علم النفس الصحي هو مجال متخصص في التركيز على كيفية تأثير العوامل الفيزيولوجية والنفسية، كذلك السلوك والعوامل الاجتماعية على صحة الإنسان؛ يوجد أكثر من مصطلح لوصف هذا المجال مثل علم النفس الطبي، أو الطب السلوكي، أو ببساطة علم النفس الصحي.
تتأثر الصحة العامة بالعديد من العوامل بالتأكيد، وأهمها انتشار الأمراض المعدية أو الإصابة بالأمراض الوراثية، لكن ما قد يجهله الكثيرون هو أن العوامل السلوكية والنفسية؛ يمكنها أن تؤثر أيضاً على الصحة البدنية العامة.
 


الأسئلة ذات علاقة


علم النفس الصحي

لمحة بسيطة عن علم النفس الصحي 
للتعرف أكثر على هذا العلم سنطّلع معاً على ما كتبته والمتخصصة بالتأهيل النفسي الاجتماعي كيندرا تشيري (Kendra Cherry)في مقال لها عن علم النفس الصحي-:
- يركز علم النفس الصحي (العلم الذي يهتم بالصحة النفسية) على تعزيز الصحة والوقاية من الأمراض.
- يركز علماء في هذا المجال على فهم كيفية تفاعل الناس مع الأمراض وطرق التعامل معها وعلاجها.
- يعمل بعض علماء النفس الصحيين على تحسين نظام الرعاية الصحية، بالإضافة إلى تغيير نهج الحكومات في المواضيع الصحية.
ولتوضيح مقدار الاهتمام المركز على هذا المجال، لابد من ذكر أنه يوجد 38 قسم من جمعية علم النفس الأمريكية (American Psychological Association)؛ متخصص في هذا المجال من أجل فهم أفضل للصحة والمرض، بالإضافة إلى دراسة العوامل النفسية التي تؤثر على الصحة الجسدية، والمساهمة في تحسين نظم الرعاية الصحية.
على الرغم من كل هذا لايزال للأسف مجال علم النفس الصحي صغير جداً، فهو حديث الولادة، ولتوضيح الفكرة نستعين بالمثال الذي استعملته الأخصائية كيندرا، في السبعينيات كان متوسط العمر للإنسان أقل من 100 عام بكثير، وكان المجال الصحي مرتكز على الأمراض والأوبئة المنتشرة وكيفية تجنبها أو علاجها؛ اليوم، متوسط عمر الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً هو 80 عام، وأسباب الوفاة هي أمراض مزمنة مرتبطة بنمط الحياة مثل: أمراض القلب والسكتات الدماغية، ونضيف نحن أن متوسط عمر الإنسان في المملكة العربية السعودية اليوم هو 74.8 عام.
برز علم النفس الصحي من أجل المساعدة في فهم واحتواء المتغيرات الحياتية السريعة، من خلال دراسة السلوك الكامن وراء المرض والموت.


بين النفسي والجسدي

ماذا تعرف عن العلاقة بين الصحة النفسة والصحة الجسدية؟
هذا الموضوع ضخم ومتشعب للغاية لذلك سنتعرف على أهم وأبرز النقاط في هذه العلاقة بحسب ما أوردته جمعية ميشيغان لعلم النفس (Michigan Psychological Association):


ماهي العلاقة بين الصحة النفسية والجسدية؟
من خلال العلاقة بين العقل والجسم، يمكن لأفكارنا وعواطفنا أن تلعب دوراً هام في جميع جوانب صحتنا؛ تقول الجمعية أنها حللت العديد من الأبحاث لتصل إلى نتيجة أخيرة هي أنه من خلال الاعتناء برفاهيتنا النفسية، يمكننا أن نقي أنفسنا من الأمراض، كما أن هذا الأمر يسرع من عملية الشفاء في حال الإصابة بمرض ما.


