علاقة السِّحر والجن بالأعراض النفسية

ما هو السّحر والشّعوذة؟ وما حقيقة وجود الجنّ؟ وكيف يرى علم النّفس كلّاً من السّحر والشّعوذة والجنّ؟ وما علاقة السحر بالأعراض النفسي من وجهة نظر العلم؟

علاقة السِّحر والجن بالأعراض النفسية

علاقة السِّحر والجن بالأعراض النفسية

عالم الإنسان هو عالم مادي بحت يتعامل فيه مع جمادات وكائنات حيّة فيكون قادراً على إدراكها ورؤيتها والتّعامل معها حتى لو كانت متناهية الصّغر واستخدم أدوات كالمجهر لرؤيتها إلّا أنه في نهاية المطاف يتعامل مع شيء ماديّ ملموس وواقعي. يستطيع إصدار حكم ومفاهيم متعلقة به حتى مع اختلاف زاوية النّظر لذلك الشّيء.
ويشكّل العالم الخفي وعالم الرّوح وكل شيء غير ملموس أو مادي مصدر تشكيك وتفكير لدى الإنسان، فلعدم قدرته على إدراك الشّيء قد يعزوه لتفسيرات منها ما هو منطقي ومنها ما هو عشوائي بعيد عن الواقعيّة.
في هذه المقالة عن علاقة السّحر والجنّ والأعراض النّفسيّة سنتناول المحاور الثّلاثة ونعرف السّحر والشّعوذة من منظورها وكذلك الجنّ والأعراض النّفسيّة، ثم نخلص للوصول إلى العلاقة التي تربط هذه المفاهيم مع بعضها وكيف يراها العلم وماذا يصنّفها!
كما سنقدم في نهاية المقالة نصائح للتّعامل مع موضوع السّحر والشّعوذة والجنّ والاضطرابات النّفسيّة!

ما تأثير السّحر على حياة الإنسان وسلوكه؟ علاقة علم النّفس بالسّحر والشّعوذة!
إذا أردنا وضع تعريف للسّحر فهو القيام بفعل لا تستطيع الحواس البشريّة الخمسة إدراكه أو ملاحظته لتغيير شيء ما أو شخص ما لوقت محدد. ويظهر مفهوم السّحر بشكل مرتبط مع خفّة اليد التي يفسرها لاعبو خفّة اليد أو السّحرة كما يطلق عليهم بأنها مهارات خداع بصري يتم فيها إشغال حواس المشاهد بعنصر ما ريثما يتم تغيير حال أو وضع عنصر آخر أمامه، فيلاحظ تغير العنصر من حال لحال أو من مكان لمكان في حين أنّ الموضوع هو مهارات وبراعة في تشتيت الانتباه لعنصر آخر.
يتفق مفهوما السّحر والشّعوذة على أنّ التّحكم بعقل الإنسان وأعصابه وإشغال دماغه بشيء آخر لحين إنجاز الخدعة الأساسيّة هي سرّ هذه الحرفة أو الصّنعة أو اللّعبة. ومع اختلاف درجات المهارة بين لاعبي الخفّة إلا أنّ عنصر الإبهار والابتكار في اختراع ألاعيب وأساليب جديدة هو سلاحهم للاستمرار بحسب تعبيرهم.
وكنا قد تحدثنا بشكل مفصّل عن السّحر وأنواعه وأشكاله وكيفيّة التّعامل معه في مقال سابق ننصحك بالاطلاع عليه إذا رغبت بمعلومات تفصيليّة أكثر.

وعند العودة للمرجعيّة الدّينيّة مثلاً فتمّ ذكر السّحر في قصة سيدنا موسى عليه السّلام والسّحرة أتباع فرعون كيف أنّهم باعترافهم وضّحوا بأنّ ما يقومون به هو خداع ووهم بصري لا أكثر.
وعن تأثير السّحر والشّعوذة على سلوك الإنسان وعقله فهو تأثير نفسي، إذ تسيطر الفكرة والوهم على عقل الإنسان ليصدّقها ويخزّنها في العقل اللّاواعي، فيبدأ بالتّعامل معها كأنها حقيقة وواقع مسلّم به!

