لم يعد خافياً على أحد التأثير الكبير لألعاب الفيديو والألعاب الإلكترونية على اللاعبين، حيث ينجذب البعض إلى الألعاب حتى يتخلى عن مسؤولياته ويتقاعس عن أداء أسهل واجباته ويتخلى عن شغفه ومواهبه القديمة.
هذا ما جعل الأطباء النفسيين وعلماء النفس يبحثون باستمرار إن كان الإدمان على ألعاب الفيديو وألعاب الانترنت اضطراباً قائماً بحد ذاته، وذلك في سبيل وضع معايير تشخيصه وطرق علاجه إن كان كذلك.
سنتحدث في هذا المقال عن أحدث اضطرابات الأنترنت والتكنولوجيا الحديثة تصنيفاً وهو اضطراب ألعاب الانترنت، عن الجدل القائم حول تصنيف هذا الاضطراب كمرض مستقل بذاته، ونتحدث عن أعراض إدمان الألعاب الالكترونية وأسباب اضطراب ألعاب الانترنت والطرق المقترحة لضبط اللعب عبر الانترنت.
 


ذات صلة


تصنيف اضطراب ألعاب الانترنت

خلال العقدين الأخيرين وجد الأطباء والمعالجون المتخصصون بعلم النفس والطب النفسي أن انتشار استخدام شبكة الانترنت لأغراض متعددة موضوع مهم ودسم في مجال البحث النفسي، وبدأ البحث فعلياً عن الاضطرابات العقلية والنفسية التي قد تصيب مستخدمي الانترنت ويمكن تصنيفها كاضطرابات قائمة بذاتها.
وعلى الرغم من ندرة الاضطرابات العقلية والنفسية المصنَّفة علمياً تحت مسمى اضطرابات الانترنت؛ إلَّا أن الكثير من المشاكل النفسية المتعلقة باستخدام شبكة النت وضعت تحت الدراسة، ومنها اضطراب ألعاب الانترنت، حيث تم وضع توصية لدراسة اضطراب ألعاب الانترنت Internet Gaming Disorder في الإصدار الخامس من الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية الصادر عن الرابطة الأمريكية للطب النفسي DSM5.
ومن جهتها ضمَّنت منظمة الصحة العالمية اضطراب الألعاب الالكترونية وألعاب الفيديو في النسخة الحادية عشرة من التصنيف الدولي للأمراض، ما سبب جدلاً كبيراً حول صحة هذا التصنيف نتطرق له لاحقاً.
 

ذات علاقة


ما هو اضطراب ألعاب الانترنت؟

كما ذكرنا فإن اضطراب ألعاب الانترنت لا يعتبر حتى الآن اضطراباً عقلياً أو نفسياً معترفاً به من قبل جمعيات ومنظمات الطب النفسي العالمية باستثناء إدراجه في دليل منظمة الصحة العالمية، لكن هذا لم يمنع الرابطة الأمريكية للطب النفسي من وضعه كاضطراب يحتاج للمزيد من الدراسة وإخضاعه لمعايير تحديد الاضطرابات النفسية والعقلية.
ويمكن أن نعرِّف اضطراب ألعاب الانترنت أنه إدمان الشخص على الألعاب المتصلة عبر شبكة الانترنت بحيث يشكل هذا الإدمان عائقاً أو سبباً في عرقلة الحياة الاجتماعية وأداء المهام الروتينية، فمن معايير اعتماد الاضطرابات المختلفة علمياً أن يؤثر الاضطراب على قدرة الفرد في أداء مهامه اليومية والمهنية وأن يأثر سلباً على حياته العائلية والأسرية واستقراره النفسي.
علماً أن اضطراب ألعاب الانترنت لا يشمل لعب القمار عبر الانترنت الذي يعتبر اضطراباً قائماً بحد ذاته، كما لا يشمل المشاكل النفسية المتعلقة باستخدام شبكات التواصل الاجتماعي أو الاستخدام العام للشبكة العنكبوتية.
 

