يأتي عيد الفطر المبارك بعد أداء فريضة الصيام والركن الرابع من أركان الإسلام لإدخال السرور والفرح على القلوب، وجمع الشمل وتلاقي الأهل والأصحاب في أجواء من التقارب والبهجة تزيل الخصومات والفجوات.
ورغم ما يُفترض في العيد من الشعور بالسعادة وهدوء النفس واجتماع العائلات، فإن البعض يشعر بالملل والإحباط فيه، كما تنشأ أحيانًا الخلافات الزوجية والأسرية قبله وأثناءه، ويتحول وقت السرور إلى غضب وعصبية وضيق، وفي هذا المقال نستعرض أسباب المشكلات والمشاعر السلبية التي قد تسلب فرحة العيد، ونقدم أفكارًا للسعادة فيه بين الأزواج ومع الأبناء.
 


ذات صلة


أسباب الضيق والخلافات في أيام الأعياد

هناك العديد من الأسباب والأحوال التي تؤدي إلى وقوع الخلافات، وضيق النفوس في أيام العيد، وأهمها: 
1- الضغوط الاقتصادية
نتيجة كثرة الطلبات والمشتريات والتجهيزات، مما يدفع بالبعض إلى تحمل الديون لشراء الملابس والحلوى، أو السفر والنزهات، وإعداد العزائم المبالغ فيها.
ولا شك أن التسابق في الشراء، والإسراف والمبالغة في المظاهر يؤدي إلى ضغط كبير مادي ومعنوي يضيع روح العيد القائمة على المحبة والبساطة والراحة والاستجمام بعد شهر الصبر والاجتهاد في العبادات.
وشراء الملابس الجديدة، والاهتمام بالبيت، أو التحضير للنزهات من الأمور الجميلة التي تعزز مشاعر السعادة بالعيد، ولكن المشكلة في الإسراف والتفاخر واللجوء للاستدانة وإرهاق ميزانية الأسرة.

2- التوقعات العالية
غالبًا ما تصادفك في يوم العيد عبارات بنكهة الاستياء والاستنكار، مثل: "هل هذا عيد؟"، قد تقولها الزوجة لزوجها، أو العكس، أو يطلقها الأبناء، وتراها كثيرًا على تجمعات وسائل التواصل الاجتماعي، كأن تشكو زوجة من أنها لم تخرج رغم أنه عيد، أو يعبر أحدهم عن شعوره بالملل الشديد رغم أنه يوم عيد.. وهكذا يصبح كون اليوم عيدًا سببًا مضاعفًا للتحسر على الحال، والشعور بالضيق.
والمشكلة ليست في العيد بكل تأكيد، وإنما في التوقعات العالية المبهمة التي هي من أهم أسباب الإحباط، فعندما نتوقع السعادة المطلقة والكبيرة فقط لأنه يوم العيد، وعندما نتوقع حدوث المفاجآت السارّة لأن هذا ما يرتبط في عقولنا بالعيد، ثم  يمر اليوم هادئًا روتينيًا نشعر بالإحباط.
أما إذا كانت التوقعات معقولة ومحددة، وكانت السعادة بماهية العيد نفسه، وأنه يكسر الصيام الممتد لشهر كامل، فإن الإحباط يتلاشى، ويبدأ التفكير في الاستمتاع بالتفاصيل البسيطة الجميلة.

3- غياب التخطيط
بعض الأسر والأشخاص يفكرون يوم العيد ماذا يفعلون، وحينها تبدأ العقبات التي لم تكن في الحسبان، والخلافات حول الطريقة المثلى لقضاء اليوم.
من المهم التخطيط المسبق ليوم العيد، وعدم انتظار أن يكون مليئًا بالأنشطة الرائعة من تلقاء نفسه، فالسفر يحتاج إلى اختيار وحجز وتجهيز، واللقاءات الأسرية تحتاج إلى ترتيب، والتنزه يحتاج إلى مشاورة مع الأسرة أو الأصحاب واستعداد ملائم.

4- إهمال الشريك والأولاد
العيد فرصة رائعة لتجمع الأسر والعائلات وصلة الأرحام، ولكن البعض يفضل مساحته الشخصية وأنشطته الفردية، أو تجمعات الأصحاب على حق الأهل، مما يُشعر الشريك والأبناء، أو الوالدين والإخوة بعدم أهميتهم، وضياع حقهم، ويتسبب في شعورهم بالحزن وخيبة الأمل.

5- مشكلات النوم والأكل
التغيير المفاجيء في النظام الغذائي قد يتسبب في متاعب للمعدة، وسوء الهضم، كما يسبب عدم انتظام النوم الإرهاق وسرعة الغضب، أو ضياع يوم العيد في النوم تعويضًا للسهر الطويل.

