خلال مسيرة تكوين الشخصية وبناء منظومة الدوافع المحركة للسلوك والمبادئ والمفاهيم التي تتحكم بالخيارات والقرارات؛ تلعب علاقة الصداقة دوراً رئيسياً يوازي أو يفوق دور الأسرة والتربية المنزلية، خاصَّة وأن التأثير الأقوى للأصدقاء يأتي في أكثر مراحل تكوين شخصية الفرد أهمية وحساسية وهي مرحلة المراهقة.
نناقش معاً تأثير الأصدقاء والأقران على بعضهم البعض، مراحل تأثير الصداقة حسب المراحل العمرية، وأهمية الاستفادة من تأثير الأصدقاء الإيجابي وتجنب التأثير السلبي للأصدقاء، وغيرها من الأفكار المتعلقة بتأثير الأصدقاء على بعضهم وعلى بناء الشخصية واكتساب السلوك.
 


ذات صلة


مراحل تأثير الصداقة

لا جدال حول الأثر الكبير للصداقة على حياة الأفراد وشخصياتهم وسلوكهم، ولفهم هذا التأثير لا بد من فهم دور الصداقة في المراحل العمرية المختلفة، فتأثير الأصدقاء على المراهق يختلف عنه في الأربعين ويختلف عنه في الثمانين، وذلك يعود لتطور شخصية الفرد في المراحل العمرية المختلفة من جهة، ولاختلاف كيفية اختيار الأصدقاء مع التقدم بالسن من جهة أخرى.

ويمكن تحديد مراحل تأثير الصداقة والأصدقاء على بعضهم من خلال النظر في أربع مراحل عمرية أساسية كالآتي:
أصدقاء الطفولة

عادة ما يتقارب الأطفال ويكوِّنون صداقاتهم بشكل عفوي من خلال التفاعل بين الجيران والأقارب وزملاء المدرسة، وفي السنين العشرة الأولى من حياة الطفل يكون أكثر خضوعاً للمعايير العائلية وأكثر انضباطاً، حيث يستطيع الأهل الحكماء التحكّم ببناء شخصية طفلهم والسيطرة على تأثير الأقران والأصدقاء من خلال الإرشاد والتوجيه.
وفي مرحلة الطفولة يعزز الأصدقاء السلوك التنافسي بينهم، ويغذون الذكاء الاجتماعي والتفاعلي لبعضهم البعض، كما تظهر حالة من انتقال السلوك، بمعنى اكتساب الطفل لعادات أو سمات ينقلها له صديقه، وكما ذكرنا فإن الأهل في العقد الأول يمتلكون قدرة أكبر على ضبط انتقال أنماط السلوك وتوجيه طفلهم.

أصدقاء مرحلة المراهقة
في مرحلة المراهقة يبدأ العصر الذهبي لتأثير الأصدقاء والأقران، حيث يبدأ الطفل الكبير باختيار سلوكه وتحديد تفضيلاته من خلال تفاعله مع أصدقائه، وتعتبر الصداقات في مرحلة المراهقة حجر الأساس في بناء الشخصية ووضع اللمسات الأخيرة على المنظومة السلوكية للفرد.
ويمكن القول أنه حتى مرحلة المراهقة لا يمتلك الفرد معايير واضحة ومستقرة لاختيار أصدقائه، ويتأثَّر بسلوك أصدقائه بشكل واضح كما سنوضح في الفقرات التالية.

أصدقاء مرحلة الشباب والنضج
مع الخروج التدريجي من المراهقة والدخول في طور النضج واكتمال الشخصية؛ يعتبر تبلور معايير اختيار الأصدقاء من العلامات الواضحة على بدء استقرار الشخصية، حيث يبدأ الفرد بتكوين سلسلة من المفاهيم والمعايير الشخصية التي تحدد وترسم علاقاته بالآخرين، وبناء عليها يقوم بفلترة واختيار أصدقائه، وتنخفض قدرة الأصدقاء على التأثير بشكل تدريجي بالتوازي مع التقدم نحو النضج واكتمال الشخصية، حيث يصبح الهدف من الصداقة هو الحصول على علاقة اجتماعية مرضية قائمة على التفاهم والتعاون لا تقود بالضرورة إلى التماهي.

أصدقاء الكهولة والشيخوخة
ومع دخول العقد الرابع من العمر لن يكون هناك تأثير يذكر للأصدقاء على سلوك الأفراد الأسوياء أو شخصيتهم، فالفرد الذي اكتمل نمو شخصيته وأصبح سلوكه مستقراً إلى حدٍ بعيد يختار أصدقاء يتوافقون سلفاً مع معاييره، وعادة ما تمتد الصداقات الحقيقية التي تنشأ في مرحلة الشباب والكهولة إلى مرحلة الشيخوخة، حيث يكون تأثير الأصدقاء متعلقاً بالاستقرار النفسي والعاطفي أكثر من ارتباطه بأي شيء آخر.

