لن تتخيل وخاصة إذا كنت شخصاً قلق دائماً؛ بأن القلق أمرٌ لا طائل منه، ولن ينفعك مهما قلقت في تغير ما يحصل من نتائج، إلا إذا علمت أن هذه النتائج لن تكون بخطورة ما تتخيل! دعنا نتحدث عن كيفية التحكم بالقلق والتوتر بشكل علمي وبسيط.


ذات صلة


القلق حول مشاكل لا تحدث

معظم الأشياء التي تقلقك لن تحدث أبداً!    
القلق هو عجز عن الاسترخاء، ومن الطبيعي أن يكون لدى جميع الناس حالة من تجربة الأفكار السلبية أو المقلِقة، لكن بالنسبة لأولئك الذين يعانون من "اضطرابات عقلية مرتبطة بالقلق"، فإن تلك الأفكار السلبية تكون أكثر صلابة، بالتالي قد تصبح مزعزعة للاستقرار، ويقول عالم النفس الأمريكي روبرت ليهي (Robert Leahy): "القلق جزء من الطبيعة البشرية، وإذا لم يكن الناس قلقين، فلن يكونوا قادرين على مواجهة تحديات الحياة المتوقعة، إلا أن القلق بالنسبة لبعض الناس يصبح هائلاً، بحيث يميل الأشخاص الذين يقلقون كثيراً إلى الاكتئاب؛ بسبب النظرة السلبية للحياة"، إلا أن العديد من المخاوف التي تشغل العقل القلِق لا تؤتي ثمارها أبداً [1]، إذ  لدى أولئك الذين يعانون من اضطراب القلق العام (Generalized Anxiety Disorder) [2]؛ توقعات غير دقيقة، فقام باحثون بدراسة وتحدي مخاوف عينة من هؤلاء القلقين من خلال استخدام أدلة موضوعية على أن ما يُقلقهم غير جدير بالقلق، وبالنتيجة فإن هذه الأعراض تنخفض! بحيث كشفت النتائج الأولية للدراسة؛ أن نسبة 91.4 ٪ من توقعات القلق لم تتحقق، وهذه المخاوف غير الصحيحة لدى من يعانون من القلق العام، انخفضت وباتت الاستجابة للعلاج أكثر إيجابية.

لكل القلقين بشكل دائم؛ أنتم تستمرون في إخبار أنفسكم، أن شيئاً سيئاً سيحدث وتتوقعون أسوأ النتائج، لكن هذه الأشياء التي تتوقعونها لا تحدث!
أما الأشخاص الذين يعانون القلق من حين إلى آخر، يمكن أن تعتمد على نتائج مثل هذه الدراسة، من خلال تدوين مخاوفكم أو أفكاركم (تنبؤاتكم) السلبية واختبارها، كذلك النظر إليها ومراجعة كم مرة كانت دقيقة وصحيحة في السابق! أو بطريقة يصفها روبرت ليهي في كتابه حول علاج القلق، (The Worry Cure) [3]، بتخصيص جزء من الوقت كل يوم للقلق! فقد تبدو هذه التقنية غريبة، "لكن من الأسهل التفكير بالقلق، إذا منحت نفسك متسعاً من الوقت ومكان محدد للتفكير بالقلق" على حد وصف ليهي، ومثلاً في تمام الساعة الثالثة من كل يوم؛ تجلس وتفكر في كل ما يقلقك، بحيث لا يساعد هذا التكتيك الأشخاص على الهروب من قلقهم على مدار الساعة كما يؤكد ليهي، لكن في الساعة الثالثة، يدرك الكثيرون أن الشيء الذي أقلقهم خلال هذا اليوم لم يعد يهمهم،  ويضيف ليهي: "إنه لا يوجد علاج واحد يناسب الجميع للقلق، خاصة وأن القلق بشأن بعض المشكلات يستغرق منك سنوات ، بالتالي من غير المرجح أن يتبدد في يوم أو خلال أسبوع، لكن مع مزيج من التقنيات، وفي بعض الحالات مع انتباه المعالج، يمكن تقليص حجم القلق".
بالنتيجة.. تبني الأفكار غير السارة والعواطف السلبية، هو جزء من الحالة الإنسانية الطبيعية، بالتالي الاعتراف بهذه الحقيقة يمكن أن يكون وسيلة أخرى مفيدة للتكيف مع حالات القلق والحد من سيطرتها علينا بالتحكم بها.
 

