المواد المهلوسة (Hallucinogens)؛ مجموعة واسعة من المركبات الكيميائية التي تُحدث لمتعاطيها اضطراباً في الإدراك يتمثل بالإحساس بأشياء لا وجود لها في الواقع، وهذا ما جعلها من أكثر أنواع الأدوية إثارة للفضول وأكثرها مراقبة وحظراً حول العالم، خصوصاً أن تأثيراتها السريعة أو المتأخرة عشوائية بشدة ولا يمكن التنبؤ بها أو السيطرة عليها.

في هذا المقال سوف نسلط الضوء على بعض أنواع المواد المهلوسة الشائعة، ونتعرف على آثارها ودواعي ظهورها واستخدامها.


الأسئلة ذات علاقة


لمحة عن تاريخ عقاقير الهلوسة

على الرغم من السمعة العالمية السيئة التي حصدتها العقاقير المهلوسة منذ النصف الثاني من القرن الماضي وحتى اليوم فإن هذه المواد ليست بجديدة على الاستعمال البشري، إذ أنها تملك تاريخاً غنياً وحافلاً يمتد على آلاف السنين، فقد استخدمت العديد من الشعوب القديمة في الهند والصين والأميركيتين أنواعاً مختلفة من الأعشاب والنباتات والفطور ذات الخصائص المهلوسة من أجل أغراض دينية أو روحية، أما الأدوية المركبة صناعياً فكان أولها عقار ليسرجيك أسيد دي إيثيل أميد 25 (LSD 25) الذي تم اكتشافه بالصدفة عام 1938 كمحاولة فاشلة عندما كانت إحدى شركات الأدوية تحاول صنع دواء مقوٍّ من مادة طبيعية هي فطر مهماز الشيلم (Ergot) الذي ينمو على نبات الشوفان.
بعد ذلك في عام 1947 ظهر هذا المركب لأول مرة بشكل تجاري على شكل دواء يحمل اسم ديلايسيد (Delysid)، كان مخصصاً تقريباً للاستعمال في الطب النفسي لأن الأطباء اعتقدوا أنه قد يكون مفيداً في تحرير الأفكار المكبوتة ضمن لاوعي المريض وجعله يسترجع أفكاراً وأحداثاً لا يمكن البوح أو الشعور بها في حالة اليقظة، إضافة إلى استخدامه في استجواب المتهمين غير المتعاونين مع السلطات أو حتى التحكم في العقول، وقد أجريت العديد من التجارب لتحديد استخداماته دون موافقة المتعاطي أو حتى معرفته بالأمر من الأساس.
شهد الـ (LSD) عصره الذهبي في خمسينات وستينات القرن الماضي؛ لأنه كان جذاباً ومثيراً للفضول إضافة إلى كونه متوفراً للجميع، ومع زيادة استعماله بدأت آثاره الجانبية بالظهور على العلن وأصبحت تفوق الفوائد المرجوة منه؛ لذلك بدأت دول العالم بمنع شركات الأدوية من تصنيع هذا الدواء، كما مُنع استيراده وتداوله ليتحول إلى واحد من أكثر الأدوية تحريماً حول العالم، وهذا أدى إلى انخفاض استخدامه وسيطرة عصابات المخدرات على توزيعه ونشره، إضافة إلى ظهور الكثير من البدائل الطبيعية والصناعية باستخدام مواد ونباتات محلية الصنع.



أنواع مواد الهلوسة

ما هي أنواع المواد المهلوسة؟
بعض المركبات المهلوسة تُصنع في المخبر وبعضها الآخر يُستخلص من مواد طبيعية موجودة في أنواع من الفطور أو الصبّار، وهذا ما يؤدي إلى تنوع مصادر هذه العائلة الدوائية واختلاف تأثيراتها، ومن هذه المركبات نذكر ما يلي:
- إل إس دي (LSD) أو أسيد (Acid): في حالته النقية يكون هذا المركب على شكل بودرة بيضاء عديمة الرائحة، أما الأشكال التي يباع فيها فهي إما مكعبات هلامية صغيرة أو قطع من ورق النشاف شديد الامتصاص التي غمست في مسحوق LSD، كما يأتي على شكل شراب سائل أو كبسولات أو أقراص دوائية.
يمكن تعاطي هذا العقار بعدد من الوسائل أكثرها انتشاراً تناوله عن طريق الفم، لكن من الممكن تدخينه أو استنشاقه أو حقنه في الدم.

