثبطات عكس المنشطات، حيث تعرقل الاتصال العصبي والرسائل العصبية وتمنع انغلاق الإشارات العصبية، وتؤدي لحالة من الاسترخاء والهدوء، مثل الكحول.
  3. تشويه الإشارات العصبية "الهلوسة": الأدوية المهلوسة تعمل على تشويه الرسائل والإشارات العصبية مما يسبب ارتباكاً في الدماغ، وهلوسات سمعية وبصرية وإدراكية.

تحدد الدراسات بعض المناطق الأساسية في الدماغ -رأس الجهاز العصبي- التي تتفاعل مع المخدرات والأدوية النفسية، وينعكس هذا التفاعل على الوظائف المرتبطة بتلك المناطق من الدماغ، وأهم المناطق الدماغية المتأثرة بتعاطي المخدرات:

  1. النوى القاعدية Basal Ganglia: تعلب العقد القاعدية في الدماغ دوراً مهماً في تكوين العادات وأنماط التحفيز الإيجابي، وهي عقدة رئيسية في دائرة المكافئة Reward Circuit التي يتم تحفيزها بشكل مفرط عند تعاطي المخدرات، وعلى الأمد الطويل يعتاد الدماغ على النمط الجديد من التحفيز، فيستبدل التحفيز الإيجابي الطبيعي الناتج عن الممارسات الممتعة مثل الطعام أو العلاقات الاجتماعية أو ممارسة الهوايات؛ بتحفيز خارجي مرتبط بالعقاقير المخدرة، حيث يصبح من الصعب على المدمن الوصول إلى المتعة دون الاستعانة بالمخدرات.
  2. اللوزة المخيّة Extended Amygdala: يؤثر تعاطي المخدرات على حساسية اللوزة المخيّة المسؤولة عن مشاعر القلق والتوتر والهياج، ومع مرور الوقت يصبح الهدف من تعاطي المخدرات هو تسكين هذه المشاعر المفرطة الناتجة عن الخلل في حساسية اللوزة المخية.
  3. القشرة الجبهية Prefrontal Cortex: قشرة الفص الجبهي هي آخر الأجزاء اكتمالاً في الدماغ، وهي مسؤولة عن التفكير والتخطيط وضبط السلوك والدوافع، وهذا ما يجعل المراهقين أكثر عرضة للإدمان من البالغين بسبب عدم اكتمال هذه المنطقة، وتأثير المخدرات على نموّها وعلى اتصالها باللوزة المخيّة ومنطقة المكافأة أو العقد القاعدية.
  4. جذع الدماغ Brain Stem: وهي إحدى أخطر تأثيرات المخدرات على الدماغ، حيث تؤدي الجرعات الزائدة إلى إحداث خلل جسيم في عمل جذع الدماغ المسؤول عن العمليات الحيوية الأساسية مثل التنفس وضربات القلب، ما يؤدي إلى خطر الوفاة الفورية.

تختلف آثار المخدرات قصيرة الأمد على الدماغ والجهاز العصبي من نوع إلى آخر، وغالباً ما ترتبط بآلية عمل المادة المخدرة بين منشطة ومثبّطة وملهوسة:

تأثير الحشيش على الجهاز العصبي كمثال على المثبطات

  1. الشعور بالاسترخاء وانخفاض الطاقة
  2. زيادة سرعة ضربات القلب
  3. انخفاض ضغط الدم
  4. صعوبة التركيز
  5. القلق
  6. بطء الاستيعاب
  7. بطء ردة الفعل

تأثير الكوكايين على الجهاز العصبي كمثال على المنشطات

  1. الاندفاع وزيادة النشاط
  2. زيادة الطاقة
  3. زيادة اليقظة
  4. الشعور بزيادة الثقة
  5. تحفزي الجهاز العصبي المفرط
  6. تحفيز القلب

تأثير الأدوية المهلوسة على الجهاز العصبي

  1. زيادة شدة الأصوات
  2. زيادة شدة الألوان
  3. الارتباك
  4. الهلوسة السمعية
  5. الهلوسة البصرية
  6. تشوّش الإدراك
  7. تشوّش الذاكرة

التغيرات في مسارات المكافأة: تعمل المخدرات على تنشيط مسارات المكافآت في الدماغ، ما يعطي فرصة أكبر لتكرار السلوك وتعزيز المسارات العصبية التي تدفع إلى تكرار التجربة للحصول على تحفيز إيجابي مماثل، ومع الاستمرار في تعاطي المخدرات تحدث تغيّرات هيكلية في مناطق الدماغ المعنية، وعادةً ما تكون هذه التغيّرات ثابتة وغير قابلة للتعديل إلى حد بعيد، ما يجعل السلوكيات الإدمانية طويلة الأمد، ويدفع بعض الباحثين لوصف الإدمان أنه "مرض دماغي".