 

ذات علاقة


كيف تؤثر الصداقة على السلوك؟

كان القصد من تقسيم تأثير الصداقة حسب المراحل العمرية أن نحدد الفئة العمرية الأكثر تأثراً بالأصدقاء، وهي فئة المراهقين والشباب، وفيما يلي نتحدث عن تأثير الأصدقاء على السلوك عموماً وفي هذه المراحل بشكل خاص:

اكتساب وهجر السلوك
يعتبر اكتساب السلوك مبحثاً منفصلاً خضع للكثير من الدراسة والبحث، وجزء من هذا البحث هو دور علاقات الصداقة في اكتساب سلوك ما وهجر سلوك آخر.
ويبدو أن الأطفال الكبار مولعون بتجربة السلوكيات الجديدة والمغايرة لما يألفونه، واجتماع أصحاب هذا الشغف بالتجربة يجعلهم يتبادلون السلوكيات المختلفة ويجربون معاً بدافع الفضول أو الغيرة أو الاندماج.
بعض هذه السلوكيات التي نكتسبها من الأصدقاء قد تتحول إلى سمات راسخة تمتد إلى بقية حياتنا، وبعضها قد تكون مجرد تجارب نبتعد عنها فيما بعد على حساب سلوكيات أفضل أو أسوأ.
لكن لماذا نكتسب ونختار سلوكاً معيناً من أصدقائنا؟ ولماذا يتأثر سلوكنا وتتأثر عادتنا بعادات وسلوك الأصدقاء؟ لماذا نكتسب سلوكاً ونهجر آخر عندما نكتسب صديقاً ونهجر آخر؟!.

التقليد والمحاكاة
التقليد من أهم عوامل اكتساب السلوك عند الأفراد في المراحل العمرية المختلفة، الطفل مثلاً يكتسب معظم سلوكياته من خلال تقليد ذويه، والمراهق يكتسب بعض سلوكه من خلال تقليد المشاهير أو أحد المحيطين به، كذلك نحاول التماهي مع أصدقائنا من خلال تقليد سلوكهم.
هذا لا يعني بالضرورة أننا معجبون بهذا السلوك أو مقتنعون به؛ فقد يكون مغايراً تماماً لما تربينا عليه، لكن دوافع أخرى تجعلنا نقلد هذا السلوك ونحاكيه، دوافع تتصل برغبة الاندماج ومشاعر التنافس وضغط الأقران.

الغيرة والمنافسة
مشاعر الغيرة والمنافسة واحدة من أهم محركات السلوك، خذ مثلاً سلوك معاكسة البنات في الشارع الذي يكتسبه المراهق المؤدب من أصدقائه غير المؤدبين، جزء كبير من هذا السلوك ينبع من الرغبة بالمنافسة والظهور والشعور بالغيرة من جرأة الصديق.
لاحقاً قد يخضع هذا السلوك للتحليل ويتم هجره، لكن ليس قبل أن يتمكن الفرد من تنظيم معاييره الشخصية وتكوين نظرته المتكاملة لذاته وللآخرين.
وقد تلعب الغيرة والمنافسة بين الأصدقاء دوراً إيجابياً في اختيار السلوك الجيد، كما في الدخول بمنافسات دراسية أو منافسات النشاط البدني وغيرها من السلوكيات الحميدة.

ضغط الأقران
إلى جانب الميل الفطري للتقليد والمحاكاة، وتأثير الغيرة والمنافسة بين الأصدقاء، يمثل ضغط الأقران عاملاً جوهرياً في اكتساب وهجر السلوك، لنطرح مثالين على ذلك.
عندما ينضم المراهق الذي تربى في بيئة جيدة إلى مجموعة المراهقين تبدأ مرحلة الضغط باتجاه اكتساب سلوك جديد مثل التدخين أو المعاكسة، قوام هذا الضغط هو الدعوة للتجريب والإلحاح بالدعوة، والشعور بالنبذ إن لم ينضم إلى المجموعة ويمارس ما يمارسونه.
من جهة أخرى؛ فإن الطفل الذي تربى على الالتزام بالعبادة قد يتعرض للضغط من مجموعة الأصدقاء من خلال السخرية أو التعامل معه كشخص معقد ونبذه، ما يجعله يهجر سلوكه لإرضاء الأصدقاء.