كيف تعمل هذه العلاقة؟ أو ما هو مبدؤها؟
يرتبط العقل والجسم ارتباطاً وثيقاً، ويمكن أن تؤثر علاقتهما تأثيراً إيجابياً على الصحة أو تأثيراً سلبياً، كيف؟ يمكن أن تؤدي المواقف والمعتقدات والحالات العاطفية التي تختلف بين مشاعر الحب والحنان أو الخوف والغضب، إلى سلسلة من التفاعلات التي تؤثر على كيمياء الدم ومعدل ضربات القلب ونشاط كل خلية وعضو في الجسم مثل أعضاء الجهاز الهضمي أو حتى الجهاز المناعي
يمكن أن تؤثر العواطف أيضاً على تفاعل جسدك مع الإجهادات والتوترات، والتي يمكن أن تسبب ألماً في الرأس أو في الظهر.


كيف يمكن تحسين العلاقة بين العقل والجسم؟
العديد من العلاجات النفسية تستعمل العلاقة بين العقل والجسم كأداة لتحسين الصحة الجسدية والنفسية معاً، ومن أجل حل مشاكل الإدمان أيضاً؛ وأفضل الطرق لتحسين هذه العلاقة هي التحكم بالغضب، العلاج النفسي الفردي، مجموعات الدعم، التنويم المغناطيسي من قبل مختص، بالإضافة إلى تقنيات الاسترخاء.
تفيد العلاجات والتقنيات السابقة في العديد من الأمور مثل:
- الضغط العصبي.
- التحكم في الوزن.
- الإقلاع عن التدخين.
- الإقلاع عن المخدرات.
- الآلام المزمنة.
- الإعياء.

خطورة التوتر

التوتر وعلاقته بصحة الجسم
للضغوطات تأثير كبير على المزاج، وقد يكون تأثير التوتر على الصحة الجسدية غير واضح بشكل كبير عند الشباب لأنهم في أوج قوتهم وطاقتهم إلا أنه بالتأكيد يهدد صحتهم، كما ستزيد أعراض التوتر عند الأشخاص الأكبر سناً، كما أن معظم الآثار لا تظهر مباشرة وإنما تأخذ فترة طويلة لتنعكس على شكل أمراض جسدية، فيما يلي محتوى دراسة، حول الأعراض النفسية وردات فعل الجسم عليها:


الضغوطات والتوتر في مرحلة الطفولة والمراهقة
أكثر العوامل التي تؤثر على نفسية الطفل والمراهق هي التعرض للتعنيف أو الإساءة (اللفظية، الجسدية، الجنسية،..)، بالإضافة إلى طلاق الوالدين؛ كل هذا يؤدي إلى العديد من المشاكل النفسية مثل اضطراب الشخصية الحدية، أو كره الدراسة والمدرسة، أو صعوبة في التعلق بالأشخاص، الميل للعنف، أو مشاكل جسدية مثل إصابته بالعجز الجنسي عندما يكبر نتيجة الحالة النفسية التي عاشها في طفولته.


الضغوطات عند الكبار
التوتر اليومي والقلق والاكتئاب أكثر العوامل النفسية السيئة التي يتعرض لها البالغون، وتلعب البطالة والفقر والطلاق كعوامل أساسية في هذه الحالات النفسية، كما يوجد العديد من الأمور الأخرى التي تؤثر على الحالة النفسية للأشخاص، حيث تختلف من شخص إلى آخر بحسب ثقافته وأفكاره ونمط حياته.


نتيجة الدراسة
يتعرض الجميع لعوامل موترة على الصعيد الاجتماعي والعملي وغيرها، وطريقة مواجهتنا لهذه العوامل الموترة هي ما سيحدد مدى صحتنا، حيث أن الأشخاص المتفائلين سيستفيدون من تفاؤلهم في التكيف مع الضغوطات الدائمة بحيث لا يسمحون لهذه الضغوطات بتعكير مزاجهم وهذا يعني أنهم سيحصلون على صحة بدنية ممتازة؛ أما الأشخاص الأكبر عمراً والذين لا يمكنهم تجاهل أبسط الأمور بالإضافة إلى إصابتهم بالعديد من الأمراض السابقة؛ قد تتحول كل الجهود النفسية التي يتعرضون لها إلى مشاكل صحية جسدية خطيرة.
 

