تربية طفل يتحلى بالجرأة.. مسئولية دقيقة جداً وحساسة للوالدين، فهناك شعرة تفصل ما بين جراءة الطفل وقوة شخصيته وبين الوقاحة والتملق، الذي لا يتمناها أي شخص لأطفاله الصغار، وكثيراً ما نقابل مثل هذه المعاناة اليومية للأهل بسبب ذلك، في مقالنا هذا سنتعرف على جرأة الطفل، وكيفية تأسيسها بشكل صحيح ورعايتها في شخصية أطفالنا، من خلال تأديب الصغير وانضباطه، كذلك بناء المرونة في شخصيته.



محتويات المقال (اختر للانتقال):

1- ما الذي يجعل الأطفال أكثر جرأة؟
2- تربية الطفل الجريء
3- جرأة الطفل والمرونة
4- المصادر والمراجع


ما الذي يجعل الأطفال أكثر جرأة؟

عندما نتحدث عن طفل جريء، يجب أن نتحدث عن طفل شجاع، بمعنى أنك تبني في الطفل قدرة للحصول على ما يريده، بحيث لا يستغرق إنشاء هذا النمط في شخصيته وقتاً طويلاً، لأن جزء كبير من سلوكيات البشر مدفوع بالغريزة، لكن هناك جزء صغير من تلك الغرائز والعادات يمكن التحكم به وإدارته، وكبشر نحن قادرون جداً على التكيف.
هناك أطفال تمت تربيتهم بشكل ديكتاتوري أو استسهالي، بحيث لا يتمكنون من فتح الباب لوحدهم! بحيث يحلل الصغار الظروف المحيطة بهم ويبدؤون التعرف على ما يمكنهم أو لا يمكنهم فعله من أجل تلبية رغباتهم، وما عليك إلا أن تفكر بطفل رضيع يصرخ في منتصف الليل، وعندما يسمع الأهل هذا الصراخ؛ ينهضون ويتحققون مما إذا كان الطفل بحاجة لتبديل الحفاض أو بحاجة إلى طعام.. لذلك ومنذ وقت مبكر جداً؛ يتعلم الطفل أن هناك أنشطة معينة مثل: (الصراخ أو ضرب أقدامهم بالأرض)، تلفت انتباه البالغين.
إن هذه الأساليب لجذب انتباهك هي أساليب البقاء على قيد الحياة في مرحلة قديمة من وجهة نظر تطورية، حيث يفعل الأطفال الصغار بعض الأشياء لجذب انتباه الكبار من أجل مساعدتهم عند التعرض للخطر، لكننا لم نعد في هذا العالم البدائي الآن، لكن نحتاج إلى إدراك أن الأطفال ما زالوا يستخدمون أحياناً إشارات الخطر هذه؛ عندما يكون كل ما يريدون هو عناق مثلاً! وأنه يجب طمأنتهم بأن كل شيء آمن بالنسبة لهم.. (عندما يصرخ الطفل في اللحظات التي يجادل فيها والديه مثلاً، فإنه بحاجة إلى إيقاف ذلك الخوف الذي انتابه على مصدر مانه)، وإذا لم تلتقط الإشارات التي يرسلها الأطفال للوفاء باحتياجاتهم العاطفية، سوف ينتجون استجابة غاضبة ومقابِلة لرغبتهم التي يصرخون من أجلها، فيطلبون الحلوى أو الألعاب مثلاً وهو ليس السبب الرئيسي لصراخهم.. وبكل بساطة يعبّرون بطريقتهم الخاصة، لذا يجب أن نفهم أن الكثير من سلوكنا، هو سلوك لضمان البقاء على قيد الحياة، وما يسبب صراخ الأطفال وعنادهم، هو تعرض الأطفال للصدمة بأي شكل من الأشكال، وما سلوكهم لجذب للانتباه إلا حاجة دفاعية لحمايتهم، وفي بعض الأحيان يكون للحصول على شيء أقنعهم بهم إعلان تلفزيوني مثلاً، كل هذه المقدمة محولة لفهم هذا العقل الصغير، الذي لا يستطيع في الغالب التعبير بالكلمات عما يريده، ويجب أن تعرف كيف تتعامل مع هذه اللغة، كيلا تربي طفلاً مدللاً أو جباناً يفتقد للجراءة (موضوع حديثنا في هذا المقال).


