كثيراً ما يردد صناع الدراما السينمائية والتلفزيونية عبارة "الفن رسالة"، ومن الملفت أن تكرار هذه العبارة يتناسب طرداً مع إفراغ السينما من محتواها الإنساني ودورها الاجتماعي والثقافي، وأكثر من يتمسك بهذه العبارة هم صنَّاع الأفلام التجارية التي تعتمد على التهريج أو الحركة.
في هذه المادة؛ سنحاول أن نسلط الضوء على بعض المفاهيم والأفكار والأشياء التي شوهتها السينما، حيث سنتعرف إلى تأثير السينما والدراما المصورة عموماً على العلاقات الإنسانية والمفاهيم المجردة، وتحكُّم كتاب السيناريو والمخرجين بالوعي العام وقدرتهم على توجيهه.
 


ذات صلة


الأعراق والشعوب في السينما

نبدأ مع واحدة من أسوأ "الجرائم السينمائية" إن جاز التعبير، وهو تنميط الأعراق والشعوب في الكثير من الأفلام السينمائية، وهذا التنميط غالباً ما يغلب عليه التقليد والتكرار بين الكتاب والمخرجين وحتى الممثلين.
بمعنى أن الكاتب والمخرج والممثل يتصيدون التجارب الناجحة، فإذا نجح فيلم كوميدي بطله من العرق X ويعتمد على إظهار العرق X بمظهر الغباء والسذاجة والسطحية، ستبدأ شركات الإنتاج بتحويل العرق X إلى صورة نمطية يتم استخدامها في كل مرة كعنصر للضحك.

خذ مثلاً الصورة النمطية للصعيدي في الأفلام المصرية، من البديهي أن أول من بنى صورة الصعيدي الساذج استمد تلك الشخصية من شخص ما، ومن الواضح أن صناع السينما أعادوا استخدام هذه الصورة بشكل مبالغ به اعتماداً على ما لاقته من قبول عند الجمهور، لكن يبقى أصل الشخصية هو فرد وليس شعب.
والأغرب من ذلك أن التغيرات الكبيرة التي شهدها صعيد مصر مع مرور الزمن والتي غيرت إلى حد بعيد طبيعة معاش الناس وحتى طبائعهم وسماتهم العامة لم تتمكن من تغيير توجه الكتاب والمخرجين إلى تجسيد الشخصية النمطية.
هل تعلم أن الصعيد قدم للعالم العربي شخصيات مثل طه حسين عميد الأدب العربي، رفاعة الطهطاوي والمنفلوطي وحافظ إبراهيم، أمل دنقل وعبد الرحمن الأبنودي ويوسف زيدان وهشام الجخ، المقرئ الشهير عبد الباسط عبد الصمد والشيخ الأسيوطي، وعشرات القادة والعسكريين الذين شاركوا في صناعة تاريخ العالم العربي!.

هذا التنميط والتشويه لعرق أو شعب أو مجموعة لم تبتكره السينما المصرية على كل حال، فصورة العربي أو المسلم في السينما الأمريكية جعلت معظم سكان العالم يعتقدون أن المسلم سيفجر نفسه يوماً ما كجزء من ثقافته، وأن العربي ما زال في خيمة بالصحراء يركب جملاً ولا يجيد استخدام التقنيات الحديثة!.
 

ذات علاقة


الرومانسية السينمائية

قصة الحب بطبيعة الحال تعتبر جزءاً رئيسياً من البناء الدرامي في 99% من الأفلام والمسلسلات والأعمال الأدبية، ومهما كانت طبيعة الفيلم لا بد أن يكون هناك دور للعلاقات العاطفية كخط رئيسي من الخطوط الدرامية، وغالباً ما تطغى النظرة الوردية على نهايات القصص الغرامية من باب أن هذا ما يريده الجمهور.
المشكلة أن طبيعة القصص الرومانسية النمطية في السينما جعلت من القصص الرومانسية الحقيقية فيلماً سينمائياً، يحاول فيه الناس تقليد النمط السينمائي بدل أن تحاول السينما عكس صورة الناس!.
خذ مثلاً نمط الغرام والانتقام الذي كان محوراً رئيسياً في العديد من أفلام السينما، الشاب الذي يطعن بكرامته نتيجة رفضه من فتاة أحبها ويفني حياته ليثبت لها أنها مخطئة أو حتى لينتقم منها!، كذلك نمط الصراع الطبقي في العلاقة الغرامية بين الفقراء والأغنياء، وكمية المؤامرات الخيالية التي يحيكها أبطال السينما لمنع اختلاط الأعراق والطبقات بعلاقات غرامية قد تفضي إلى الزواج والتي استمدت من العصور الوسطى، أيضاً يمكن أن تنظر إلى نمط الصراع بين شابين على فتاة، الذي قد لا يتعدى في الحياة الواقعية أن يكون صراعاً كلامياً عادياً إلا فيما ندر، ويصل في الأفلام إلى المؤامرات والمكائد والجرائم....إلخ.