الاندماج مع الأصدقاء
الاندماج الاجتماعي هدف أساسي للإنسان، ولا نبالغ إن قلنا أننا جميعاً وفي مراحل مختلفة نقوم بأشياء لا نرغب بها أو نمتنع عن أفعال نؤمن بها فقط لأننا نخشى من النبذ الاجتماعي، وعندما يشكِّل الأصدقاء مجموعة الضغط فهم يلوحون بالنبذ الاجتماعي الذي يعتبر هاجساً مرعباً يدفعنا إلى ترك أو اكتساب السلوك.
قد يشارك الطالب المجتهد مثلاً بسلوك الشغب في الصف لأنه لا يريد أن يظهر بصورة الطالب الساذج ويتعرض للتنمر، وقد يشارك أيضاً بسلوك التدخين في الحمامات لأنه يرغب أن يكون مقبولاً في مجتمع الأصدقاء، وعلى الضفة الأخرى عندما يجد الطالب الكسول نفسه منبوذاً قد يغير من عاداته الدراسية في سبيل الاندماج.

إثبات الذات
ليس بعيداً عن ضغط الأقران ومفهوم النبذ الاجتماعي يلعب إثبات الذات دوراً مهماً في اكتساب وهجر السلوك، فعبارات من قبيل أنت جبان أو أنت معقد قد تدفعنا إلى الانقلاب على منظومة السلوك بشكل كامل لإثبات ذاتنا، كما يحاول الأصدقاء إثبات أنفسهم أمام بعضهم من خلال مباراة السلوك الممنوع، وقد تمتد هذه المباريات عند البعض إلى مراحل عمرية متقدمة، فترى طالباً جامعياً يحاول إثبات ذاته أمام الآخرين من خلال السخرية من المدرسين والأساتذة أو الاعتداد بالفشل.
 

تأثير الأصدقاء على الشخصية

ولا يقل تأثير الأصدقاء على تكوين الشخصية أهمية عن تأثيرهم في السلوك، وإن كان التأثير بالسلوك أكثر مرونة، ويمكن القول أن أبرز تأثيرات الأصدقاء على تطور الشخصية هي:

السمات العامة للشخصية
إلى جانب اكتساب السلوك فإن علاقة الصداقة تساهم أيضاً باكتساب السمات العامة للشخصية، فالتجارب التي نمر بها مع الأصدقاء وتبادل المعرفة والتفاعل المستمر قد يساهم في تعزيز الشخصية القوية أو تكوين الشخصية الضعيفة، قد ينمي الشخصية الأنانية أو سمة اللامبالاة أو سمة الغرور والتكبر، وغيرها من السمات الشخصية.

المبادئ والمفاهيم العامة
من جهة أخرى فإن الأصدقاء يساهمون أيضاً باكتساب المبادئ والمفاهيم العامة، فجزء كبير من نظرتنا إلى الجنس الآخر مثلاً نكتسبها من أصدقائنا، والصديق الذي يؤمن بالأفكار الثورية والاشتراكية يؤثر بشكل ملحوظ على أصدقائه، كذلك الصديق الذي يؤمن بالحرية الفردية والليبرالية، والصديق المتدين والملتزم يترك أثراً بالمحيطين به وينقل لهم بعض المفاهيم والأفكار، وبالمثل يفعل الصديق الأقل التزاماً أو حتى الصديق الملحد.
وفي مرحلة لاحقة تصبح هذه المبادئ والمفاهيم العامة راسخة، فتتحول إلى معايير اختيار الأصدقاء الجدد، فالذي يؤمن بحقوق المرأة بالعمل وتقرير المصير واختيار الزوج ووقت الزواج سيبحث عن صديق يشاطره هذه المبادئ، وسينفر من الذي يرفض هذه الحقوق، كذلك من يؤمن بأن أنظمة الحكم العلمانية مخالفة للشريعة الإسلامية قد لا يرغب بصداقة دعاة العلمانية.

الاهتمامات والعادات
يتبادل الأصدقاء الاهتمامات والعادات، فالصديق المثقف قد يعدي صديقه بالقراءة، والصديق الذي يعشق الألعاب الالكترونية قد ينقل هذا الاهتمام لأصدقائه، وعلى الرغم من مرونة الاهتمامات والعادات إلَّا أن الأصدقاء لهم يد دائماً في دعم اهتمامات جديدة.

أخيراً... في مراحل الطفولة والمراهقة وحتى بداية مرحلة الشباب لا بد أن يهتم الأهل جيداً بصداقات أبنائهم ولا بد من مراقبة تأثير هذه الصداقات على السلوك والشخصية، أما فيما بعد يكون كلٌّ منا مسؤول عن اختيار أصدقائه ومسؤول عن إدارة تأثيرهم عليه.