تربية الطفل الجريء

إذا ما هي الجراءة وكيف تبدأ بتربية طفل جريء؟
إن أهم عنصر لتربية طفل جرئ، هو كيفية انضباطه والتزامه بقواعد يحددها الوالدين، وكيف يمكن للوالدين تأديب الطفل، ليضمنا تأسيسه على الجراءة بمعناها الصحيح؟ بحيث تضمن أنك تعلمه الصحيح وفي نفس الوقت لا تفقده شجاعته وجرأته، بأن يغامر ويخرج عن نطاق حمايتك ليكتشف، مثلاً خرج الطفل إلى الشارع دون علمك، بالتأكيد عليك هنا أن تعاقبه، لكن يجب ألا تؤثر على حس المغامر لديه، أو تكبت جرأته للمضي وحده في استكشاف شيء جديد، إن الموضوع صعب أليس كذلك؟! لكن الطبيب النفسي والاستشاري المتخصص بتربية الأبناء الدكتور أوين كونولي (Owen Connolly)، يقدم مجموعة من النصائح، لكيفية تأديب الأطفال[1]:

- كن حازماً: لا تستخدم كلمة "لا"... استخدم "نعم" بدلا من ذلك، وحدد المهام للأطفال.. على سبيل المثال: "نعم يمكنك الحصول على اللعبة لكن أود منك تنظيف غرفتك، وترتيب سريرك"، وإذا خرج الطفل إلى الشارع فجأة مع مخاطر أن تصدمه سيارة أو يتعرض للأذى، لا تضربه وكن صبوراً فالطفل غير صبور، ولا أحد يحب أن يتعلم في مكان يتعرض فيه للتخويف والنقد والضرب، بدلاً من ذلك حدد مكاناً للعقاب في المنزل، مثل أن يجلس الطفل على كرسي المطبخ حتى يأتي ويعتذر عن سلوكه، الذي لا بد أن يعرف أنه خاطئ، فكيف سيعرف خطورة الاندفاع نحو الشارع وأنت لم تعلّمه ذلك؟! يمكن أن تعاقب الطفل بهذه الطريقة وفق عمره: (العقوبة لمدة دقيقة واحدة في عمر السنة، وثلاث دقائق لطفل عمره ثلاث سنوات وخمس دقائق لطفل عمره خمس سنوات).

- كن إيجابياً: وجه انتباه طفلك بعيداً عما لا يريد فعله، وإلى ما يريد فعله!.. مثلاً قل له: "بمجرد الخروج من الحمام وتنظيف أسنانك، يمكننا قراءة قصة".

- وضح نفسك: هذا يعزز مهارات التفكير لدى الطفل، قل له مثلاً: "امسك السكين بعناية، أو دعني اقطع الخبز عنك، ستؤذي نفسك".

- وضع القواعد غير الشخصية: حول الصراع إلى ما بين الطفل والقاعدة بدلاً من الصراع بينك وبين الطفل، ومثال يوضح هذا التحويل: "لا أريدك أن تشرب العصير في غرفة المعيشة"، إلى قاعدة: "الطعام والشراب في المطبخ فقط، من فضلك".

- الإيجاز والوضوح: أثناء تأديب الطفل، إنه ليس الوقت المناسب لإعطائه خطبة حول سبب توصلك إلى هذه الفلسفة عن النظافة أو آداب المائدة.

- تقديم خيارات كلما كان ذلك ممكناً: مثال: "يجب أن تكون غرفتك مرتبة قبل الذهاب إلى السرير الليلة، هل تريد فعل ذلك الآن أو بعد العشاء؟".

- المكافأة على السلوك الجيد: بادر بالثناء والجوائز والعناق عندما يحسن الطفل السلوك، كذلك اسأل الطفل عن الأفكار حول مكافأته، هذه طريقة ممتازة لتثبت أنك مهتم وتصغي فعلياً إلى رغباته.