أعراض اضطراب ألعاب الانترنت

بما أن اضطراب ألعاب الانترنت ما يزال تحت الدراسة فإن الأعراض التي سنذكرها هي الأعراض المقترحة أو المحتملة لتشخيص اضطراب ألعاب الانترنت مستقبلاً، وتشمل هذه الأعراض:
- الانشغال غير الطبيعي بألعاب الانترنت.
- محاولات فاشلة للإقلاع عن ألعاب الانترنت.
- فقدان الاهتمام بأشياء كانت مهمة بالنسبة للفرد وتركيز الاهتمام على اللعب بشكل أساسي.
- الاستمرار باللعب على الرغم من المشاكل المتصلة به وإدراك اللاعب للآثار السلبية.
- اللجوء إلى ألعاب الانترنت لمواجهة التوتر والإجهاد.
- خداع الآخرين بخصوص اللعب عبر الانترنت، كاللعب بالسر أو الكذب بخصوص الوقت الذي يقضيه الفرد في اللعب عبر النت.
- الشعور بأعراض الانسحاب من الإدمان عند التوقف عن اللعب مثل القلق والتوتر واضطرابات النوم.

من المقترح أن يتم تشخيص اضطراب ألعاب الانترنت لمن يعاني من خمسة أعراض أو أكثر من الأعراض المذكورة بصفة مستمرة أو شبه مستمرة خلال عام كامل، ويتم استخدام هذه المعايير لتشخيص اضطراب ألعاب الفيديو غير المتصلة بالأنترنت مع الأخذ بعين الاعتبار أن ألعاب الانترنت تشكل عاملاً أقوى للإدمان وهي الأكثر انتشاراً الآن وفي المستقبل.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أن تشخيص اضطراب الألعاب الالكترونية يجب أن يشير إلى سلوك شديد الخطورة يؤدي لآثار سلبية واضحة على الحياة الشخصية أو الاجتماعية أو العائلية أو المهنية أو التعليمية.
ويتم الأخذ بعين الاعتبار تصنيف الاضطراب كاضطراب حاد أو متوسط أو خفيف من خلال تقييم عدد الساعات التي يقضيها اللاعب في اللعب ومدى تأثير هذا السلوك عليه.
 

أسباب إدمان اللعب على الإنترنت

الحديث عن أسباب اضطراب ألعاب الانترنت معقد أكثر مما يبدو، ذلك أنه وحتى الآن لا يمكن وصفه كاضطراب حقيقي علمياً، بالتالي من الصعب تحديد أسباب حقيقية لهذه المشكلة، ويصح القول أن لكل مدمن على الألعاب الالكترونية أسبابه الخاصة، مع وجود بعض العوامل المشتركة بين الأشخاص الذين يرغبون باللعب عبر الانترنت باستمرار.

وقد تحدثنا عن بعض الأسباب الوجيهة التي تقود اللاعبين إلى لعبة ببجي مثلاً من خلال هذا المقال، ويمكن التفكير ببعض الدوافع الأساسية لإدمان ألعاب الانترنت عموماً كالآتي:
1- ألعاب الانترنت جذابة:
بلا شك لا تقوم شركات تصميم وتطوير الألعاب الإلكترونية بإنفاق ملايين الدولارات على دراسة سلوك اللاعبين وتطوير الألعاب والتسويق لها دون جدوى، فالهدف هو الوصول إلى أقصى درجة ممكنة من الجاذبية، سواء من حيث تصميم قصة اللعبة أو تصميم المشاهد والمناظر والرسومات، أو خلق الدوافع الحوافز والمكافآت، وكل لعبة تقوم باستهداف مجموعة من الغرائز البشرية كالأنانية أو المنافسة أو السيطرة والسلطة وغيرها.

2- التسلية والترفيه: الألعاب الالكترونية بلا شك وسيلة رائعة للتسلية وقتل الوقت والتخلص من الملل، بل أن هذه الألعاب تخلق حالة من الانفصال عن الواقع قد لا نختبرها بالقراءة أو مشاهدة فيلم أو السباحة أو غيرها من الهوايات، ولا شك أن كثير من الناس يبحث عن لحظات الانفصال عن الواقع هذه!.