- كيتامين (Ketamine): صُنع هذا المركب لاستخدامه كدواء مخدر قبل إجراء العمليات الجراحية على البشر أو الحيوانات، ولا يمكن قانونياً شراؤه للاستخدام الشخصي في معظم دول العالم، إنما يتم تهريبه من قبل البيطريين أو أطباء التخدير وبيعه في السوق السوداء، وهو متوفر بشكل سائل معدّ للحقن، كما يتم بيعه أيضاً بشكل بودرة أو أقراص.

- الفطر السحري (Magic Mushrooms): مثال عن المواد المهلوسة طبيعية المصدر، هناك عدد من الأنواع الفطرية التي يؤدي استهلاكها بطريقة ما إلى إحداث تأثيرات مخدرة ومهلوسة، وهذه الفطور مشابهة بشكل كبير لأنواع أخرى من الفطور السامة مما يسبب الكثير من حالات التسمم الفطري حول العالم.
تباع هذه الفطور بشكل قطع صغيرة طازجة أو مجففة وأيضاً بشكل مسحوق أو كبسولات، ويتم تعاطيها عن طريق مضغ قطع الفطر مباشرة في معظم الأحيان، كما يمكن خلطها مع التبغ أو الحشيش وتدخينها، أو حتى طبخها وتحويلها إلى شراب مثل الشاي.

- دي ميتيل تريبتامين أو دي إم تي (DMT): يعرف في السوق السوداء باسم ديميتري (Dimitri)، مادة مهلوسة موجودة بشكل طبيعي في بعض نباتات غابات الأمازون، كما أنه قابل للتركيب صناعياً في المخبر، يبدو المستحضر الصناعي منه بشكل مسحوق من البللورات البيضاء الصغيرة التي يمكن تدخينها بعد مزجها مع التبغ أو الحشيش، وقد اكتسب هذا الدواء شهرة واسعة خلال السنوات الماضية كما يظهر أن عدد متعاطيه يشهد ازدياداً حول العالم.
توجد هذه المادة ضمن دماغ الإنسان بكميات ضئيلة جداً ويعتقد أنها مسؤولة إلى حد ما عن بعض النشاطات الحيوية الاستثنائية مثل تجارب الاقتراب من الموت، حالات الاختطاف المزعوم من قبل الفضائيين، مشاهدة رؤيا من نوع ما.
 

أعراض تعاطي مواد الهلوسة

تأثيرات المواد المهلوسة والعوامل المحددة لها
بالرغم من عدم وجود جرعة آمنة لهذه المواد فهي لا تملك التأثير نفسه على الجميع، إنما يتأثر بها كل شخص بشكل مختلف قليلاً عن الآخر ويتعلق الاختلاف بعدد من العوامل، منها:
- الصفات الجسدية لكل شخص: مثل حجم جسد المتعاطي ووزنه وحالته الصحية.
- التعود: إذ تختلف التأثيرات المشاهدة على متعاطٍ جديد للمادة المهلوسة عن تلك التي تصيب مدمناً قديماً.
- المشاركة الدوائية: أي تناول أدوية أخرى في نفس الوقت، هذا لا يقتصر على الأدوية الممنوعة فحسب إنما يمكن لأدوية موصوفة طبياً أن تسرع من امتصاص أو تحرر المادة المهلوسة مما يجعل تأثيرها أسرع وأقوى.
- كمية المادة المهلوسة.
- قوة تأثير المهلوس: تختلف من مادة مخدرة إلى أخرى، كما تختلف من دفعة إلى أخرى أو بتغيير طريقة التعاطي. 