مواجهة التوتر

كيف تواجه التوتر والمشاكل النفسية للحفاظ على صحتك؟
للإجابة على هذا السؤال قرأنا بحثاً، نشرته الجمعية الأمريكية لعلم النفس بخصوص أفضل الطرق لمواجهة التوتر والضغوطات النفسية: 
1- تحديد أسباب التوتر: راقب حالتك الذهنية بشكل يومي، اكتب ما يزعجك كلما شعرت بالتوتر، ولا تنس تدوين الأسباب التي أدّت إلى وصولك إلى تلك المرحلة وبمجرد أن تحدد أسباب انزعاجك ابحث عن خطة لعلاج التوتر، وتذكر أنه لا يوجد أي خطأ في طلب المساعدة في المنزل أو العمل.
2- ابحث عن العلاقات الصحيحة والناجحة: من المفترض أن تكون العلاقات مصدر للراحة وليس مصدراً للقلق؛ وجدت الدراسات أن المشاكل مع الشريك تؤثر مباشرة على حالتك المزاجية بشكل سلبي وبالتالي ستؤثر سلباً على صحتك الجسدية، فأفضل ما يمكنك القيام به هو التواصل مع العائلة والأصدقاء بشكل سليم وبناء علاقة متينة مع من تحب.
3- شتت غضبك عندما تشعر به: خذ بعض الوقت لإعادة التفكير قبل أن تبدي أي ردة فعل، حاول أن تعد للعشرة؛ قم ببعض التمارين الرياضية التي تزيد من استرخاء الجسم وتحسن من مزاجه، يمكنك أن تقوم بالمشي بشكل يومي للحد من تأثير التوتر على صحتك.
4- أرح ذهنك قليلاً: وفقاً لمسح أجرته وكالة الطاقة الأمريكية فإن أكثر من 40% من البالغين لا يستطيعون النوم ليلاً بسبب القلق والتوتر؛ يجب الحصول على سبع إلى ثمانية ساعات من النوم يومياً، لذلك خفف من تناول الكافيين وابتعد عن مصادر التشتيت كالتلفاز والحاسوب، وحاول أن تقوم ببعض تمارين اليوغا.
5- احصل على مساعدة: إذا لم تنفعك الطرق السابقة فلابد عندها من استشارة أخصائي، فهو بالتأكيد أفضل من يمكنهم مساعدتك.


المناطق الخضراء كمهدّئ طبيعي
جاء في ملخص دراسة نشر على الموقع العلمي المختص بالدراسات "ساينس دايركت" (ScienceDirect)؛ بأنك تستطيع أن تزور بعض المناطق الطبيعية الهادئة إذا كنت متوتراً، حيث تساعد المناظر الطبيعية الخضراء على خفض ضغط الدم وتخفيض معدل ضربات القلب وزيادة استرخاء الجسم وتحسين حالتك المزاجية، بمعنى آخر يمكنك أن تزور المناطق الطبيعية كلما شعرت أنك متوتر وبحاجة للتنفيس عن توترك وغضبك.
 

الجسد يتحكم بالعقل

هل يمكن عكس الأمر، ليؤثر الجسد بالعقل؟
 بحسب دراسة تمت مناقشتها في حلقة من برنامج (TED Talk)، "طلب من مجموعة من الأشخاص التصرف وكأنهم أصحاب نفوذ، في حين طلب من القسم الآخر أن يتصرفوا بتوتر وكأنهم في مقابلة مصيرية"، تبين أن القسم الأول ازداد معدل "التستوستيرون" (وهو الهرمون الذكوري الذي يجعلنا نشعر بالقوة) في جسمه بنسبة 25% وانخفض معدل "الكورتيزول" (وهو الهرمون المرتبط بشعور الخوف والخطر) بنسبة 25%.
الجسم يملك القدرة على التأثير على العقل فالعلاقة بينهما متبادلة، وعندما نعرض أنفسنا بشكل قسري لحالة نفسية معينة.. فإننا نجبر أجسامنا على طرح مواد كيميائية خاصة تدعم الحالة النفسية التي نحاول الوصول إليها.

في النهاية، يمكننا أن نؤكد على أن العلاقة بين الصحة النفسية والصحة الجسدية متبادلة، وبالتأكيد أي تأثير على صحتنا النفسية سينعكس مباشرة على صحتنا الجسدية، لذلك لابد من الحذر ومراعاة مشاعر الآخرين كما نتمنى من الآخرين مراعاة مشاعرنا حفاظاً على الصحة العامة.