3- مواجهة القلق والتوتر: في وصف أعراض اضطراب ألعاب الانترنت تم تحديد اللجوء للعب لمواجهة القلق والتوتر كأحد أعراض الاضطراب، فيما يعتقد معارضو وصف اللعب كاضطراب أن اللجوء إلى اللعب لمواجهة القلق والتوتر أمر جيد!، وهذا ما سنناقشه بالتفصيل في فقرة لاحقة.

4- مجتمعات الألعاب الإلكترونية: ألعاب الانترنت الحديثة تقوم بخلق مجتمع موازٍ لا تقل العلاقات فيه أهمية عن العلاقات الحقيقية، ما يجعل بعض ألعاب الانترنت شبيهة إلى حد بعيد بمواقع التواصل الاجتماعي من حيث قدرتها على دمج اللاعب في مجتمع من اللاعبين.

5- اضطرابات أخرى: قد يكون الإدمان على الألعاب الالكترونية أو اضطراب ألعاب الانترنت متصلاً فعلياً باضطرابات أخرى، أو تعبيراً سلوكياً عن مشاكل نفسية أعمق، مثل اضطرابات القلق أو الشعور بالعزلة والوحدة واضطرابات الاكتئاب، أو الرهاب الاجتماعي... إلخ، ويعتقد معارضو تصنيف اضطراب الألعاب أن هذا سبب وجيه لرفض تصنيف هذا الاضطراب كمرض منفصل.
 

علاج إدمان اللعب

على وجه العموم يستطيع مدمنو الألعاب أو معظمهم الإقلاع عن اللعب والتحكم برغبتهم بشكل ذاتي في مرحلة ما، وقلَّما يتطلب الأمر تدخلاً من معالج مختص ما لم يكن متصلاً باضطرابات نفسية حقيقية أخرى.
ويمكن القول أن ناقوس الخطر هو إدراك اللاعب لخطورة قضائه وقتاً طويلاً خلف الشاشة وتأثير ذلك على عمله وأدائه الاجتماعي وعلاقاته الأسرية وعدم قدرته في نفس الوقت على التوقف، عندها يجب أن تؤخذ النقاط التالية بعين الاعتبار:

- طلب المساعدة النفسية والاستشارة الاختصاصية أمر مهم عند فقدان القدرة على حل أي مشكلة ذاتياً.

- بالنسبة للمتضررين من إدمان غيرهم على الألعاب الالكترونية وخاصة الزوجات والأمهات؛ يجب أن يدركن أن الإلحاح أو الانتقاد العلني ليس حلاً، بل قد يقود إلى المزيد من الإصرار على اللعب، الأجدى هو البحث عن حلول ذكية تساعد الشخص على إيجاد ما هو أهم من اللعب.

- إلغاء فكرة الإقلاع النهائي عن اللعب إن كان ذلك عسيراً واستبدالها بتنظيم وقت اللعب، فالنظر إلى اللعب كمرض أو مشكلة نفسية يجب التخلص منها بشكل نهائي قد يعقد المسألة، المشكلة ليست اللعب بحد ذاته بل الوقت المهدور والتخلي عن المسؤوليات في سبيل اللعب، وقد يكون من الأجدى محاولة تنظيم الوقت بشكل فعَّال.

- تحويل اللعب لمكافئة ولوقت محدد، وذلك من خلال ربط الإنجازات اليومية التي نتقاعس عنها نتيجة اللعب باللعب نفسه، كأن نحدد ساعة لعب إذا أنجزنا المهمة الفلانية، أو نربط اللعب بالإجازات والعطلات، ويجب أن نبقى منتبهين أن المشكلة في تنظيم الوقت.

- الانخراط أكثر بنشاطات حقيقية، كالنشاطات البدنية أو الرحلات أو اللقاءات الاجتماعية والزيارات.
 