6- تعارض الرغبات
كأن ترغب الزوجة في قضاء العيد وسط أهلها وبصحبة زوجها وأولادها، ولكن زوجها في المقابل يريد الشيء ذاته مع أهله، ويصر كل منهما على أحقية أهله بأول يوم، أو أن يرغب الأطفال في الذهاب إلى مدينة الملاهي بينما يفضل الوالدان الراحة في البيت ومشاهدة التلفاز.

7- المقارنة
مقارنة النفس والحال مع الغير من أقصر الطرق للتعاسة، كما أنها غير منطقية ولا واقعية، فلكل إنسان ظروفه، ولكل أسرة حالها، وكثيرًا ما تكون المظاهر خادعة، فكثرة النفقات، ونوعية الملابس والفسح لا تعبر بالضرورة عن قدر السعادة، لذا فإن النظر إلى مظاهر الفرح والاستمتاع لدى الآخرين والرثاء للذات والتحسر على الحال يسبب الهم والتعاسة بلا سبب حقيقي. 

8- تذكر الأحزان، وزيارة المقابر، والاستسلام للذكريات الكئيبة، ويعتقد بعض الناس أن لزيارة المقابر يوم العيد فضل خاص، وهذا غير صحيح، كما أن العيد ليس الوقت المناسب للتفكير في مآسي الحياة.
 

ذات علاقة


السعادة الشخصية يوم العيد

وبعد أن استعرضنا أبرز أسباب الضيق والمشكلات في العيد، نطرح أفكارًا للتغلب عليها، والاستمتاع بهذا اليوم المبارك.
ولأن السعادة تنبع من الداخل، وعلى الشخص أن يهتم باستقراره النفسي وسعادته الشخصية أولا حتى يستطيع إسعاد غيره، فهذه بعض الأفكار للسعادة الذاتية يوم العيد:

1- الشكر والامتنان لله على شهر رمضان، وعلى نعمة العيد، فالشعور بالامتنان هو أصل الرضا والسعادة، فيمتن الإنسان لله تعالى أن وفقه للصيام والعبادة وإتمام الشهر الكريم، وأنه كما أمر بالصيام فقد أمر بالفطر رحمة وحكمة وتقديرًا.
ويمتن لنعم الله حوله، ويركز على ما لديه لا على ما ينقصه، ويستشعر عظيم فضل الله عليه في كل أحواله.

2- صلاة العيد، وهي من أكبر أسباب السعادة في هذا اليوم، فالخروج في الصباح الباكر والسير في الطرقات مع ترديد تكبيرات العيد، ومشاهدة فرحة الصغار والكبار، ومظاهر البهجة، وأداء الصلاة كلها أمور تشيع في النفس الفرحة، وتعم القلب بالسلام والطمأنينة.

3- أداء بعض الأمور المحببة "لنفسك عليك حقا".. لذا فإنه بجانب الالتزامات العائلية، وإسعاد الغير، من المهم تخصيص مساحة للنفس، ومحاولة أخذ الكفاية من النوم، والاستمتاع بالأمور الشخصية اللطيفة.

4- الانتباه للطعام، واتباع النصائح الصحية في التعذية، وعدم إرباك المعدة بالأطعمة المختلفة المتنافرة والدسمة.
 

السعادة الزوجية في العيد

تقارب الزوجين، وشعورهما بالإشباع والاستمتاع ينعكس بشكل إيجابي على كل تفاصيل حياتهما، ويجعل الأسرة بأكلملها سعيدة، فلا شيء أفضل للصحة النفسية للأبناء من تناغم ومحبة والديهما، وهدوء البيت وتبادل الود بين أفراده.

وهذه بعض الأفكار لزيادة المحبة والسعادة بين الزوجين في العيد:
1- التفاهم وتلمس الأعذار،
وعدم أخذ الكلمات والتصرفات على محمل سيء، وإذا كان إحسان الظن والتفهم من أهم قواعد الاستقرار الزوجي بشكل عام، فإن أثرها يتجلى في يوم هام ومميز كيوم العيد.
ومن آثار التفاهم ألا يُحمّل أي طرف الآخر بما يفوق طاقته، وألا يتهمه بالتقصير لعجزه عن تلبية طموحات مالية أو أعمال معينة، أو أن يقارن بينه وبين الآخرين.

2- الحوار الهاديء والتشاور والوصول إلى حلول بالتراضي، فإذا كان كلا الزوجين يريد زيارة أهله أول يوم، فيمكنهما بالحوار وعدم العناد للوصول إلى حل وسط، كأن يقسما اليوم إلى جزئين، ويقضيا مع كل عائلة جزءًا منه، وإذا تعذر هذا الحل لبعد المسافات، فيمكن اختيار عائلة أحدهما على أن تكون للعائلة الأخرى الأولوية في العيد القادم، أو أن يجمعا العائلتين معًا في بيتهما، إلى غير ذلك من الحلول التي تنشأ عن الحوار الودود.