ذات علاقة


كيف تتغلب على القلق؟

كما رأينا هناك قلق عام وقلق يهاجم الشخص في أوقات متباعدة، ونتائج علمية ما زالت قيد البحث حول عدم دقة المخاوف التي ترافق القلق، كذلك تقنيات كثيرة يمكنك استخدامها لمواجهة القلق ونتائجه المدمرة على الصحة والحياة بشكل عام، وما عليك فعله هو [4]:

- الامتناع عن الامتناع: حدد الحالات والمواقف التي تمتنع عن مواجهتها، وابدأ بتعريض نفسك لها بشكل تدريجي، وقد تزيد هذه التغييرات من القلق على المدى القريب، لكن يترسخ لديك شعور بالراحة الناتجة عن ذلك مع الوقت، مما يستحق المخاطرة (أو الإحساس بالإثارة)، حيث أن هناك الكثير من العوامل المشتركة بين القلق والإثارة، لأنهما من التجارب العاطفية التي تولد الحماس! والتبديل من الخوف إلى الغبطة قد يكون بسيطاً مثل: إعادة تسمية العاطفة أو حتى نطقها بصوت عالٍ، ففي دراسة القلق على أنه نوع من الإثارة قبل أي فعل؛ وجد الباحثون أنه عندما تشعر بالقلق، فإن إخبار نفسك بأن قلقك قد يكون في الواقع مورداً لتحسين أدائك، بدلاً من كونه علامة على الفشل الوشيك؛ قد يؤدي إلى تحسين الأداء تحت الضغط أيضاً، ولا يمكن لكيفية مرورك بحالات القلق المثيرة، أن تجعلك أكثر إدراكاً للأمل فحسب، بل يمكن أن تؤثر على جسمك أيضاً، حيث أظهر البحث أن هناك اختلافاً ملحوظاً في استجابتنا الفسيولوجية، وذلك في حال وصفت الحدث المُقلِق بالتحدي بدلاً من التهديد، وعندما تقول لنفسك مثلاً أن المحادثة الصعبة مع أحد المدراء في العمل قد تكون صعبة، لكنها ليست خطيرة؛ فأنت أكثر عرضة للتكيف مع الموقف وتجربة نتيجة إيجابية [5].

- التهدئة الذاتية: تعتبر تقنيات اليوغا والتأمل والخيال الموجه؛ ناجعة للتهدئة الذاتية وقد تساعد في التحكم بحالات القلق، أو في الحالات المثيرة للقلق، كما تساهم في رفع الأداء تحت الضغط وحالات الإجهاد الشديد التي تعزز القلق أيضاً، بإعادة استهداف حالة الإثارة المرافقة لها وتوجيهها لتحسين الحالة الذاتية وتعزز الأداء [6]. 

- تنمية التفكير المنطقي: القول أسهل من الفعل، فعندما لا تشعر بالقلق، حاول تحديد نقاط الضعف والتفكير المبالغ به، التي تسيطر على تفكيرك وتقييماتك لذاتك وحياتك، فإعادة تقييم حالات القلق والإجهاد أثبتت فعالية أكثر من حالة التحكم بالقلق.. أثناء الموقف المثير للقلق والإجهاد [7].

- الإصغاء لأشخاص تثق بهم: قد يكون قلقك مبرراً بالنسبة لك، لكنك لو استشرت أشخاصاً مقربين منك وتحبهم وتثق بهم؛ سيقدمون لك وجهة نظر مختلفة، ثم أن القلق هو استجابة للحرية وهو المسؤولية التي تتحملها نتيجة قراراتك في ضوء تلك الحرية [8]، حتى لو عانيت القلق بسبب أتفه الأشياء، وحول تساؤل بسبب المعاناة من الوهم والقلق لأتفه الأشياء، تقول أخصائية علم النفس والصحة العامة والتثقيف الصحي في موقع حلوها، ميساء النحلاوي: " في فترة تكوين نفسك وشخصيتك وبداية مستقبلك، كل ذلك قد يشعرك ببعض القلق والتوتر، نصيحتي لك أن تأخذ الأمور بروية، وتستعين بأهلك ومدرسيك للنصيحة والتوجيه، وانخرط كذلك في نشاطات مختلفة ثقافية ورياضية وتطوعية، كلها تساعدك على صقل شخصيتك وتخفيف توترك في آن واحد".

- الاستشارة المتخصصة والعلاج: ليس من السهل السيطرة على الإحساس بالقلق، خاصة عند الحديث عن حالة من القلق العام المزمن، بحيث يصبح جزءاً من حياة المرء، لذا يعتبر العلاج النفسي إحدى الأدوات الهامة للتعامل مع القلق والتغلب عليه، تقول الاختصاصية النفسية لدى موقع حلوها، الدكتورة سراء فاضل الأنصاري رداً على تساؤل حول القلق الزائد وإمكانية ارتباطه بالمرض النفسي: "هو اضطراب نفسي يسمى فوبيا المرض، وهو يدرج تحت اضطراب القلق، وإن لم تقاوم وتكسر هذه الحلقة المفرغة، ربما تحتاج إلى علاج نفسي بمضادات القلق".
 