- ضع حدوداً لنفسك: سيكون هذا مختلفاً لكل والدين، لكنه غالباً ما يشمل قضايا المدرسة وقضايا الأخوة والأخوات، لذا دع الطفل يعمل على حل نزاعاته في المدرسة بمفرده، أو أن يقوم بحل الخلاف مع أحد أخوته دون مساعدتك.

- العمل معاً: لا يقول الوالدان الحازمان "اذهب"، لكن بدلاً من ذلك يقولان "هيا بنا"، حدد مجال المشكلة، ثم اطلب من الطفل الاقتراحات، وساعده على إيجاد نهج عملي لحلها.

- ضبط التوقعات قد يزيد التعاون: عندما تحدد توقعاتك من سلوك طفلك، سيكون أكثر مرونة للتعاون معك سواء عندما تكون عواقب سلوكه جيدة أو سيئة أيضاً، وعليك أن تراعي عند وضع التوقعات مدى تفضيلك لها: فاسأل نفسك: "هل أريد حقاً وضع حدٍ لهذا؟ هل هو مهم لنمو طفلي، أم أنني أفضل ذلك ويمكنني التغاضي عنه أو مناقشته؟، وهل هذا مناسب لعمره؟" على سبيل المثال، هل من المعقول أن تطلب من طفل عمره ست سنوات التوقف عن طرح الأسئلة!؟ أو أن تطلب من طفل عمره عامين، ألا يطلب وجبات خفيفة بين الوجبات؟!..


جرأة الطفل والمرونة

الجراءة واحدة من أساسيات تربية طفل مرن
عالم اليوم يتطور ويتغير، وسوف يواجه أطفالك العديد من الفرص والتحديات أيضاً، لذلك في مستقبلهم ستكون المرونة، هي أهم مفتاح للنجاح، وسوف يستفيدون منها طوال حياتهم، لغرس وتنمية المرونة في شخصيات أطفالك، عليك أن تركز على أساسيات مهمة في تربيتهم وهي: 
- المثابرة: للاستمرار في المحاولة رغم الفشل وتحويل نقطة الضعف إلى قوة، كذلك عدم الاستسلام بهدف تحقيق شيء ما نتيجة للإصرار.
- الجراءة: الشجاعة لتجربة شيء جديد، كذلك لتجربة المجهول.
- سعة الحيلة: إيجاد حلول سريعة وذكية؛ تزدهر وتحقق النتائج في الظروف الصعبة.
- الاعتماد على الذات: اتخاذ القرارات الخاصة مع المحافظة على الارتباط بالأسرة والأصدقاء، أي أن يكون الطفل مستقلاً.
- التكيف: والقدرة على الاستجابة بشكل مناسب وسريع في الظروف الصعبة، كذلك عندما يتغير شيء فجأة.

كيف تؤسس مرونة الطفل الجريء؟
هدوء الطفل في الملعب وقدرته على مواجهة التخويف والتنمر والتعامل معه في المدرسة، كذلك تكوين صداقات جديدة أو التكيف مع ظروف التغيير، هذه بعض التحديات التي يحتاجها أطفالك كي يكونوا ناجحين في حياتهم وأساسها الجرأة، وهذا هو السبب في كون المرونة أمرٌ مهمٌ لنمو الطفل، وتشير الأبحاث الحديثة[2]: لفهم العجز عند الأطفال؛ إلى ما يمكن أن يساعد الطفل على اكتساب الجرأة في مواجهة التحديات، إلى أن الأطفال المستقلين المرنين والجريئين، هم الذين يحلون المشكلات، ولديهم الحيلة لإيجاد حلول للمواقف الصعبة بأنفسهم، وإليك بعض النصائح لتربية طفل مرن[3]:

- تجنب مساعدة طفلك إذا كنت تعرف أنه يستطيع مساعدة نفسه: كأحد الوالدين.. من الطبيعي أن ترغب في مساعدة أطفالك على كل شيء، لكن القيام بذلك يمكن أن يتسبب في تطور شخصيات أطفالك للـ "التبعية"، وهي مجرد واحدة من تأثيرات المبالغة في حماية الطفل، حيث يعرّف الخبراء وفق الأبحاث التي أشرنا إليها أعلاه، (العجز المكتسب): هو "الاعتقاد العام بأن الشخص غير قادر على إنجاز المهام وليس له سيطرة تُذكر على محيطه"، وما يعنيه هذا لأطفالك عندما يكبرون.. أنهم يستسلمون بسهولة بالغة عند مواجهتهم التحدي، لذلك في المرة القادمة عندما ترغب في مساعدة طفلك الصغير على فعل شيء، تعرف أنه يستطيع القيام به وبمفرده؛ قاوم هذه الرغبة وذكّر نفسك بالإجابة على السؤال: "لماذا تعد المرونة مهمة؟" وضع طفلك على طريق الاستقلال والمثابرة.

- تجنب طرح أسلة "لماذا": قد يترك طفلك دفتر واجباته في المدرسة؛ أول شيء يمكن أن تسأله هو: "لماذا فعلت ذلك؟" من المحتمل أن يجيب: "لأنني نسيت"، ويقول الخبراء[4]: "إن أسئلة (لماذا) ليست مفيدة في تشجيع حل المشكلات لدى الأطفال الصغار"، بدلاً من ذلك يوصون بطرح أسئلة "كيف"، لذا بدلاً من سؤال طفلك عن سبب ترك دفتره، اسأله: " تركت دفترك في المدرسة.. فكيف ستجده؟"، هذا يشجعه على أن يكون واسع حيلة لإيجاد حل واقعي للمشكلة، وقد يجيبك: "سأتصل بأستاذي وأخبره بذلك"، لذا كن "منطقة الأمان" لطفلك، لا تدفعه إلى مواقف غير مألوفة وتسأله أسئلة كبيرة.. حتى يكون جاهزاً لذلك.

- لا تدفع طفلك إلى منطقة مجهولة: لا بد أنك واجهت هذا الطفل الذي ينجح في التكيف مع المواقف الجديدة، أو الذي لن يتردد في التطوع لإثبات نفسه بين زملائه ومدرسيه، أو الذي يتأقلم بسرعة مع أي بيئة جديدة، لكن ليس كل الأطفال جريئين بهذا الشكل، فقد يكون من المغري بالنسبة لك تشجيع طفلك (الذي يتشبث بساقك) لمحاولة اللعب مع الأطفال في الحديقة؛ لكن ذلك قد يؤدي لإضرار ثقته بنفسه بدلاً من تعزيزها، وإذا كنت ترغب في تربية أطفال مرنين جريئين، فأنت بحاجة إلى تعزيز ثقتهم بأنفسهم، لذا حاول تغيير توقعاتك لإفساح المجال لشكوك الطفل، وإذا استغرق الأمر بعض الوقت حتى يعتاد على شيء جديد، فليكن ذلك.. 

في النهاية.. خطوة بخطوة ومع المثابرة، سوف يكون طفلك قادر على تحقيق أي من أهدافه، هذا هو المفتاح في تربية طفل واثق ومتمتع بالجراءة، وعندما يحين الوقت المناسب، ستكون متأكداً أنه سيمضي في هذه الحياة بثقة وشجاعة، شاركنا رأيك من خلال التعليقات.


المصادر والمراجع:

[1] نصائح. تأديب الطفل من المتخصص بالتربية الدكتور أوين كونولي Owen Connolly منشورة على موقع Counsellor، تمت المراجعة في 16/05/2019
[2] دراسة. في أسباب عجز شخصية الطفل منشورة على موقع study.com، تمت المراجعة في 16/05/2019
[3] مقال. نصائح تربية طفل مرن، الكاتبة المتخصصة بالصحة النفسية مارغريتا تارتاكوفسكي (Margarita Tartakovsky)، منشور على موقع Psych Central، تمت المراجعة في 15/05/2019
[4] مقال... لا تسأل الطفل لماذا!.. منشور على موقع Melbourne Child Psychology، تمت المراجعة في 16/05/2019
 

ذات علاقة