أما عن أعراض تناول المهلوسات فتمتد عموماً لمدة 4-12 ساعة بعد التعاطي، وهي مختلفة ومتنوعة وعشوائية إلى حد بعيد كما أسلفنا، قد يشعر المتعاطي بأحد الآثار التالية أو بعضها خلال هذا الوقت:
- الهلوسة: الإحساس بأشياء لا وجود لها في الواقع، يكون هذا الإحساس على شكل هلوسة بصرية أو سمعية غالباً، لكنه قد يصيب حاسة الذوق أو اللمس (وهو ما يميز مجموعة الأدوية المحرضة للهلوسة عن غيرها من المخدرات والممنوعات بشكل عام).
- اختلاط الحواس: هو أيضاً عارض مميز لهذه المواد، إذ تغيب الحدود الفاصلة بين الحواس المختلفة ويشعر المتعاطي بالقدرة على سماع الألوان أو رؤية الروائح وتذوق الأصوات.
- اضطراب الشعور بالزمان والمكان.
- الخلط الذهني وفقدان القدرة على التركيز.
- الدوار.
- الشعور بالسعادة والاسترخاء.
- تشوش الرؤية وتوسع حدقتي العينين.
- الكسل.
- اضطراب نبض القلب الذي يصبح سريعاً أو غير منتظم.
- ازدياد سرعة التنفس.
- الغثيان والإقياء وفقدان الشهية.
- التعرق وشعور القشعريرة.
- الخدر والتنميل في الجسم.

بعد انقضاء مدة تأثير الدواء المهلوس تبدأ مرحلة التراجع، وهي مرحلة صعبة ومزعجة حتى أنها قد تكون خطيرة على الحياة إذ تتميز بحدوث ما يلي:
- قلق.
- هجمات الهلع (Panic Attacks).
- اكتئاب.

آثار تعاطي المهلوسات

الآثار طويلة الأمد للمواد المهلوسة
يذكر متعاطو الأدوية المهلوسة في بعض الأحيان ظهور صور أو أحداث من الماضي تحدث أمامهم (Flashbacks)، تستمر هذه الصور والأحداث بالظهور  بعد إيقاف تعاطي الدواء بأسابيع أو أشهر أو حتى سنوات، وهذا قد يكون أمراً مزعجاً أو مرعباً حتى، خاصة إذا كانت هذه الذكريات تمثل حدثاً مخيفاً مثل حدوث جريمة أو موت أحد الأشخاص المقربين...
إضافة إلى ذلك تملك هذه المواد قابلية كبيرة لإحداث اعتماد جسدي (إدمان) لدى متعاطيها، وبالتالي يضطر إلى تناول المزيد منها بشكل دائم، مما يُلحق به أعباءً ماليةً هائلةً بسبب ندرة هذه الأدوية وأسعارها المرتفعة، وما يزيد الطين بلة أن المدمن لا يستطيع التركيز على دراسته أو عمله أو علاقاته الاجتماعية اليومية، هذا ما يدفعه إلى الانعزال وتكريس حياته في البحث عن مصدر تمويل لتأمين المخدرات وتأمين مكان مناسب لتعاطيها.
 

علاج إدمان المهلوسات

كيف يمكن التخلص من إدمان المهلوسات؟
ليس من السهل أن يتخلص المدمن من الرغبة في تعاطي المواد المهلوسة، فالإقلاع عنها أصعب من ترك التدخين أو الكحول مثلاً، وهو لا يعطي نتائج جيدة إلا إذا كان تحت إشراف أطباء مختصين وضمن منشآت تؤمن للمدمن كل ما يحتاجه في مرحلة إعادة التأهيل والانخراط في المجتمع، ولا يمكن أن نتجاهل دور الدعم الاجتماعي من قبل الأسرة والأصدقاء والمجتمع بشكل عام لاستقبال المدمن مرة أخرى، وإبعاده عن بيئة الإدمان أو الظروف التي كانت تدفعه إلى تعاطي المخدرات.

وفي الختام.. يبقى الحل الأمثل للتخلص من إدمان هذه المواد عدم تعاطيها من الأساس لأن الانزلاق في هذا المنحدر الخطر أصعب من الخروج منه، خاصة مع ظهور هذه المواد وانتشارها في بلادنا العربية تحت مسميات وادِّعاءات متعددة عن قدراتها وتأثيراتها السحرية في سبيل إخضاع الشباب لسيطرتها، وهنا يكون تثقيف الفئة المستهدفة حول آثار هذه المخدرات ومخاطرها السلاح الأقوى في الحرب ضد المخدرات.