وعن نظرة علم النّفس للسّحر فالأسس التي يقوم عليها فن الاستحضار مثلاً قائمة على المبادئ الإدراكيّة والمعرفيّة التي تتحكم بكيفيّة اختبار البشر للأشياء المخفيّة ورؤيتهم لها. ويرى علم النّفس أنّ السّحر هو عمليّة توجيه خاطئ تحتاج مهارات عالية من قبل السّاحر أو لاعب الخفّة لأنها تعتمد على العمليات الإدراكيّة والإدراك التّلقائي فيقوم السّاحر بهذه الخدع لتشتيت الانتباه وتوجيه المشاهد لعناصر أخرى وتنفيذ حيلته البصريّة. [1]

من المرجعيّة الدّينيّة يمكن تأكيد وجود الجنّ في عالم موازٍ لعالم البشر، وقد تحدثت آيات في القرآن الكريم عن وجود الجنّ ولكن لا نعلم تفاصيل كثيرة عن حياتهم لعدم ذكرها في القرآن، ومن النّاحيّة العلميّة فإننا نتحدث عن مخلوقات غير ماديّة وغير ملموسة ولا يمكن إدراكها، لذا فالعلم يضحد الفكرة من أساسها وينفيها كون العلم يقوم على أسس مادية وتجارب لعناصر ملموسة أو قابلة للإدراك.
ففي إحدى الولايات الأمريكيّة تم تشخيص إحدى الحالات التي جاءت تحت معتقد وجود أرواح شريرة تؤذيها وتتحكم بسلوكها وانفعالها، تم تشخصيها في علم النّفس على أنّها مصابة بانفصام الشّخصيّة الذي له تأثير سلبي على سلوك ونفسيّة وتفكير الشّخص المصاب. [2]
ويرى علم النّفس أنّ وجود الجنّ مرتبط بالثّقافة الدّينيّة والفكريّة لدى الأشخاص، واعتقادهم بمثل هذه المعتقدات والأفكار هو مستنبط من الأساطير القديمة والمرجعيات الدّينيّة، حيث لم يتمكن العلم من إثبات وجود عالم الجنّ. [3]

هل هنالك شيء يسمّى المرض النّفسي؟ ما هو الاضطراب النّفسي؟ كيف يؤثر الجانب النّفسي على السّلوك والتّصرف للإنسان؟
في البداية كان مصطلح المرض النّفسي يطلع على الحالات التي تعاني سلوكاً نفسياً واجتماعياً غير منتظم أو سوي، ثم تم الاتفاق عالمياً على إلغاء مصطلح المرض النّفسي واستبداله بمصطلح الاضطراب النّفسي. ومنذ ذلك الوقت لا يوجد في العلم شيء يسمّى المرض النّفسي!
وعند تعريف الاضطراب النّفسي يمكن القول بأنه وصف لسلوكيات وأفكار ومشاعر وتصرفات غير سويّة أو طبيعيّة تصدر من الأشخاص نتيجةً لعدد من الأسباب تم توزيعها على مجموعتين من العوامل هما: [4]

  • العوامل البيولوجيّة والشّخصيّة: الوراثة، مسببات الأمراض، الإصابات، مشاكل أثناء الحمل أو الولادة، تعاطي المخدرات، النّمط المعرفي.
  • العوامل البيئيّة: سوء التّغذية، التّعرّض للسّموم، أحداث الحياة المجهدة، ،قلق مزمن، الثّقافة المجتمعيّة والخلفيّة الدّينيّة والاجتماعيّة، التّعرّض للإساءة، الفقر، الحرب.

وهنالك عوامل تنتج عن تفاعل الجينات مع العوامل البيئيّة مثل الفصام والاكتئاب.
ولا يوجد اتفاق عالمي على تصنيف الأشخاص على أنّهم مضطربون أو غير مضطربون، وذلك لاختلاف معايير القياس والاختبار النّفسي والمحددات، كما أنّ اختلاف الثّقافات والبيئات والمرجعيات الفكريّة والعقائديّة وأنماط حياة الأشخاص تجعل عناصر قياس الاضطراب النّفسي مختلفة ومتشعّبة إلا أنّ لهذا العلم مراجع موثوقة عالميّة واختبارات ومستويات قياس متنوعة يمكن تطبيقها من قبل اخصائيي علم النّفس للوصول لنتائج معينة في موضوع معين.

