جمعنا نتخيل امتلاك لحظة السعادة؛ نقضي وقتاً مثمراً ولا نعاني من أي مشاكل، وتمضي أيامنا مستمتعين بأوقات فراغ خالية من الإجهاد، إلا أن السعادة كلمة مراوغة! لكن ما هي الطرق، التي يمكننا من خلالها اختبار السعادة الحقيقية؟


ذات صلة


السعادة تدفق الحياة

اختبار لحظات العيش خارج الزمن.. يمثل سرّ السعادة
هل سبق لك وأن فقدت إحساسك بالعالم الخارجي، حيث مرت ساعات دون أن تشعر؟! إنه تدفق الحياة، في حالة ذهنية يكون الشخص خلالها مغموراً بالتركيز النشط في العمل أو المشاركة والاستمتاع الكامل مع الأحبة، الأمر الذي يمنحك نوعاً من الرضا؛ نادراً ما تشعر به، وعادة ما يختبره بعض الناس كالكتّاب بالعموم، كما يعبرّ عنه الرياضيون عندما يكونون في الملعب، لدرجة لا يستطيعون معها سماع صراخ الحشود حولهم! وأنت شخصياً ألم تختبر لحظة تلي حالات الاكتئاب أو القلق ثم الملل؛ تلك اللحظة من الخدر.. حتى أنك تفقد تواصلك مع الواقع للحظات؟! ويمكن أن نتحدث باختصار عن بعض النقاط، التي تمنعنا من العيش مع تدفق الحياة بصورة فعلية:

- اختبار المشاعر الكبيرة؛ قد يمثل لحظة السعادة النادرة: لأن الحياة لا توفر فرصة لفترات الراحة أو فترات خالية من التوتر، ومن وقت استيقاظك حتى ذهابك إلى النوم من جديد؛ يتم تحفيز عقلك وسحبه في عدة اتجاهات لتعيش حالة من الإلهاء المستمر، حيث وسائل التواصل الاجتماعي والبريد الإلكتروني، كذلك المهمات واجبات العمل، بالإضافة إلى تكاليف المعيشة والفواتير وكومة هائلة من الأشياء التي يتعين عليك إنجازها، فلا عجب أنك تشعر بالإرهاق.

- أدمغتنا مصممة للتركيز على شيء واحد وفي وقت محدد: لكن حشد أدمغتنا بالمعلومات السريعة يبطئ أدائها، وعندما تكمل مهمة صغيرة مثل إرسال بريد إلكتروني؛ تتشجع على الاستمرار في التبديل بين المهام الصغيرة التي تعطيك الرضا الفوري، مما يؤدي إلى إنشاء حلقة تغذية مرتدة خطيرة، لأنها تدفعك للشعور بأنك تنفذ الكثير في الوقت الذي لا تفعل فيه الكثير.

- أداء العديد من المهام في وقت واحد قد يحفز التوتر: مما يزيد الضغط ويجهدنا، بالنتيجة.. يتركنا في حالة من بالإرهاق الذهني، حتى عندما يكون يوم العمل قد بدأ للتو! كما أنك تمر بأيام قمت فيها بالعديد من المهام، لكنك تشعر أنك لم تفعل شيئاً، وكم من الأشخاص الذين تعرفهم، يبدون منغمسين دون تشتيت انتباههم، وغير مهتمين ببريدهم الوارد أو هواتفهم؟ ليس عدداً كبيراً.. أليس كذلك؟! ربما يعاني العالم من الإجهاد وقلة الرضا، لأنه لا وجود لملاذ يمكن الفرار إليه، نحن نحتاج إلى سرّ تغيير الحياة في عيش تدفقها!

بالنتيجة التدفق موجود في حياتك إلا أنك لم تلاحظه بعد، حيث تعيش تدفق الحياة؛ عندما تسترجع ما كنت تقوم به وأنت مستمتع مثل هواية تركتها منذ مدة، هذا الأمر مهم لا سيما إذا كنت قد قضيت وقتاً طويلاً في القيام بأشياء لا ترغب القيام بها، ولهذا نسيت تلك التي كان لديك شغف حقيقي بها [1]، فليس من الصعب أن تتذكر لحظات التدفق، والمواضيع التي كنت تنجذب إليها، مثل الكتابة وعزف الموسيقى والرقص والطهي وممارسة رياضة معينة.. الخ، عندما تكتشف ما يعيدك إلى حالة التدفق تلك؛ سيكون بمقدورك الهروب من حالة (الطحن اليومي) أو كحد أدنى.. تطوير مهارة يمكنك من خلالها بناء حياة مهنية أفضل.
 

