ينظر لفترة المراهقة كمرحلة عمرية على أنها الجسر الذي يصل بين مرحلة الطفولة والنضوج عند الإنسان، فهي المرحلة التي يبدأ الإنسان خلالها باكتساب خواصه النفسية والعقلية والجنسية وقيمه وقناعاته الفكرية والاجتماعية، وفيها يبدأ باكتشاف العالم من حوله بطريقة جديدة لم يعهدها في مرحلة الطفولة وكأنه يولد من جديد.
فهذه المرحلة تفرض نفسها على الإنسان من خلال عاصفة من التغيرات تشمل جميع النواحي الجسدية والنفسية وحتى الجنسية أو الانفعالية، ليس هذا فقط بل تمتد تلك التغيرات لتشمل حتى الشكل الخارجي والاهتمامات والعواطف بل ونوع وطريقة التفكير وإدراك المحيط.


الأسئلة ذات علاقة


التغيرات النفسية والعاطفي في مرحلة المراهقة

من أهم الأبعاد التي يمكن ملاحظة التغير فيها هي ما يتعلق بالأمور العاطفية والنفسية والفكرية في شخصية المراهق وتتمثل أهم هذه التغيرات في ما يلي:

التغيرات النفسية للمراهقين
فعلى المستوى النفسي مثلاً أكثر ما يمكن ملاحظته على المراهق هو الرغبة الشديدة في أن تصبح معاملة الآخرين معه على أنه كبير وناضج، فيظهر غضبه الشديد عند مقارنته بالصغار، وقد تلاحظ أن تغيرات أخرى عدة قد طرأت على شخصيته وردّات فعله وأخلاقه فيصبح مثلاً حاد الطباع يتصف سلوكه بالحماس الزائد بالإضافة للعصبية والعدوانية نوعاً ما تجاه بعض الأمور، وتصبح ردّات فعله أكثر مزاجية عندما يتعرض لمواقف معينة، كما أن بعض المراهقين قد يلاحظ عليهم الانعزالية وتفضيل البقاء وحيداً ليسرح في خياله وأحلامه وأفكاره.

التغيرات العاطفية في مرحلة المراهقة
أما على المستوى العاطفي فيمكن ملاحظة أن مزاجه أصبح متقلب وشديد الارتباط بحالته النفسية وما يشغل باله من أفكار ورغبات يريد تحقيقها، وفي هذه المرحلة أيضاً تبدأ الميول العاطفية نحو معظم الأمور بالنضوج والتبلور سواء كانت هذه الميول فنية أو أدبية أو علمية.
وأهم ما يميز هذه المرحلة هو الميول نحو الجنس الآخر؛ فهنا تتغير تلك النظرة الطفولية التي كان يتعامل من خلالها مع الجنس الآخر في السابق، ويصبح أكثر إدراكاً وتحديداً لهويته الجنسية وحاجته من هذا الجنس المختلف، وبالتالي يصبح أكثر رغبتاً في تحديد طبيعة العلاقة التي يجب أن تربطه معه، وهنا تنمو الميول نحو بناء العلاقات الرومنسية والغرامية مع هذا الجنس.

ولكن التغير الذي يطرأ على المستوى الفكري والإدراكي يعتبر الأكثر أهمية وحساسية كونه من جهة يتعلق بالأفكار والقيم والمعتقدات التي سوف يبنيها المراهق وتنمو وتتطور معه بقية حياته، ومن جهة أخرى فإن هذا التغير لا يمكن ملاحظته وتوجيهه بسهولة، ففي هذه المرحلة تتبلور الاهتمامات الفلسفية والفكرية، وتتبدل القناعات حول مختلف نواحي الحياة، ويعيد المراهق النظر في كل شيء حتى يشكل وجهة نظره الخاصة عن الحياة في كل مضامينها، كما يظهر في هذه المرحلة ما يتمتع به المراهق من مواهب وقدرات خاصة ويبدأ 
بالاهتمام بها وبتطوريها، ويحدد ما الذي يريده وما يرغب بأن يكون عليه وكيف سوف يحقق كل هذه الأمور.
 

ذات علاقة


التغيرات الهرمونية والبيولوجية والجنسية 

تعتبر التغيرات الهرمونية التي تبدأ في مرحلة الطفولة المتأخرة أو المراهقة المبكرة والتي تحدث عند وصول الطفل إلى سن 10 سنوات تقريباً هي الأساس البيولوجي الذي تقوم عليه باقي التغيرات الجسدية والنفسية التي يمر بها الانسان.
ففي هذه المرحلة بالذات يكمن تحول الإنسان من طفل إلى بالغ على المستوى البيولوجي وهذه الفترة هي التي تسمى مرحلة البلوغ الجنسي، ويصاحب هذه المرحلة مجموعة من الإفرازات من عدة غدد بدأت تأخذ مهمتها في جسم الانسان، ومن هذه الإفرازات:


- الهرمونات الضرورية لاكتمال التطور والنمو البدني والجنسي الطبيعي، ففي بداية البلوغ يقوم الدماغ بإفراز هرمون يسمى هرمون (gonadotropin-release (GnRH. ويطلق مصطلح  GnRH على الغدة النخامية ومثل هذه الهرمونات في سن المراهقة لها تأثيرات مختلفة على الذكور والإناث
فبالنسبة للإناث تعتبر هرمونات FSH و LH ضرورية لتحفيز المبيضين للبدء في إنتاج هرمون (الاستروجين) وهو واحد من الهرمونات الجنسية الأنثوية الأساسية، ونفس الهرمونات تحفز الخصيتين على البدء في إنتاج هرمون (التستوستيرون) الذي له آثار عديدة على خواص الجسم وهرمون الجنس الذكري، والحيوانات المنوية في الوقت نفسه.
- ومن التغيرات البيولوجية الواضحة التي ترافق مرحلة المراهقة وخاصة عند الذكور هو ارتفاع مستوى خشونة الصوت والذي يفسر ذلك هو الزيادة في نسبة هرمون التستوستيرون وما لهذه الزيادة من تأثير في زيادة طول الحبال الصوتية والتي تنعكس على شكل غلاظة وخشونة صوت المراهق الذكر.
- وينتج أيضاً عن الزيادة في نسبة إنتاج هرمون التستوستيرون زيادة لاحقة في شعر الجسم تختلف بمستوى كثافتها ومناطق نموها بين الجنسين.
 

التغيرات الجسدية والفيسيولوجية في المراهقة

وكنتيجة للتغيرات في الإفرازات الهرمونية الخاصة في سن المراهقة فإنها تنعكس في تغيرات واضحة على المستوى الجسدي والفيزيولوجي بالنسبة لابنك المراهق وتتمثل هذه التغيرات في:
- الزيادة في حجم الجسم من ناحية الطول والعرض وتوسع الأكتاف وظهور شعر الوجه والصدر ومناطق أخرى مختلفة من الجسم بالنسبة للذكور، هذا بالإضافة للزيادة الحاصلة في حجم وشكل الأعضاء الجنسية اللاحقة لإتمام البلوغ الجنسي.
- أما بالنسبة للإناث فنلاحظ بالإضافة للزيادة العامة في حجم الجسم بأن جسد الفتاة بدأ يأخذ صفاته الأنثوية ويتمثل ذلك في توسع الحوض وضيق الخصر وزيادة في حجم الأثداء.
-  ونلاحظ أيضاً لدى المراهق من الجنسين زيادة الاهتمام في الشكل من ناحية اللباس وتسريحة الشعر والنظافة الشخصية، وظهور علامات النضوج والبدء في زوال الصفات والملامح الطفولية.
- ومن الطبيعي أن يرافق هذا التغير الهرموني والجسدي والنفسي تغيراً في الحاجات الغذائية للمراهق لاكتمال عملية نموه الجسدي.
 

التغيرات الاجتماعية في مرحلة المراهقة

لا بد لكل ما سبق أن ينعكس بطريقة أو بأخرى على بنية العلاقات والقيم الاجتماعية التي سوف تحدد شخصية المراهق وحضوره الاجتماعي وطريقة تفاعله مع من هم حوله، وهنا بالتحديد نلاحظ التغير الواضح الذي يطرأ في مرحلة المراهقة على طبيعة الاستجابات الاجتماعية للفرد مع محيطه، فنلاحظ مثلاً:


أن أهم ما يميز مرحلة المراهقة على المستوى الاجتماعي هو التغير في نظرة الفرد نحو الجنس الآخر، في هذه المرحلة بالتحديد يرغب أكثر المراهقين من الجنسين في بناء علاقات عاطفية ورومانسية غرامية مع الجنس الآخر، وقد يوقعون أنفسهم إلى المشاكل جراء هذا التغير، فالمراهقين يرفضون بشدة طبيعة الاستجابة الاجتماعية نحو هذا النوع من العلاقات والطريقة التي يحددها المجتمع ويتيح من خلالها لأفراده بناء هذه العلاقات.


كما تتميز استجابة المراهقين الاجتماعية بالأنانية والفردية، وهذا ما يؤدي إلى تفضيلهم نمط معين من العلاقات يؤيد أفكارهم، ويستجيب لرغباتهم ولا يكبت تصرفاتهم، ولهذا فهم يفضلون العلاقات مع أقرانهم وأصدقائهم المقربين أكثر من العلاقة مع ذويهم أو مدرسيهم.


وكما سبق وتحدثنا عن الرغبة الشديدة لدى المراهق في أن تكون معاملة من يحيطونه به مبنية على أنه قد أصبح كبير وناضج ولا يحتاج لعناية و نصائح أحد، ولهذا فنلاحظه يحاول الابتعاد عن الأجواء التي مازالت تنظر له على أنه صغير ويحتاج دائما إلى من يوجه تصرفاته ويقنن أفعاله، وهذا ما يفسر خروجه من المنزل لفترات طويلة وهربه من المدرسة ومحاولته البحث دائماً عن مجتمعات جديدة تعطيه استقلالية أكثر في أفكاره وتصرفاته وحرية أكبر في أفكاره ورغباته. 