قد نختلف أو نتفق على مفهوم الحب والمفاهيم المرتبطة به أو حتى على واقعية الطرح السينمائي للقصص الغرامية، لكن الثابت أن العلاقات الغرامية والرومانسية الواقعية تختلف إلى حد بعيد عن العلاقات السينمائية، أو لنكون أكثر تحديداً فهي كانت تختلف، حيث أثرت السينما بشكل كبير على صورة العلاقات الغرامية والرومانسية الحديثة، وجعلت الناس يقبلون على تقليد الصورة النمطية في هذا الفيلم أو ذاك، حتى أصبح البحث عن المشاعر الصافية من الأثر لسينمائي أمر شاق.
 

السيرة الشخصية وتلميع الأبطال

إضافة إلى دور السينما السلبي في تشويه صورة الشعوب والأعراق وتنميطها، لعبت السينما دوراً سلبياً أحياناً فيما يتعلق بسرد السيرة الشخصية لشخصيات سياسية أو فنية أو شخصيات مثقفين.
حيث قدمت السينما مجموعة من الأفلام التي تجسد الشخصيات العامة بقصد تلميع صورتها بشكل فج، بل وعملت على تشويه صورة أشخاص آخرين عن قصد أو غير قصد في خدمة التلميع للشخصية الرئيسية.
وغالباً ما نجد محاولات غير فعالة لإصلاح الخطأ التاريخي في السينما من النقاد والمتابعين وأحياناً من شخصيات عاصرت أبطال الفيلم أو حتى من الشخصية الحقيقية إن كانت على قيد الحياة، لكن للأسف ما أن يعرض الفيلم حتى يصبح تصحيح الخطأ شبه مستحيل، خاصة إن كان منتجو الفيلم يقصدون الخطأ لهدف ما.
 

الأمراض النفسية في السينما

لم تتبلور الأفلام التي تتناول الاضطرابات النفسية كمحور رئيسي للقصة في السينما العربي إلا مؤخراً، وقد كان واضحاً تأثر هذه الأفلام بشكل كبير بالأفلام العالمية من نفس النمط، وهنا المشكلة!.
حيث لجأ الكتاب والمخرجون إلى التعامل مع المرض النفسي في السينما من منظور أفلام سابقة لا من منظور علم النفس بحد ذاته، بل أن بعض الكتاب المستجدين في العلوم الإنسانية استقوا معلوماتهم عن الأمراض النفسية من الأفلام واستخدموا مجموعة التسميات والمصطلحات العلمية استخداماً رديئاً ينم عن جهلهم التام بحقيقة المرض النفسي واعتمادهم على الشائع سينمائياً.

ربما تكون ثيمة فقدان الذاكرة أكثر الأنماط إفصاحاً عن سذاجة طرح المرض النفسي أو العقلي في السينما، وفي كتاب خمسين خرافة في علم النفس قدمت مجموعة المؤلفين شرحاً مطولاً عن قضية فقدان الذاكرة كخرافة متداولة.
فمن الندرة أن تسبب ضربة على الرأس أو حادث سيارة فقدان في الذاكرة مع سلامة العقل بشكل كامل وبقاء الإدراك على حاله وكأن الحادث مصمم ليفقد الشخص ذاكرته فقط!، بمعنى أن الأذية التي قد تسببها الإصابة في الرأس لا يمكن أن تستهدف الذاكرة فقط، هذا أولاً، والأهم من ذلك أن عودة الذاكرة نتيجة ضربة على الرأس خرافة محضة.

