التمييز والتفرقة بين الأبناء وحكم التفضيل بين الأولاد

حكم التمييز والتفرقة بين الأولاد، التمييز بين الولد والبنت والمفاضلة بين الذكر والأنثى، نتائج وآثار التمييز بين الأخوة والتفرقة بين الأبناء، وحلول لتحقيق العدل والمساواة بين الأبناء

التمييز والتفرقة بين الأبناء وحكم التفضيل بين الأولاد

التمييز والتفرقة بين الأبناء وحكم التفضيل بين الأولاد

تحمل الأم أولادها بذات الطريقة التي تجلت عظمة الرحمن بها ويستمر الحمل الطبيعي تسعة شهور وتأتي بعده الام المخاض والولادة فتلد، ويحتاج المولود إلى ذات المعاملة العامة الطبيعية لينمو ويكبر ويمر بذات المراحل الطبيعية ويحتاج لذات الاهتمام والرعاية سواء كان ذكراً أم أنثى، فهو لا حول ولا قوة له إلى أن يشتد عوده.
وفي بعض المجتمعات والأسر تظهر آفة التمييز والتفرقة بين الأبناء بأشكالها المختلفة، والتمييز بين الأبناء آفة لا علاقة لها بالأديان ولا بالتشريع بل هي مجرد أفكار بالية عششت في بعض العقول التي وجدت لها بها أرض خصبة كالتمييز بين الولد والبنت وتفضيل الذكر عن الأنثى، تلك المفاضلة القاتلة المبنية في أساسها على النوع "الجنس".

في مقالتي هذه سأتحدث عن التفرقة والتمييز بين الأبناء وقد وردتني وتردني يومياً العديد من المشاكل المتعلقة بالأمر فشعرت أن قضية التمييز بين الأولاد حقًا تحتاج لبعض التوضيح لمعرفة أسباب التمييز والتفرقة بين الأبناء وأشكالها وطرق التعامل معها.
 

يأخذ التمييز والمفاضلة بين الأولاد أشكالًا متعددة مثل التمييز بين الذكر والأنثى، والتفرقة بين الأولاد أنفسهم -الأصغر أو الأكبر أو الأغنى أو الأكثر نجاحاً أو الأجمل- إلى آخره من هذه الأشكال من المفاضلة، والأصل في التربية أن تكون المعاملة بالمساواة في بعض الأمور والعدالة في أمور أخرى، وإن حقق الوالدان المساواة والعدالة لن يضيع حق أي من الأولاد.
وقد تبدأ المفاضلة والتمييز في أبسط الأمور إلى أهمها؛ من حصة الطعام والشراب إلى الحب والمداعبة إلى الدراسة والمعاونة في أمور الحياة الكبيرة.

وسأذكر بعض حالات التمييز التي تصلني على شكل مشاكل وأسئلة تحتاج لحلول وأجوبة مثل:
- أبي يميّز بيني وبين أخي الأكبر -أو الأصغر- في المال وكل ما يتبع من أمور مالية من ملابس وطلبات وحتى أدوات مدرسية، وفي بعض الأحيان الطعام. فالتمييز هنا يقوم على أساس مفاضلة مادية.

- أمي تميّز أختي الأكبر -أو الأصغر أو أخي- عني في الاهتمام والرعاية والعاطفة والحب، وتسأل أكثر وخاصة في حالات المرض، لا تهتم بي ولا تسأل عني، ولا تتقرب مني ولا أشعر بحبها مثل ما تحبهم، والتمييز هنا يقوم على أساس مفاضلة عاطفية وعلاقات.

- أمي توبخني وتضربني إن فعلت أقل خطأ وأخي يفعل ما يشاء ولا أحد يقول له شيء، وأنا الأكبر. وأختي الصغيرة مسموح لها ما لا يسمح لي من تصرفات. فالتمييز هنا يقوم على أساس مفاضلة تربوية.

- العائلة كلها تفضّل أختي وتمدحها لجمالها ولا أحد يهتم بي، العريس تركني وذهب للتقدم لأختي. أمي تهتم بأختي لأنها الجميلة، أو تميّز أخي عني لأنه أكثر اجتهادًا أو متفوّق. والتمييز هنا يقوم على أساس مفاضلة سمات شخصية وشكلية.

- أمي تميّز أخي لأنه الكبير، أو لأنه الأصغر والمدلل، وقد يأتي هذا السؤال من ذكر أو أنثى لأن أساس المفاضلة هنا يقوم على العمر.