التحكم بالقلق

خطوات بسيطة للتحكم بالقلق
ليس من الضروري أن تزيد قلقك بقلق وإجهاد مضاعف، حيث يمكنك اتباع خطوات بسيطة تساعدك على التحكم بالقلق ومنها [9]:
- أولوية النوم:
النوم والقلق في علاقة معقدة.. فعدم كفاية النوم تؤدي للقلق، والقلق بدوره يؤدي لمزيد من اضطرابات في النوم، لذا يبدأ التحكم بالقلق من التركيز على النوم لمدة تكفيك كل ليلة. 

- ممارسة الرياضة يومياً: بحيث تحافظ على صحتك الجسدية العامة، بالإضافة إلى تأثير التمارين الجسدية المهم على الصحة العقلية، بحيث تؤدي الرياضة المنتظمة لتخفيف الشعور بالقلق، كما تساهم في تشتيت انتباهك عن مسبباته.

- النظام الغذائي المتوازن: فالصلة قوية بين غذائك ومشاعرك، لذا فإن بعض الأطعمة والمشروبات تفاقم مشاعر بالقلق، لكنك من خلال شرب الماء بشكل كافٍ وتناول وجبات صحية، ستخفف من حدة الإجهاد الذي يوّلد ويزيد حالات القلق لديك.

- تقنيات التنفس بعمق: التي تعمل على تخفيف التوتر والقلق، فتنفس بعمق عبر أنفك لمدة ثوان، واحبس نفسك ببساطة في صدرك لثواني أيضاً، ثم أطلق الزفير عبر فمك، كرر الأمر لدقائق وعدة مرات في اليوم، بحيث لا يقتصر تمرين التنفس بعمق على أوقات الشعور بالقلق فقط، بل في أي وقت من اليوم، كي تتحكم بأعراض القلق وتتخلص من التوتر.

- وضع الأهداف في الحياة والسعي لتحقيقها: واكتساب ملكة التحدي المستمر للنفس، الذي يساعدك على التكيف أيضاً، ويعلمك كيفية السيطرة على حياتك.

- الابتعاد عن العادات غير الصحية: مثل الإفراط في شرب المنبّهات أو التدخين أو الكحول؛ لتجنّب الشعور بالقلق، بينما فهذه العادات قد تتطور لتصبح مشكلات، بالتالي تزيد من الضغط والتوتر.

أخيراً.. للتغلب على الشعور بالقلق والتوتر، لا بد أن تعمل على إيجاد الحلول للمشاكل، كذلك الإدارة الفعالة للوقت، وبطبيعة الحال تحقيق المزيد من التكامل والتوازن بين العمل والحياة المهنيّة والاجتماعية، ويمكنك متابعة هذا الفيديو المهم حول أساليب الحد والتخلص من القلق والتوتر، كما يتحدث عنها ويصفها طبيب واستشاري العلاج النفسي والتربوي لدى موقع حلوها، الدكتور عبدالرحمن ذاكر الهاشمي.
يمكنك أن تتحكم بالقلق والتوتر والحؤول دون تحول الموضوع لمشكلة مزمنة لديك، شاركنا رأيك بما قرأت وشاهدت عبر التعليق على هذا المقال.
 

المصادر والمراجع

[1] دراسة Lucas S. LaFreniere وMichelle G. Newman، فضح خداع القلق، 2019، منشورة على موقع sciencedirect.com، تمت المراجعة في 01/09/2019
[2] اضطراب القلق العام، منشور على موقع adaa.org، تمت المراجعة في 01/09/2019
[3] كتاب علاج القلق لروبرت ليهي، رابط الكتاب على موقع amazon.com، تمت المراجعة في 01/09/2019
[4] كيف يمكننا مواجهة القلق والتغلب عليه، منشور على موقع webteb.com، تمت المراجعة في 01/09/2019
[5] دراسة Alison Wood Brooks "إعادة تقييم القلق على أنه إثارة" 2014، منشورة على موقع apa.org، تمت المراجعة في 01/09/2019
[6] مقال حول تحسين استجابات الإجهاد، منشورة على موقع psychologytoday.com، تمت المراجعة في 01/09/2019
[7] دراسة Moore LJ وأخرين، كيفية تحسين الأداء تحت الضغط، منشورة على موقع ncbi.nlm.nih.gov، تمت المراجعة في 01/09/2019
[8] مقال Olivia GoldhillJune "الفوائد لمدهشة للقلق" ، منشور على موقع qz.com، تمت المراجعة في 01/09/2019
[9] مقال خطوات بسيطة للتحكم بالقلق، منشور على موقع qallwdall.com، تمت المراجعة في 01/09/2019