  1. التغيرات التعويضية في الدماغ: يعتمد النظام العصبي على التوازن بالدرجة الأولى، حيث يسعى الدماغ من خلال آلية عمل معقدة للحفاظ على التوازن في الجسم من خلال التحكم بكميات الناقلات العصبية والهرمونات، ولكن عندما يتم إطلاق كميات كبيرة من الدوبامين نتيجة تعاطي المخدرات؛ فإن الدماغ يعمل على تحقيق التوازن من خلال إطلاق ناقلات معاكسة للدوبامين، وعلى الأمد الطويل تتحول هذه العملية إلى تغيّر هيكلي ثابت نسبياً في عمل الدماغ، وهذه التعديلات التعويضية التي يقوم بها الدماغ هي ما تجعل المدمن يفقد المتعة في أي شيء ويتجه أكثر إلى زيادة الجرعات، كما أنها المسؤولة عن متلازمة الانسحاب عند محاولة الإقلاع عن المخدرات.
  2. تلف الدماغ: يحصل اعتلال الدماغ كنتيجة مباشرة لتعرض خلايا الدماغ للتلف بسبب التعاطي المفرط والمستمر للمخدرات أو بعض أنواع الأدوية، كما يمكن أن ينتج اعتلال الدماغ عن تلف أعضاء أخرى في الجسم مثل الكبد والكلى، وينعكس اعتلال وتلف الدماغ على العمليات الأساسية مثل الذاكرة والمشاكل العاطفية والإدراكية وغيرها، حيث هناك أكثر من 100 نوع لاعتلال الدماغ يمكن أن يتعرض مدمن المخدرات لها، وقد يكون بعضها غير قابل للعلاج أو الانعكاس.
  3. ضرر الأوعية الدماغية: تعاطي المخدرات على الأمد الطويل مسؤول عن إبطاء وصول الأكسجين إلى الدماغ، ما ينتج عنه تلف مناطق معينة من الدماغ، وقد يصل الضرر إلى انسداد في الأوعية الدماغية أو نزيف أو سكتة دماغية.
  4. التغييرات في الخلايا العصبية: يعاني المدمنون من خلل في تواصل الخلايا العصبية مع بعضها نتيجة التغيرات في بنية الخلايا العصبية وطريقة عملها، وهذا يؤثر بشكل واضح على العمليات الدماغية والعصبية التي تنعكس على الوظائف المختلفة، مثل الإدراك والتفكير والانتباه والاستجابة والأداء العاطفي.
  5. زيادة فرص الإصابة بالسرطان: الاستخدام المفرط والمستمر للمخدرات يزيد من احتمالات الإصابة بأمراض الرأس والدماغ وعلى رأسها سرطان الدماغ.

تشير الأبحاث أن الجرعة الزائدة من المخدرات غالباً ما تترك آثاراً حادّة على الدماغ والجهاز العصبي، حيث يمكن للأشخاص الذين يتعرضون لجرعة مخدرات زائدة أن يخرجوا من مركز الرعاية خلال أيام، لكنهم سيعانون من آثار هذه الجرعة الزائدة على الدماغ والجهاز العصبي لفترة أطول، حسب نوع المخدرات ومدة التعاطي وكمية الجرعة، ومن أبرز هذه الآثار:

  1. ضعف جهاز المناعة.
  2. ضعف في الاستجابة.
  3. مشاكل في الذاكرة.
  4. مشاكل في ضبط السلوك.
  5. فقدان التركيز والانتباه.
  6. فقدان القدرة على التخطيط.
  7. مشاكل في الأداء العاطفي وضبط المشاعر.
  8. الاكتئاب والقلق.
  9. الأفكار الانتحارية.

ترتبط معظم هذه الأعراض بالأضرار الناجمة عن تعاطي المخدرات لفترة طويلة والتعرض لجرعة زائدة، وقد ترتبط بتعديل مسارات المكافأة في الدماغ، أو بموت أجزاء معينة من خلايا الدماغ.

    يبدأ علاج المشاكل والأمراض التي تصيب الجهاز العصبي والدماغ نتيجة تعاطي المخدرات؛ من إيقاف التعاطي بالدرجة الأولى، ثم تقييم حدة هذه الأضرار، ويرى الباحثون أن نتائج علاج مشاكل الأعصاب والدماغ الناجمة عن الإدمان ترتبط بمدة التعاطي ونوع وكمية المادة المخدرة.
    لكن للأسف هناك الكثير من الأضرار التي تصيب الدماغ غير قابلة للانعكاس أو العلاج لأنها ترتبط بتغيّرات ثابتة ودائمة خاصّة ما يتعلق بموت أجزاء من الدماغ، فيما يمكن أن تنعكس الأضرار في الجهاز العصبي المحيطي وبعض الأضرار في الجهاز العصبي المركزي بشكل تلقائي بمرور الزمن بعد الإقلاع التام عن المخدرات.
    على وجه العموم لا يمكن أن تنعكس الأضرار التي تصيب الجهاز العصبي بسبب المخدرات خلال فترة قصيرة، وقد تحتاج إلى 18 شهراً على الأقل من الإقلاع التام عن المخدرات لبداية ظهور الانعكاس والتعافي الذاتي الذي يكون من خلال بناء خلايا جديدة واستعادة النظام العصبي الطبيعي، مدعوماً بالأدوية المناسبة تحت الإشراف الطبي.

    المصادر و المراجعadd