- أما أخطر أشكال التمييز فهو أن يقوم على أساس مفاضلة بالجنس أو ما يعرف بالتمييز الجندري أو النوعي، فيكون الولد هو الأقرب والأفضل والأعلى مرتبة والرجل المسيطر والوارث وغيره من أمور.

وسأتحدث عن موضوع المقارنة والتمييز والمفاضلة بشكل عام وسأركز على هذا الشكل الأخير بتفصيل أكثر.
 

كلنا يعلم أن الطفل الأول يأخذ حصة الأسد من الرعاية والدلال ليس فقط من الوالدين بل من جميع أفراد العائلة، ويكون هو التجربة الأولى للوالدين فتكون غالبًا فرحتهما به لا تضاهى.
وبعد سنوات تكبر العائلة ويزداد عدد أفرادها من ذكور وإناث ولكن في بعض الحالات إن كان الأكبر ابنة فتتحمل مسؤوليات الجميع من بعدها، وفي بعض الأحيان يتم حرمانها من التعليم لأجل تربية أخوتها أو مساعدة والدتها أو والدها وخاصة في حالة وفاة أو مرض الأم فتكون هنا مفاضلة سلبية للأكبر بتحميله مسؤولية ليست له.
وإن كان الأكبر ذَكر ومرت العائلة كذلك بظروف فإنه من يتحمل مسؤولية المصروف والمراقبة والمتابعة وحتى يترك المدرسة ليعمل في بعض الظروف، ويتم نسيان أن هذا الأكبر -أخ كان أم أخت- هو واحد من الأولاد وله حقوقه.

وفي المقابل نرى أن الأصغر أو الصغير بالتحديد يتمادى في بعض الأحيان لأن مساحة الحرية المتروكة له تكون أكبر إما لكبر الوالدين وتغيّر الظروف وتساهلهم في كثير من الأمور، أو تذرعاً بحجة "أنه صغير جاهل ولا يعرف وأنت الأكبر الواعي وتعرف" أو "تحمَّل الصغير فهو المدلل وهو من يبقى في حضن والده فترة أطول."
وقد أخبرتني فتاة في أحد الأسئلة أن أهلها لا يسمحون لها بالخطأ لأنها الكبيرة ويتم توبيخها على أي فعل تقوم به وكأنه ممنوع لها أن تخطئ!، مما يجعل عملية المقارنة هذه بالنسبة لها مدمرة وتريد الوقوع في خطأ جسيم لتعلّم أهلها درس.

يعدُّ التمييز والمفاضلة بين الأخوة بناء على العمر من باب عدم العدالة، فيجب إعطاء كل واحد حقه ومعرفة أن كل مرحلة عمرية ولها أخطاؤها ولها صفاتها، ولا يجوز استعمال كلمات مثل أصغر وأكبر وأنت العاقل وهو الجاهل والمسامحة لأحد ومعاقبة الآخر.
إن اعتماد وضع قانون عام وقواعد سلوك عامة لكل أفراد العائلة تعطي بعض الشعور بالراحة، وكذلك وضع قانون الثواب والعقاب الذي يتم تنفيذه على الجميع مع مراعاة الفروقات العمرية واختلاف الطريقة، والأهم ألا يتم توبيخ أو معاقبة واحد أمام الآخرين بل احترامهم الخصوصية ومراعاة المشاعر، ولكن يجب أن يتم رفض الفعل الخطأ بكل أشكاله ليكون الأخوة والأخوات بعضهم قدوة لبعض. 
 

لقد ورد في الحديث الصحيح رواه الشيخان عن النعمان بن بشير أن أباه أعطاه غلامًا فقالت أمه: لا أرضى حتى يشهد رسول الله عليه الصلاة والسلام، فذهب بشير بن سعد إلى النبي ﷺ وأخبره بما فعل؛ فقالﷺ: "أكل ولدك أعطيته مثل ما أعطيت النعمان فقال: لا، فقال الرسول: اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم."

فدلّ ذلك على أنه لا يجوز تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطايا أو تخصيص بعضهم بها، فكلهم ولده وكلهم يرجى برِّه؛ فلا يجوز أن يخص بعضهم بالعطية دون بعض، وقد أجاز البعض أنه يمكن إعطاء أحد أكثر في العطية حسب الحاجة والوضع المادي وخاصة للبنات إن كان زوجها فقيرًا مثلًا. أو الولد الذي عائلته كبيرة وماله أقل، في سبيل المساعدة الوالدين لأولادهم الأكثر حاجة، مقابل ذلك يعدلون في الحب والسؤال والرعاية وحب الأحفاد ومودتهم.
وعندما يربى الأولاد على شعور العدل في أحيان والمساواة في أحيان وأمور أخرى تربى المحبة بينهم فتراهم يتسارعون في إعطاء بعضهم ودعم بعضهم بعضاً وهذا من حسنات عدم التمييز وإحقاق الحق في تربية الأولاد.