الصدام والمقاومة؛ بعد أن خرج المراهق من مرحلة الطفولة وبدأ يلاقي معاملة جديدة أكثر جدية وأكثر تقيداً لسلوكه ورغباته من قبل محيطه الاجتماعي سواء في الأسرى أو المدرسة أو الشارع، فهذا بطبيعة الحالة سوف يضعه في حالة صدام ومواجهة مع القيم والمعايير الاجتماعية التي سوف تحاول السيطرة على أفعاله وتحديد حقوقه وواجباته وفرض ما هو مسموح له ومحظور عليه، فهو سوف يلاقي هذا برفض قيم وتقاليد ومعايير المجتمع ويحاول الخروج عنها والتمرد عليها.


وأخيراً وليس آخراً فإن المراهق يصبح أكثر اندماجاً وقبولاً بل تفضيلاً للعالم المفترض المتمثل في مواقع التواصل الاجتماعي أو الأفلام والروايات والبطولة والأهم من كل ذلك الفلسفات الثورية، كون هذا العالم يعطيه مساحة أكبر من الحرية لأفكاره ولا يصطدم برغباته وربما يشبه أحلامه.
 

التعامل مع المراهقين

لا بد للمربين والآباء أن يتعاملوا مع المراهق والتغيرات التي تطرأ عليه بطريقة مناسبة لهذه التغيرات
مع كل هذه التغيرات التي طرأت على حياة الفرد بعد أن دخل في مرحلة المراهقة تظهر الحاجة إلى الوقوف إلى جانبه والأخذ بيده حتى لا يكون وحيداً في مواجهة هذه التغيرات الشاملة التي سوف تدخله إلى عالم جديد لم يسبق  له معرفته واختبار تفاصيله، ولهذا السبب تظهر الحاجة إلى طرق معينة وجديدة في التعامل معه وأساليب جديدة تتبع في تربيته، ويتمثل هذا في:
- التغير في النهج والأسلوب التربوي الذي كان يتبع مع المراهق عندما كان طفلاً، فهو الآن يحتاج إلى التقدير والأخذ برأيه وإعطائه حرية أكبر في تقرير شؤونه وتكوين وجهة نظره، ولكن مع بقائه تحت الأنظار والرعاية والانتباه، فهذه مرحلة حساسة جداً؛ فمن جهة لا يمكن فيها استخدام أسلوب الأوامر الصارمة والتعليمات القسرية، ومن جهة أخرى لا يصلح ترك المراهق على هواه حتى لا يوقع نفسه في مشاكل قد تؤثر على مسار حياته وقناعاته وأفكاره.
- استخدام أسلوب الاحترام و التقدير المتبادل بين المراهق والمربي، فلم يعد المراهق يقبل بالتوجيهات الجاهزة التي يجب تنفيذها كما تلقن له، بل يجب استخدام أسلوب النقاش والإقناع وشرح كل موقف على حدة من حيث أثاره، ويجب إقناعه بضرورة أن يكون على قدر من المسؤولية، واستفزازه بأنه لا يجب أن يتصرف بطريقة تجعله يبدو كالأطفال، هذه الطريقة من أكثر الأشياء التي تغيظ المراهق وتتحكم في ردّات  فعله.
- يجب الاطلاع دائماً على اهتمامات المراهقين، والانتباه إلى الأمور التي تشغلهم، فهذه المرحلة يكون المراهق أكثر عرضة للتأثر بكل ما يتعرض له من أفكار وقيم جديدة تناسب عدم استقراره النفسي والاجتماعي، وهذا ما يجعله فريسة سهلة للأفكار الغريبة والخطيرة في بعض الأحيان سواءً على تصرفاته أو مخزونه المعرفي والأخلاقي، أو وقوعه في علاقات مشبوهة قد تؤذيه وتؤثر سلباً على سلوكه، فمن الممكن أن يقع المراهق فريسة للإدمان على إحدى العقاقير  أو الخمور والتدخين بالنسبة للمراهق الذكر، أو الوقوع في علاقات غرامية وربما جنسية مشبوهة مع أناس غرباء وخطرين بالنسبة للجنسين وخاصة الفتيات المراهقات. 


من خلال ما سبق يتبين لدينا بأن التغيرات التي تتم في مرحلة المراهقة لا تقتصر على ما هو ظاهر منها أو يمكننا ملاحظته فقط، وإنما هي شاملة في أبعادها على جميع المستويات الجسدية والهرمونية والنفسية وحتى الشكلية، وبالتالي سوف يتبعها تغيرات واضحة في شخصية المراهق، من هنا تأتي أهمية أن نتعرف على هذه التغيرات كي نتمكن من الإحاطة بها والتعامل مها لنأخذ بيد المراهق حتى يتمكن من تجاوزها دون مشاكل أو آثار سلبية ليصل أخيراً إلى النضوج بسوية نفسية واجتماعية وجسدية تامة.