يعتبر اكتشاف مفهوم العقل الباطن نقطة تحول في الطب النفسي ومدخلاً إلى عصر الطب النفسي الحديث، لكن من جهة أخرى ظهرت تيارات بالغت على ما يبدو بتقدير دور العقل الباطن وبالغت في وصف الفوائد المترتبة على التحكم بالعقل الباطن، على كل حال سنتعرف عن قرب إلى مفهوم العقل الباطن، وحقيقة التحكم بالعقل الباطن.

 


ذات صلة


مستويات العقل

يعود الفضل في فهم المستويات العميقة للعقل إلى عالم النفس الشهير فرويد، حيث صنف فرويد ثلاثة مستويات للعقل الإنساني هي: العقل الواعي Conscious، العقل الباطن  Subconscious، العقل اللاوعي Unconscious، لكن ما الفرق بين هذه المستويات، وهل اللاوعي هو نفسه العقل الباطن.

 

ذات علاقة


جبل الجليد

هناك خلط كبير يقع عند غير المختصين بين اللاوعي والعقل الباطن، ولتسهيل شرح الفرق بين مستويات العقل تم طرح مثال جبل الجليد المشهور، حيث نتخيل أن العقل جبل جليدي الجزء الأكبر منه تحت سطح الماء[1].
رأس الجبل والذي يظهر جلياً فوق الماء هو العقل الواعي وهو الذي نستخدمه بصورة إرادية في عمليات التفكير أو اكتساب المهارات أو الاتصال بالذكريات.
وأما الجزء الأوسط وهو متصل بالعقل الواعي ويمكن القول أنه في الماء الدافئ فهو العقل الباطن، وأما الجزء العميق فهو العقل اللاواعي، لنتعرف إلى عمل العقل الباطن عن قرب.

الفرق بين العقل الباطل والعقل اللاواعي

كما ذكرنا فإن الخلط بين العقل الباطن والعقل اللاواعي غير دقيق، فعلى الرغم أن مستويات العقل الثلاثة تعمل بالتضافر وبطريقة معقدة حيث يؤثر كل مستوى بغيره، إلا أنَّ العقل الباطن كما ذكرنا هو حلقة الوصل بين العقلين الواعي واللاواعي، وهو الذي يخزن مجموع الذكريات والخبرات والجديدة وتصبح قابلة للاسترجاع.
وأما العقل اللاواعي فهو المسؤول عن تخزين وكبت المشاعر الدفينة والأحداث التي لا يمكن أن نسترجعها بعقلنا الواعي، مثلاً هل تتذكر كيف كان شعورك عند الفطام؟ أو هل تتذكر أول كلمة نطقتها في حياتك؟ العقل اللاواعي يتذكر ويخزن كل هذه الأمور، ويؤثر بشكل ما على سلوكنا من خلال هذه الذكريات التي تبدو لنا غامضة.

عمل العقل الباطن

هل تتذكر عندما بدأت بتعلم شيء ما أي صعوبات واجهتك؟ مثلاً عندما تعلمت قيادة السيارة، أو عندما تعلمت العزف على آلة موسيقية؟ أثناء تعلمك لهذه المهارات فأنت تستخدم عقلك الواعي وعقلك الباطن، حيث تقوم بفهم المهارة وتحليلها بعقلك الواعي، ثم يقوم عقلك الباطن بتخزين الخطوات أو الإجراءات المتعلقة بالمهارة الجديدة، وما أن تتقن هذه المهارة حتى يتقلص دور عقلك الواعي بشكل كبير، وتصبح ممارسة هذه المهارة متصلة أكثر بالعقل الباطن.
قيادة السيارة مثلاً؛ في البداية يفكر عقلك الواعي بالإجراءات وترتيبها، وكيف يجب أن تدوس على الدبرياج وتحرك ناقل الحركة ثم تدوس على دواسة الوقود وترفع رجلك عن الدبرياج، ويحاول عقلك الواعي فهم الترتيب والإجراءات والتعرف إلى التجربة المثالية التي تعني أنك أتقنت القيادة، ثم يقوم بنقلها إلى العقل الباطن.
لذلك عندما تصعد إلى السيارة في المرات القادمة لن يكون لعقلك الواعي دور كبير في فهم مراحل وإجراءات القيادة، لأنه ببساطة سيستدعي الخبرة المخزنة في العقل الباطن، ولاحظ أن اللاوعي لا دور له في هذه العملية.