ومن باب العدل المادي قضية الإرث والتمييز في الميراث والوصية؛ فلا يجوز أن يتم حرمان البنت من إرثها سواء من ابيها أو أمها أو أحد إخوتها، فهي لها حق في التشريع ويجب أن تأخذه كاملًا.

وقال تعالى: ((يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ)) إلى آخر الآية 11 من سورة النساء.
فالأنثى لها حق في الميراث وهو مقدّر من عند الله، ولن أناقش في أمر الكم فهو حكم من الله عز وجل وعلينا تطبيقه واتباعه والعدل فيه إعطاء البنت والولد حق كل واحد منهما دون ظلم أو تفضيل لآخر.
 

وكم من أنثى تقول "وما ذنبي إن كنت قد ولدت أنثى؟"، فالشريعة والتشريع والقانون تحثّ وتؤكد على أهمية العناية بالبنات ورعايتهن أشد رعاية والاهتمام بهن وعدم عضلهن، وأنهن الحجاب من النار إذا أحسنت تربيتهن.

هذا النوع من التفرقة بين البنت والولد يرتبط بالثقافة الجاهلة، وبالقيم الخطأ التي تم توارثها عبر بعض العائلات في بعض المجتمعات، وليس هذا وحسب بل تمّ تمييز بعض الأعمال للبنت وجرت به العادات على اعتبارها خادمة لأخيها الذكر، فهي من تحضر له الطعام وتغسل له وتلبي طلباته، وهو المسؤول والآمر والناهي في البيت في غياب الأب وأحياناً بوجوده. ووصلت التفرقة في بعض العائلات بعدم تعليم البنت للقيام بهذه المهمة "الخدمة".

وتكمن بعض الأقوال الداعمة لهذه التفرقة في عقول بعض الوالدين ويكررانها على سماع الأولاد مثل:" إنه رجل لا يخدم في البيت"، " أنت رجل لا تبكي" ، " الخدمة من مهام النساء والبنات"، "أنت وريث أبيك والمدلل"... إلى آخره من الأقوال التي تؤدي لإنشاء جيل متسلط من الشباب، لا يعرف معنى الاحترام ويمتد الأمر لتطبيقه على شريكة حياته وبناته لاحقاً ويستمر ليصبح عادة في مجتمع لم يُقِم حكم الله بالعدالة.
 

- العدل بين الأولاد من أعظم أسباب الإعانة على البرِّ، وهذا ما أقول به دومًا؛ من أراد أن يبرّه أولاده عليه أن يعدل بينهم، على الأقل يبرأ هو من خطيتهم. فقد أجمع العلماء أن العقوق من أكبر نتائج التفرقة والتمييز والمفاضلة بين الأخوة بغير حق.

- العدل بين الأبناء يلغي معظم ظواهر انحرافات الأولاد السلوكيَّة والنفسية؛ لأن التفرقة تولِّد الحسَد والكراهية، وتسبِّب الخوف والانطواء والبكاء، وتورّث حبَّ الاعتداء، والمشاجرة والعصيان، وتؤدِّي إلى الشعور بالنقص لدى الأخ الواقع عليه التفريق، فالابتعاد عن التمييز يحمي أولادنا من كل هذه المشاكل.

- العدل بين الأبناء يلغي المقارنة بينهم من أي شكل كانت، وبالتالي يلغي الشعور بالغيرة والبغضاء بينهم، فيكبروا على المحبة وقبول الآخر، والتغاضي عن أية صفات نقص في أنسهم أو أخوتهم، وهذا ما نريده.

- العدل بين الأبناء يولّد الراحة في قلوب الوالدين، فيشعران براحة الضمير لأنهما قدما لكلٍّ من الأولاد حاجته من الأمور المادية والمعنوية والعاطفية كما قدماها لإخوته. ويشعر الوالدان أنهما أتمّا حق الله في العدل بين أولادهما وهذا يربي الولد الصالح الذي سيدعو لهما إن شاء الله.