الجدل حول اضطراب اللعب

كالعادة؛ عندما يتم طرح اضطراب جديد للدراسة والتصنيف تشتعل الأوساط العلمية بالنقاش حول موثوقية التصنيف خاصة فيما يتعلق باضطرابات الانترنت، فهناك فئة ليست قليلة من علماء النفس والأطباء ينظرون إلى تصنيف ألعاب الانترنت كاضطراب أو إدمان مبالغة غير علمية ومغالطة في تحديد مفهوم الإدمان والاضطراب.

من وجوه هذا الجدل مثلاً أن الأعراض المقترحة لتشخيص اضطراب ألعاب الانترنت مأخوذة من أعراض الإدمان على المخدرات، فيما لا يمكن النظر إلى إدمان المخدرات كشبيه لإدمان ألعاب الانترنت بأي شكل من الأشكال، ففقدان الاهتمام بالهوايات القديمة مثلاً قد يجعل من اللعب على الانترنت هواية جديدة بكل بساطة وليس اضطراباً، كذلك استخدام اللعب عبر الانترنت لتقليل وتخفيف التوتر قد يتم النظر إليه بشكل إيجابي بدلاً من اعتباره دليلاً على وجود اضطراب.
ويذهب معارضو تصنيف اللعب كاضطراب إلى المقارنة بين اللعب عبر الانترنت وأي هواية أخرى قد تسيطر علينا، حيث لا يمكن النظر إلى السباحة أو لعب الكرة أو غيرها من الهوايات كاضطراب.
كما يؤكد معارضو تصنيف اضطراب الألعاب كاضطراب مستقل أنه لا يوجد ما يجعل الإدمان على الألعاب اضطراباً قائماً ما دام غير مستقل من حيث الأسباب والنتائج، بمعنى أن الإدمان على الألعاب قد يكون وجه من وجوه اضطرابات أخرى، ولا يمكن تتبع آثار جسدية أو عقلية واضحة وأكيدة للعب الكثيف حتى الآن.
من جهة أخرى يعتمد مناصرو تصنيف اضطراب ألعاب الانترنت والألعاب الإلكترونية على تأثر إدمان اللعب بطبيعة العلاقات الاجتماعية والأسرية والأداء المهني وعدم قدرة اللاعب على التوقف عن اللعب على الرغم من إدراكه لهذا التأثير.

ما فائدة هذا الجدل؟
من خلال منصة مجتمع حلوها تصلنا عشرات الاستفسارات وطلبات المساعدة بخصوص إدمان الألعاب الإلكترونية، فهناك زوج فقد اهتمامه تماماً بأسرته نتيجة إدمانه لعبة ببجي، وهناك ابن تراجع في الدراسة نتيجة هوس الألعاب الالكترونية، وعشرات إن لم نقل مئات الحالات المشابهة.
ونشير هنا أن الجدل القائم حول تصنيف اضطراب الألعاب الالكترونية لا ينفي وجود مشكلة متعلقة بممارسة اللعب بشكل مفرط؛ بل هو حول تصنيف هذا الاضطراب علمياً، وعندما قامت منظمة الصحة العالمية بتضمين الاضطراب في دليلها كان ذلك بهدف وضع برامج علاجية وتنظيم تقديم الدعم والعلاج لمن يعاني من مشاكل متعلقة بإدمان الألعاب.
بناءً على ذلك؛ سواء تم تصنيف إدمان الألعاب الالكترونية وألعاب الانترنت كاضطراب منفصل أو اعتباره انعكاساً لاضطرابات أخرى فإن ملاحظة تأثير سلبي لألعاب الانترنت على حياة الفرد على الأصعدة المختلفة جدير بطلب الاستشارة النفسية.

أخيراً... يبدو أن الرأي الأرجح هو النظر إلى اللعب عبر الانترنت والألعاب الالكترونية كهواية من نوع خاص قد تستغرقنا أكثر من اللازم، والتركيز أكثر على تقديم المعونة للأشخاص الذين يعانون من مشاكل متعلقة بالألعاب من خلال فهم دوافعهم الحقيقية وتحييد الاضطرابات النفسية التي قد تقود لإدمان اللعب وتقديم المساعدة في تنظيم الوقت والحد من الآثار السلبية للعب عبر الانترنت أو إدمان الألعاب الإلكترونية.