دوِّن عندك أيضاً مرض الفصام أو ما يعرف سينمائياً بالانفصام، حيث أن الفصام لا يعني بأي شكل من الأشكال أن يكون للمريض شخصيتان أو أكثر لا تعي إحداها الأخرى، ولا يعني أن المريض ينقلب فجأة بين شخصيتين ويعيش حياة الشخصيتين بالشكل الخرافي الذي تصوره السينما.
الحقيقة أن الفصام اضطراب عقلي يؤدي إلى هلوسات من أصوات ومشاعر غير حقيقية ويتفاعل المريض مع الأصوات التي يسمعها وقد يتحدث مجيباً، وفي حالات أقل شيوعاً قد يتطور الموضوع إلى أوهام بصرية جزئية لا يمكن أن تصل ما نراه في السينما، كما أن العدوانية والعنف ليست صفة ملازمة للشخصية الفصامية.
والفصام مرض مختلف عن تعدد الشخصيات الذي ينتمي للاضطرابات الانشقاقية، وحتى هذا الاضطراب ليس كما تصوره أفلام السينما، بمعنى أنك لن تجد مريضاً نفسياً يلعب دورين في الحياة بشكل متكامل ومتقن!.
وإذا كنت تفكر الآن في فيلم استطاع نقل صورة الاضطرابات النفسية في صورة أقرب ما تكون إلى الحقيقية؛ ربما عليك أن تشاهد فيلم Beautiful Mind الذي يروي قصة حياة جورج ناش الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد عن نظرية الألعاب.
 

الدين في السينما

على الرغم من حساسية القضايا الدينية في مجتمعاتنا إلَّا أن هذا لم يجعل الكتاب والمخرجين أكثر دقة في التعامل مع هذه القضايا، وهنا يمكن النظر في حالتين.
الأولى هي المحاولات السينمائية السطحية والمزيفة لتعزيز التعايش بين الطوائف والأديان، وهذه الطريقة بحسب معظم المفكرين أشبه بدفن الأوساخ تحت السرير ليبدو البيت نظيفاً، ولا تعدو كونها محاولات شعبوية لا تفضي إلى نتائج.
ومثل هذه المحاولات تصوير الألفة والمحبة بين طائفتين معروفتين بالصراعات والنزاعات الدموية، أو تصوير المشايخ والقساوسة في حالة من الاتفاق الذي لا نجده في حياتنا اليومية بين رجال الدين الذين ينتمون إلى الدين نفسه حتى، أو تصوير المآذن والكنائس جنباً إلى جنب، وغيرها من محاولات تسطيح الصراعات الدينية التي تهدد مجتمعاتنا العربية، وهذه المشاهد التي غالباً ما تبدو جذابة تساهم في طمس معالم التعايش الحقيقي الذي يقوم على معرفة الآخر والإيمان بحرية الاعتقاد وحقوق المواطنة.
ربما قدَّم فيلم حسن ومُرْقُصْ لعادل إمام وعمر الشريف صورة أكثر واقعية عن العلاقة بين الأديان المختلفة مقارنة بأفلام أخرى صورت الحياة الوردية للتعايش الذي ينهار غالباً عندما يصطدم بالواقع.
كذلك نعتقد أن صورة التعايش التي قدمها فيلم "فيلم هندي" لأحمد آدم وصلاح عبد الله أقرب إلى صورة التعايش الحقيقي بين أفراد من دينين مختلفين كأصدقاء أو جيران.

وأما الحالة الثانية؛ فهي الكارثة، حيث قدمت الأفلام السينمائية مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة والآيات القرآنية التي لا وجود لها أصلاً، بل وقامت بعض الأفلام بالاعتماد على أحكام شرعية ودينية هي في الأصل أحكام وضعية لا علاقة لها بالدين.
مثلاً تجد في الأفلام المأذون يقول: بسم الله الرحمن الرحيم؛ إن أبغض الحلال عند الله الطلاق.
البعض يتعامل مع هذه المقولة كحديث شريف، والبعض يتعامل معها كآية قرآنية، والحقيقة أنها لا هذا ولا تلك، بل أن هذه العبارة تعارض بشكل صارخ جوهر الدين الإسلامي.
فلا وجود في الأديان المختلفة وفي الدين الإسلامي لما يسمى "حلالاً بغيضاً" أو "حراماً محبوباً"، فكيف يجتمع الحلال مع البغض، وإذا كان الطلاق بغيضاً من وجهة نظر اجتماعية فهو تشريع ثابت في النص القرآني له أسبابه وله شروطه، وهو جزء من تنظيم الحياة الاجتماعية للمسلمين.
ومن هذا كثير، كقولهم الجنة تحت أقدام الأمهات، أو اطلب العلم ولو في الصين، وجميعها ليست نصوصاً دينية أو أحاديث.

أخيراً... إن إجمال المفاهيم التي شوهتها السينما يحتاج إلى مجلدات كثيرة، فلا يمكن أن ننسى الصورة النمطية التي قدمتها السينما عن المرأة أو عن الرجل البدين، أو حتى متلازمة الثري غير المثقف ومتلازمة الأب السكير والبنت الرقاصة، أو سخرية الأفلام من الرجل البسيط ومن القزم، أو غيرها.