3- تخصيص الوقت، والاستعداد الجيد... بعيدًا عن الكلام النظري، فإن الحب يحتاج إلى مساحة من الوقت، وفرصة للظهور والنماء، وبدون أن يخصص كلا الزوجين وقتًا للآخر فإن علاقتهما ستتدهور بشكل حاد.
وبعد شهر رمضان المبارك، وما فيه من صبر وقيود على العلاقة الحميمة، وتضاؤل لمظاهر المرح والتقارب الجسدي والعاطفي بين الزوجين، فإن العيد يأتي فرصة للإشباع والتعبير عن الاشتياق.
وعلى كل زوج الانتباه لاحتياجات شريكه، وأن تعي الزوجة أهمية الاستعداد للقاء زوجي جميل، بالاهتمام بنفسها، وإضفاء لمسات على البيت وغرفة النوم، وتنظيم وقت الأطفال وشغلهم بأنشطة آمنة ومفيدة، حتى تستطيع توفير الجو المناسب للصفو مع زوجها.
وعلى الزوج أن يُقدم الاهتمام بزوجته ليلة العيد ونهاره على الأصدقاء، وأن يُشعرها باشتياقه وتفضيله لها.

4- التهادي: نبهنا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم إلى تأثير الهدية على العلاقات بشكل عام، فقال: "تهادوا تحابوا". وما أجمل أن يتهادى الزوجان في العيد، ولا يُشترط التكلف وإنما أن تعبر الهدية عن المحبة والتقدير.

5- الكلمات الرقيقة: إذا كانت الكلمة الطيبة صدقة، فهي بين الزوجين أعظم وأهم، وللكلمة سحر خاص، وكثيرًا ما تسد الكلمات الجميلة النقص في أمور كثيرة، ولها صور متعددة بين الزوجين، مثل المباركة على العيد، والتعبير عن السعادة بالتواجد سويًا، والإعراب عن الشكر لكل الأعمال التي قام بها الآخر لإسعاد الأسرة، وكلمات الغزل والمحبة والاشتياق، والتي تحلو مسموعة ومباشرة، كما تحلو مكتوبة وعبر الرسائل.
 

إسعاد الأبناء في العيد

تنطبع ذكريات العيد في عقول الصغار، ولا ينسى الأبناء أطفالا ومراهقين سعادة الأسرة وطقوسها المميزة في العيد، ومن الأفكار المميزة لإدخال السرور على الأبناء:

1- تزيين البيت، وخاصة عندما يشاركون في تحضير الزينات، وتعليق البالونات، وكتابة العبارات السعيدة.

2- مشاركتهم في زكاة الفطر وتشجيعهم على العطاء، مما يعودهم على السعادة بإسعاد الغير، والشعور بروح العيد التي لا تقتصر على اللعب والمرح، وإنما العطف والرحمة بالناس.
ويمكن تشجيع الأطفال على الاختيار من بين ألعابهم وقطع ملابسهم لإعطائها لطفل محتاج، وتعزيز إحساسه بالغير، ومدحه على الكرم والعطاء.

3- أخذ آرائهم في التخطيط لليوم، وإشعارهم أن أراءهم مهمة، وتفكير الأسرة مجتمعة في التخطيط الأمثل لأيام العيد، مما يعودهم على الحوار الراقي، وتبادل وجهات النظر، واحترام رغبات الآخرين واحتياجاتهم.

4- الرفق والهدوء، فمن الطبيعي أن يصدر عن الأطفال أخطاء، وأن تقع بينهم مشاحنات، وأن يحدثوا ضوضاء وفوضى، والصراخ والعصبية عليهم لن يقللا من هذا كله، وإنما سيشعلان البيت توترًا، فيرتبط العيد لديهم بالعقاب والتوبيخ. ما يحتاجه الأطفال هو شغل أوقاتهم، وإعطائهم الفرصة للعب والمرح، والصبر عليهم مع توجيههم.

5- الملابس الجديدة، وهي من الأمور المميزة للعيد، ولا يلزم أن تكون جميع الملابس جديدة، أو أن تكون باهظة الثمن، "لينفق ذو سعة من سعته".

6- العيدية والهدية، للعيدية فرحة خاصة لدى الأطفال بالذات، وهي فرصة لتعليمهم العد والعملات النقدية المختلفة، وتقدير أهمية المال، وقيمة الادخار، وكيفية الشراء، كما أن لهدايا وألعاب العيد إحساس مميز يزيد الفرحة في قلوب الصغار.

وفي الختام فإن العيد سُميَ عيدًا لأَنه يعود كل سنة بفرحٍ مُجدَّد – كما يقول أهل اللغة- وهو فرصة لشحن النفس بالسعادة والامتنان، وغرس الذكريات الجميلة مع شريك الحياة والأهل والأبناء، فلا تضيعه في الإحباط والتحسر على ما فات، واستمتع بتفاصيله، وأدخل عليه بعض الحيوية والابتسامة والمشاعر الجميلة ليصبح بحق "عيد سعيد".