بدايةً للحديث عن الارتباط والعلاقة بين السّحر والشّعوذة من جهة وعلم النّفس من جهة أخرى فإن السّحر والشّعوذة يعتمدان اعتماداً كبيراً على علم النّفس وخلاصاته! فالتّحكم بإدارك الإنسان والقدرة على تشتيت تفكيره وانتباهه لشيء ما في وقت ما يتطلب فهم سيكولوجيّة وطبيعة التّفكير الإنسان وكيف يعمل العقل البشري وكيف تتفاعل الحواس الخمسة مع العقل لإدراك ما يتم التّعامل معه من معطيات.
وهنا يبرع أشهر لاعبي الخفّة والسّحرة من خلال دراستهم لتفاصيل تحليل علم النّفس لسلوك الإنسان وطرق تعلمه وملاحظته وإدراكه ليتكمنوا من السّيطرة عليها مؤقتاً لتنفيذ حيلهم وخدعهم البصريّة! وترتكز قوة السّحر وألعاب الخفّة على التقاط الأخطاء المعرفيّة وتحديد الأخطاء في الإدراك الذي يقع بها الدّماغ البشري نتيجة عوامل خارجيّة أو حتى طبيعة عمله مع المعطيات التي تحيط به. [5]

أما من الجهة المقابلة فنرى أنّ علم النّفس قد يستفيد من السّحر والشّعوذة لأنّ تطبيقهما قائم على تجارب تهتم فقط بالهفوات الإدراكيّة وتشتيت الانتباه والقيام بحركات قد يظن العقل أنها خارقة في حين أنّ تنفيذها يتطلب فقط سرعة ومهارة وحرفيّة في استغلال الوقت المتاح للمكونات كما أنّ إبهار الجمهور وخداعهم يعتمد على المكونات المعرفيّة والاجتماعيّة والتّنمويّة وعبر الثّقافات للعلم السّلوكي وهذا ما لا يتسطيع دائماً علماء وخبراء علم النّفس إجراءه. [6]

أما إذا تحدّثنا عن السّحر والحجب والشّعوذة والأعمال التي يتم الاستعانة بها بالجنّ لتحقيق مآرب معينة فإن العلم لا يعترف بها أيضاً رغم أنّ المرجعيّة الدّينيّة تؤكد وجودها وأثرها بل وتقدم علاجات وحلولاً للتّعامل معها.
أما للحديث عن علاقة علم النّفس بالجنّ فكما أسلفنا في فقرة سابقة هذه المقالة فإن علم النّفس لا يعتقد بوجود الجنّ ويعتبره خرافةً وأسطورةً ووهماً نفسياً نتيجة معتقد ديني أو موروث فكري متأثر بالأساطير وقصص الخيال. ويعتقد أنّ الإنسان هو المسؤول عن سلوكه وتصرفاته مع الأخذ بعين الاعتبار العوامل البيئيّة المحيطة بالإنسان لكنه لا يعترف بوجود تأثير للجن على سلوك الإنسان وتصرفه.
إن المشكلة الأساسيّة المؤدّية لاختلاط الأمور على النّاس وتباين تفسيرات الظواهر والسّلوكيات الغريبة التي يرونها يكمن في محاولة النّاس الاجتهاد بشكل شخصي وتفسير تلك الأمور الغامضة أو غير المفهومة والمتعلقة بأشياء غير ملموسة وماديّة فيذهب البعض للسّحر والشّعوذة لأنها الأقرب لمخيلته وتحليله وتفسيره لا لأنها حقيقيّة!
كذلك الحال عند الشّك بأنّ الجنّ قد تلبّس أحدهم وبدأ يسيطر عليه وعلى تصرفاته وتفكيره. والعلم القائم على الدّراسات والأبحاث والتّجارب والتّحليل يقوم بضحد كل تلك الأفكار ويتعامل مع المعطيات التي يقوم بقياسها وتحديدها ضمن ضوابط علميّة مدروسة ومجرّبة!

هنا سنقدم مجموعةً من النّصائح والارشادات للتّعامل مع أي حالة يتم ملاحظة سلوك غير طبيعي فيها أو تفكير غير منطقي، لكن قبل أن نبدأ يجب أن ندرك أنّنا بطبعنا البشري متقلبو المزاج والتّفكير والرّغبات والاهتمامات، وتغير هذه التّفاصيل قد لا يعني دائماً وجود مشكلة نفسيّة وراء هذا التّغيير. فالمزاج الإنساني محكوم بهرمونات وظروف محيطة وشعور نفسي داخلي يتأثر بالمتغيرات التي تواكب الحياة اليوميّة. لذلك علينا التّفريق بين المشكلة والتّغير الطّبيعي في المزاج والسّلوك!