- العدل يربي الأولاد على المسؤولية، وأن كل منهما مسؤول وله مهام يجب القيام بها مهما كان ترتيبه في الأسرة. فلا يستأثر أحدهم بأمر دون الآخر، ويكون لكل منهم حق التعبير والراحة، ويعرف أسس الثواب والعقاب فتكون أسرة متماسكة، يعرف كل فرد فيها دوره.

- العدل بين الولد والبنت وتجنب التمييز بين الذكر والأنثى يولّد شعور العدل عند البنت، فتأخذ حقها في التعليم، والثقة بالنفس، وممارسة الحياة بشكل طبيعي ضمن الضوابط الشرعية. وتكون محبة لإخوتها ووالديها ولزوجها وأولادها مستقبلًا.
 

حثَّ رب العباد سبحانه وتعالى على إقامة العدل في الحياة بشكل عام وفي كل الأمور ومنها تربية الأولاد والتعامل معهم، يقول الله -تبارك وتعالى- في كتابه العظيم: ((إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) النحل: 90.

والحقيقة أن إحقاق العدل بين الأولاد وعدم التمييز بينهم بسيط جدًا وغير مكلف ولا متعب ويريح أفراد العائلة كافة، وهذه بعض الحلول المقترحة لتحقيق العدل والمساواة بين الأبناء:

1- توزيع الاهتمام والحب والرعاية بينهم بالعدل، وأقول بالعدل لأنه يجب أن ينال الجميع ويشعروا به وفي ذات الوقت إن كان أحدهم بحاجة لاهتمام أكثر كمرض أو غيره فإن الباقيين سيقدرون هذا إن قال الوالدان "نحبكم كلكم ونهتم بكم كلكم ولكن أخيكم أو أختكم يمر أو تمر بظرف طارئ يحتاج منا جميعًا الاهتمام" وبهذا نرى مشاعر المحبة والدعم موجهة لمن في حاجة لزيادة الرعاية.
أما في الأحوال العادية فتجب المساواة في الحب والحضن والقُبَل والكلمات الطيبة بين الجميع، وأنا مع التوضيح في الأمر لأن الأخوة قد يظنون ظنًا خطأ بمشاعر الوالدين، وأكبر مثل على هذا حقد أخوة يوسف عليه السلام عليه وعلى أخيه لعدم فهمهم لمشاعر الوالد في حمايته رغم عدالته العملية إلا أن العدالة القلبية هي السبب.
وقد ورد في تفسير الجلالين لهذه الآية ((إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَىٰ أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ)) أن الضلال الذي رآه أبناء يعقوب هو إيثار يوسف وأخيه على باقي الأبناء.

2- إعطاء جميع الأولاد الحق في التعبير عن أنفسهم وآرائهم ومشاعرهم والاستماع لهم بقصد المساعدة وحل مشكلتهم.

3- تجنّب التوبيخ أو العقاب أو ذكر الحسنات أو المساوئ لأي من الأولاد أمام الآخرين تجنبًّا تامًا، بل يجب مراعاة الخصوصية واحترام شخصياتهم ونفسياتهم مهما كان الولد صغيرًا أو كبيراً.

4- وضع قواعد عامة تنطبق على جميع الأولاد لتسيير أمور البيت والعمل بمبادئ الأخلاق من قبل الجميع ودون تمييز مع مراعاة اختلاف العقوبة حسب عمر الأطفال، اقرأ مقالنا عن معاقبة الأبناء حسب العمر.

5- العمل على تجميع أفراد الأسرة والأولاد في كثير من المهام والأعمال والمناسبات ليشعر الجميع أنهم يد واحدة ومجتمعون معًا ويتحملون مسؤولية واحدة، ولا بأس بتكليف البعض جماعة ببعض الأعمال وعدم اختصاص الذكور بأعمال دون الإناث أو العكس، بل إشراك الجميع لنشر العدالة والمساواة بينهم.

6- منع المقارنة منعًا باتًا بين الأولاد فهي مقتل من مقاتل تطوير الذات، بل يجب مقارنة أداء الطفل بنفسه على مر فترات زمنية مختلفة.

7- التعامل مع البنت تمام المعاملة مع الولد في المساواة والعدالة وتشجيعها وتعليمها وتطويرها، والإحسان إليها وعدم تسليط الأخ بأنه المسؤول وأنه الرجل وأنه الأقوى وله سلطة على أخواته البنات.

نسأل الله أن يعين الوالدين على إحسان تربية أولادهما لينشأ جيل يكون ولداً صالحاً يدعو لهما.