ذات علاقة


التدفق في العمل

التدفق مع الاستغراق في العمل هو رأس مال حياتك الوظيفية
يمكنك الاستفادة من حالة تدفق الحياة؛ بغرض الحصول على علاج روحي لذاتك، لكن إعادة بناء هذه الذات، يمكن أن تكون بالتركيز على التدفق فيما يتعلق بالفوائد المهنية، من خلال [2]:

- رأس المال الوظيفي: فكر به على أنه مجموعة من المهارات، كلما زاد رأس مالك الوظيفي، كلما زادت الفرص المتاحة أمامك، بالإضافة إلى المزيد من الاستقلالية التي يمكنك عيشها في مهنتك، بالنتيجة سيكون ربحك أكبر، ومن دون أن نعمم.. لكن الوظائف ذات المهارات المتدنية، التي يمكن للعديد من الأشخاص القيام بها بشكل جيد نسبياً؛ تدفع أقل من الوظائف ذات المهارات التخصصية، التي لا يستطيع سوى القليل من الناس القيام بها! فإذا أردت أن تكون ذا قيمة ولا غنى عنك، وذلك النوع من الأشخاص الذي يمكنه تحديد معدل عمله وجدوله وشروطه ومردوده؛ فيجب عليك إتقان مهارة نادرة وقيّمة، بالنتيجة.. بدلاً من أن تقلق بشأن التوقعات الخارجية للعالم، فإنك تصبح شخصاً جيداً جداً ولا يمكنهم تجاهلك، فكيف يمكنك تطوير مهارة نادرة وقيمة؟ بأن تركز في عملك الذي تحبه، وتتدفق خلال اللحظات التي تستغرق فيها بهذا العمل من كل قلبك.

- الاستغراق العميق في العمل: عندما تقوم بعمل وتستغرق فيه بشكل كامل؛ فإنك تقوم بذلك في حالة تدفق، مع بذل جهد مدروس للتحسن في مهاراتك، حيث لا يستطيع الكثير من الأشخاص العمل باستغراق، لأنهم لا يستطيعون المضي بذلك لمدة خمس دقائق؛ دون التحقق من بريدهم الإلكتروني أو هواتفهم أو مواقع التواصل الاجتماعي! بالنتيجة انتباههم مجزأ، كما أن لديهم القليل من الصبر وقد لا يحسبون كم تؤثر هذه المشتتات على عملهم، كما تعرف أن الأشخاص الناجحين في معظم المجالات؛ كانوا ببساطة يستغلون الوقت كي يجيدوا حرفتهم، بينما بعض مدراء العمل مثلاً لديهم العديد من عوامل التشتيت لموظفيهم؛ من رسائل بريد إلكتروني والاجتماعات والمكالمات الهاتفي، بالتالي يدمرون الإنتاجية لأنهم صرفوا انتباه الموظفين عن نسبة 50 % من جهدهم طوال اليوم! كي تستغرق بعمق في عملك؛ قم بإنشاء عادة خصص من خلالها وقتاً لصقل المهارات التي تريد إتقانها، كذلك قم بإنشاء طقوس لعملك؛ في نفس الوقت في نفس المكان على مدار فترة زمنية طويلة، مثلاً أثناء العمل.. ركز فقط على العمل، ولو حصل وشردت.. فكر بما يجب عليك القيام به بعد ذلك، ثم عد إلى العمل، وقم بأداء مهامك مع محاولة تحسين مهاراتك؛ راقب نتائج جهدك في المحصلة وسجل ذلك في جدول لقياس أهدافك أسبوعياً أو شهرياً.

- استمتع بتدفق حياتك واستغرق في عملك اليومي: هل لك أن تتخيل عالماً حيث يجد فيه الجميع؛ وقتاً للاستمتاع بتدفق الحياة، كذلك القيام بعمل عميق يومياً! مع إمكانية انخفاض التوتر في جميع المجالات، فقط.. في حال أعطى الجميع أنفسهم 90 دقيقة مثلاً في اليوم للتركيز على مهمة، و90 دقيقة للخروج من زوبعة الحياة والاستمتاع؛ ربما سنكون ألطف مع بعضنا البعض، وستقل تكاليف الرعاية الصحية من خلال الحد من التوتر، الذي يسبب معظم أمراض هذا العصر، كما يزدهر الاقتصاد أكثر، لكن هذه الصورة لبلوغ السعادة تمثل كذبة كبيرة بالنسبة لنا جميعاً، مع ذلك يمكننا محاولة إيجاد ملاذ لتنمية مهاراتنا على أقل تقدير، ولأن تدفق الحياة يرتبط مباشرة بمعناها، بالطبع.. لا يتعين علينا جميعاً تغيير العالم أو التأثير في الكون، لكن على الأقل يمكننا أن نساهم؛ عن طريق الدخول في تدفق الحياة والاستغراق بمحبة في العمل، وهذا هو العالم الذي نطمح جميعاً للعيش فيه.
 