تأثيرات العقل الباطن

في الحقيقة فإن العقل الباطن يتحكم بحياتنا الفكرية بشكل كبير، وهناك مجموعة كبيرة من التأثيرات التي يمكن ملاحظتها ببساطة[2]، نذكر لكم أهمها:

الطيار الآلي: فعلياً يعمل عقلنا الباطن كما يعمل الطيار الآلي، حيث نقوم بتسليم العقل الباطن زمام جميع الممارسات التي نتقنها والأفعال التي نعتبرها روتينية ليقوم هو بأدائها نيابة عن الوعي، مثل قيادة السيارة أو الكتابة على لوحة المفاتيح أو حتى ممارسة الرياضات التي تحتاج إلى مهارة.

الانتباه: يتحكم عقلنا الباطن بكل ما يثير انتباهنا، لنأخذ مثالاً، هل شعرت يوماً أن الجميع اشتروا ذات الهاتف الذي اشتريته أو نفس الحذاء؟ هل هذه مجرد صدفة عجيبة أم أن عقلك الباطن هو من يتحكم بعملية الانتباه؟، كذلك الأمر عندما تبحث عن شيء ما، ستجد أن عقلك الباطن ينتبه إلى كل ما يرتبط بموضوع بحثك وينبِّهك إليه.

العادات: فعلياً العقل الباطن هو مركز الاحتفاظ بالعادات السيئة والجيدة، وبمجرد أن يحتفظ العقل الباطن بفعل ما باعتباره ممارسة روتين سيتحول هذا الفعل إلى عادة.

الأحلام: ومن الآراء القوية في عالم الأحلام والمنامات أن العقل الباطن والعقل اللاواعي لهما الدور الأكبر في تصوير الأحلام، على الرغم من جود خلاف كبير على دور ووظيفة الأحلام، بل أن الإنسان لا يمكن أن يرى شخصاً في المنام ما لم يكن قد رآه في الحقيقة، بغض النظر عن قدرة العقل الواعي على استرجاع صورة هذا الشخص.
 

إدارة العقل الباطن

هناك عشرات إن لم نقل مئات الكتب والمؤلفات التي تناولت فكرة برمجة وتطوير العقل الباطن للاستفادة من تأثيره على سلوكنا وعلى حياتنا، أو حتى من تأثيره المزعوم على ما يحدث لنا، لكن من وجهة نظر علم النفس فإن معظم هذه المؤلفات لم تقترب من الحقيقة بشكل كافٍ، وأن فكرة إدارة العقل الباطن ما تزال خاضعة للدراسة لمعرفة الطرق والنتائج.
لكن الثابت أن هناك إمكانية لتدريب العقل الباطن وبرمجته في خدمة بعض الأهداف مثل تعديل السلوك.
 

تقنيات تدريب العقل الباطن

يمكن الحديث عن مجموعة من أهم تدريبات العقل الباطن كالآتي[3]:

1- خاطب عقلك الباطن كأنه صديق.
2- العقل الباطن يعمل بكفاءة من خلال التأمل والاسترخاء.
3- التكرار يعتبر من أهم الأساليب لتدريب العقل الباطن على أمر ما.
4- الرسائل المموهة أو المخفية تعتبر شديدة التأثير على العقل الباطن، وقد سبق استخدامها بالإعلانات التجارية بهدف التأثير على سلوك المستهلك.
5- التصور والتخيل من أهم محفزات العقل الباطن، تخيل دائماً ما تريده.
6- الحفاظ على مزاج إيجابي ومخاطبة العقل الباطن بإيجابية تؤدي إلى نتائج إيجابية وشعور بالرضا.
7- تذكر أن العقل الباطن يشبه النافورة التي تأخذ الماء من نفسها وتعيد ضخه ثانيةً.
 

علاقة العقل الباطن بالجذب

كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن مفهوم قانون الجذب كأحد قوانين العقل الباطن، حيث يرى مناصرو قانون الجذب أن العقل الباطن وما يجول به مسؤول إلى حد بعيد عن برمجة حياتنا، وأن ما نريده وما نرغب به يمكن الوصول إليه من خلال استغلال العقل الباطن استغلالاً مثالياً، يمكنكم التعرف أكثر إلى قانون الجذب من خلال النقر على الرابط.

كتب عن العقل الباطن

• كتاب قوة عقلك الباطن - جوزيف ميرفي
• كتاب قوة العقل الباطن - ابراهيم الفقي
• كتاب تسخير قوة عقلك الباطن في حياتك العملية - جوزيف ميرفي
• كتاب العقل الباطن - سلامة موسى
• كتاب المارد الكامن داخل عقلك الباطن - هاري كاربنتر
 

المراجع والمصادر

[1] مقال "ما هو العقل الباطن" منشور في imotions.com، تمت مراجعته في 15/9/2019.
[2] مقال "قوة العقل الباطن" منشور في briantracy.com، تمت مراجعته في 15/9/2019.
[3] مقال Brianna Wiest "ثلاث عشرة طريقة للاستفادة من العقل الباطن" منشور في forbes.com، تمت مراجعته في 15/9/2019.