أما عن النّصائح والارشادات فإنها على النّحو التّالي:

  1. التّخلص من ثقافة العيب المرتبطة بزيارة الطّبيب والأخصائي النّفسي واللّجوء إليه وقت الحاجة، ففي أوروبا ودول العالم المتقدّم يقصد الأشخاص الأطباء والأخصائيين النّفسيين بانتظام للمحافظة على سلامة نفسياتهم وتخليصهم من شوائب وترسّبات المواقف الحياتيّة التي قد تتضاعف وتصبح مشاكل أكثر تعقيداً مع الوقت.
  2. هنالك عدة طرق للتّعامل مع حالات السّحر والعمل والشّعوذة أبرزها الرّقية الشّرعيّة التي تحصّن الإنسان من كل مكروه كما أنّ هنالك أدعية وأوردة شرعيّة دينيّة وآيات مباركة تعمل على إبطال تأثير السّحر والشّعوذة بإذن اللّه، فحكم اللّه وأمره نافذ وأقوى من تأثير السّحر والشّعوذة.
  3. عدم التّسرع بالحكم! فقد يكون الشّخص تحت تأثير صدمة أو مشكلة أو واقعة أو ضغط نفسي وتعمل هذه العوامل على تغيير سلوكه لفترة ما أو شعوره بضغط وضيق. لذا يجب توضيح الأسباب بعقلانيّة ووعي وحكمة.
  4. تحصين النّفس والبيت والأهل بالآيات القرآنيّة وذكر اللّه حسب المرجعيّة الدّينيّة الإسلاميّة التي تعتبر الرّجوع إلى اللّه طريقاً للراحة النّفسيّة لكنها لا تنكر دور العلم وتحث على طلب الخبرة من أهلها وأصحاب الاختصاص.
  5. الثّقافة وزيادة الوعي قادرة على ضبط السّلوك الإنساني وتقويمه من خلال الملاحظة والقراءة والاطلاع.
  6. طلب المساعدة، فلكل إنسان معرفة محدودة بتفاصيل الأشياء وعند الشّعور بأعراض غريبة ومريبة يكون أمامنا خيار مراجعة الطّبيب للاستطباب وإذا كان السّبب نفسياً يمكن اللّجوء للطبيب النّفسي والأخصّائي النّفسي لعرض الحالة وأخذ رأي أهل الاختصاص والعمل بنصيحتهم ومشورتهم.
  7. نقدم لكم دائماً على موقع حلّوها كل وسائل الاتصال لتوفير تزويدكم بالخبرة والمعرفة والمساندة النّفسيّة والمساعدة من قبل المختصين في مجالات متعددة. لذا يمكنكم طلب المشورة والنّصيحة من خلال موقع حلوها وخبراؤنا دائماً جاهزون لدعمكم ومساعدتكم وتقديم كل ما فيه خير لكم.

وعندما أرسلت إحدى متابعات موقع حلوها لنا تستشير خبراءنا عن موضوع شكوكها بوقوعها ضحيّة عمل وسحر قالت: "أعاني من أعراض السّحر سببت تعطيل كل أمور الحياة ماذا أفعل؟"
أجابتها الدّكتورة سراء فاضل الأنصاري في موقع حلوها:
"أولًا إذا افترضنا أننا نؤمن بالسّحر فالسّحر لا يعمل إلا بإذن اللّه تعالى وأمره. قيامك بالرّقية الشّرعية عدة مرات فلو كان سحراً لحرقه القرآن لأنّ السّحر ضعيف إن وجد. القرآن أقوى أنصحك بمراجعة طبيب نفسي وشرح حالتك وأكيد لديه تفسير أسهل وحل وعلاج بدل هذا الخوف والعذاب". اقرأ الاستشارة من خلال النقر على هذا الرابط.

وأجابت الدّكتورة سراء فاضل الأنصاري في موقع حلوها على تساؤل "اشعر بأنّ الجنّ تقترب مني وسوف تؤذيني وتضربني خاصه في الاماكن المغلقة، ما الحل؟":
"عالم الجنّ لا يلتقون بعالم البشر ولا يتدخّلون بهم وكل ماذكر هو فقط أفكار وخزعبلات لا صحة لها ولا تستند لأمر شرعي أو واقعي أو علمي، لا تتابع هذه الافكار والنّشاطات والقراءات فبالطّبع كل من يتابع هذه الامور ويعتقد بها سيخاف منها، فكّر انها ليست حقيقة ولا تتابع ولا تفكر وتمسّك باللّه وبالثّقة به وبحفظه فلابد أنّ اللّه اقوي من كل هذا". اقرأ الاستشارة كاملة من خلال النقر على هذا الرابط

المصادر و المراجعadd