طرق لتحسين الحياة

لا شيء مستحيل.. والحياة لا تبخل بالفرص
يمكنك أن تذهب حيثما تريد، وأن تتحكم بحياتك وتؤمن أنه لا حلم مستحيل التحقق، بشرط أن تكون شجاعاً للإيمان بذلك، كذلك لتحسين حياتك، وأرجو أن تستفيد من النصائح التالية [3]:
- واجه مخاوفك: لا تخفيها أو تحاول تجاوزها، لا تفصل مخاوفك عن حياتك، بل اسأل نفسك ما الذي يمكنني فعله؛ لمواجهة مخاوفي اليوم؟
- استعمل قوة إرادتك لتغيير حياتك: ليس عليك الاستمرار في عمل لا تحبه، قم باختيار وجهة جديدة لحياتك، واستخدم إرادتك لبدء العمل على ذلك (هل ما زلت تفكر بأهمية ترك عملك الذي تكرهه؟)، لا تعش في أخطاء الماضي، بل استثمرها الآن لتمضي قدماً في حياتك.
- اعترف بأخطائك: للآخرين واعترف بأخطائك لنفسك، فلا يؤذيك أن تجلس وتجري محادثة صادقة مع ذاتك، وخذ عهداً.. ألا تكرر نفس الأخطاء، بل أن تتعلم منها.
- أعد اكتشاف أهدافك: وضع بعض الأهداف الكبيرة أيضاً، واعترف بسوء تقديرك لما كنت تعتقد أنه يمكنك القيام به.
- ثق بنفسك: يجب أن تؤمن بإمكانياتك، وكي تصدق أن الغد قد يكون أفضل من اليوم، عليك أن تؤمن بنفسك أولاً.. فليست هناك مهارة لا يمكنك تعلمها.
- كن حكيماً: وذلك كي تتعامل مع التحديات اليوم وغداً.
- حافظ على وقتك: إنه أغلى ممتلكاتك وهو ينفذ بسرعة؛ لا تضِعه في الانتظار.
- استثمر في أرباحك: الأجر يؤمن لك لقمة العيش، بينما الأرباح هي ما تشكل الثروة، وإن سألت: هل يمكن أن أبدأ في كسب الأرباح وأنا أكسب لقمة العيش؟ فالجواب... نعم.
- إيجاد مكانك: إذا كنت تعمل في وظيفة، عليك أن تسعى إلى أفضل منصب يمكنك أن تعمل فيه بشكل جيد، واستمر في القيام بالعمل من كل قلبك.
- عش نزيهاً وأميناً: إنها من الصفات الشخصية التي لا يمكن شرائها، كن أفضل مثال للنزاهة وسيكون حولك أناس مثلك؛ مخلصين ويتمتعون بالنزاهة. 
- كافح من أجل ما تراه صحيحاً: وإذا أردت شيئاً ذا قيمة، عليك أن تقاتل من أجله.

في النهاية.. جميعنا نسعى لأن نكون أكثر سعادة، وننسى في طريقنا إلى هناك بأن السعادة تعني الامتنان والتقدير لما نستطيع عيشه؛ خلال تدفق الحياة والاستغراق العميق في العمل، وفي حالة من التكامل التي تحقق شعوراً بالرضا والرفاهية، ما رأيك؟ شاركنا في خلال التعليقات.
 

المصادر والمراجع

[1] كتاب Ayodeji Awosika "أعد اختراع نفسك"، رابط الكتاب على موقع amazon.com، تمت المراجعة في 26/07/ 2019
[2]: مراجعة لكتاب Cal Newport "أنت جيد جداً ولا يمكنهم تجاهلك"، منشور على موقع medium.com، تمت المراجعة في 26/07/2019
[3]: مقال Jim Rohn "ثلاث عشرة نصيحة لتحسين حياتك"، منشور على موقع success.com، تمت المراجعة في 26/07/2019