كم كان يوماً صعباً وموحشاً يومي الأول في المدرسة، أوصلني والدي إلى هذا المكان الموحش ورحل وتركني وحيداً، أذكر أنني قضيت معظم وقتي وأنا أنظر إلى الباب منتظراً فرصة للهروب من ذلك المكان الغريب، نعم كان هذا اليوم من أصعب الاختبارات التي مرت في حياتي، وهذا حال كل الأطفال تقريباً أثناء مرورهم بهذه التجربة التي تمثل أحد أهم المنعطفات في حياتهم الاجتماعية والنفسية.

فلا نبالغ إذ نقول أن اليوم الأول في المدرسة هو الدرس الأول والأصعب الذي يتعلمه الطفل وتتوقف عليه معظم مسيرته التعليمية والدراسية وربما الاجتماعية، وهنا كان لهذا اليوم أهمية كبيرة من حيث فهم ما يدور في خاطر الطفل من أفكار ومخاوف وهواجس، وكيف يمكن التعامل معه لتحقيق تكيف وتوافق أفضل مع مجتمع المدرسة الجديد وبما ينعكس إيجاباً على التحصيل الدراسي للطفل في المستقبل وسويته النفسية والاجتماعية.


الأسئلة ذات علاقة


نظرة الطفل إلى المدرسة في يومه الأول

المدرسة كمؤسسة تربوية وتعليمية هادفة ومنظمة تمثل بالنسبة للطفل عالماً مختلفاً سوف يقضي فيه أهم مراحل حياته، ونظرة الطفل لهذه المدرسة في يومه الأول قد لا تخلو من الخوف منها واستغراب كل ما فيها من أشخاص وقوانين ونظم جديدة تقيد حرية حركته وتقنن وتحدد سلوكه، فبعد أن كان الطفل بين أحضان والديه يتكل عليهما ويشعر بالأمان في وجودهما ويحصل على ما يريده منهما، فاليوم قد دخل عالماً جديداً أكثر صرامة في التعامل معه وأقل مسايرةً لرغباته وحاجاته، فالطفل في يومه الأول يلقي نظرةً عامة نحو كل ما هو موجود في المدرسة؛ فهناك معلمون غرباء معنيون بتطبيق نظام المدرسة عليه وهناك أيضاً أطفال آخرون قد يكونون من عمره أو أكبر منه وقد يفرضون عليه بعض رغباتهم ، هذا بالإضافة لأن والديه بعيدين عنه وأصحابه وأخوته، وهنا فالمدرسة تمثل تغرّباً وانتقالاً إلى واقع جديد أقسى في ظروفه وأكثر مسؤوليةً في متطلباته.


صعوبات أول يوم دراسي للطفل

الصعوبات والمشاكل والمخاوف التي تواجه الطفل في أول يوم دراسي
قد لا يتوقف الأمر على الاستغراب الذي يشعر به الطفل خلال يومه الأول في المدرسة من الأشخاص الغرباء المتمثلين بالمعلمين أو التلاميذ الموجودين في المدرسة، والذين يقابلهم الطفل للمرة الأولى، بل يوجد صعوبات ومشاكل حقيقية وعلى مستويات عدة تمثل مخاوف وهواجس يشعر بها الطفل فعلاً ولها آثار بالغة على تكيفه مع مجتمع المدرسة الجديد، ومن هذه الصعوبات:

- الاستيقاظ والنوم في مواعيد محددة: فبعد أن كان وقته ويومه ملكه يفعل به ما يحلو له، أصبح اليوم ملزماً في اتباع نظام محدد في نومه واستيقاظه.

- الجوع: بعض الأطفال يشعرون بالجوع في المدرسة بسبب الوقت الطويل ونظام المدرسة الذي يفرض مواعيد محددة لتناول الطعام خلال الاستراحات.

- الرغبة في قضاء الحاجة: بهذا العمر قد لا يكون بعض الأطفال قد تعلم تأجيل حاجاته المحرجة كالخروج إلى الحمام، وقد يخجل هؤلاء الأطفال من طلب قضاء حاجاتهم من المعلمين أو المشرفين عليهم.

- الشعور بفرق الاهتمام والمعاملة بين المنزل والمدرسة: فبعد أن كان محاطاً بمحبة وتقبل الجميع في المنزل والاهتمام به وبشؤونه، لم يعد الآن يلقى الاهتمام نفسه في مجتمع المدرسة، فالكل منصرف إلى شؤونه واهتماماته ومهامه.

- طبيعة المعلمين النفسية والجسدية: في بعض الأحيان قد لا يتمكن الطفل من تقبل أحد مدرسيه فيمكن أن يخاف أو يخجل منه أو لا يحبه، وهذا سوف يشكل صعوبة أمام تأقلمه مع المدرسة.

- البعد عن الوالدين والأخوة والشعور بالغربة: من أكثر ما يخيف الطفل في المدرسة ويحزنه هو بعده عن ذويه وأخوته أو أصدقائه وعدم اعتياده بسهولة على هذا البعد.

- التنمر والاعتداء من قبل الزملاء الأقوى أو الأكبر سناً، فقد يجد الطفل في يومه الدراسي الأول بعض التلاميذ الذين لديهم ميول عدوانية وسلوكيات سيئة يحاولون إزعاجه وإخافته وربما الاعتداء عليه.

- صعوبات متعلقة بالمدرسة نفسها: من حيث بنائها وخدماتها وازدحامها، أو معلميها وإدارتها وهذه الأسباب قد تفرز صعوبات في تأقلم الأطفال مع أجوائها.

الآثار الناجمة عن عدم تكيف الطفل مع المدرسة

ما يعاني منه الطفل من مخاوف ومشاكل في يومه الأول في المدرسة له آثار عديدة قد تصل في حدودها إلى ما هو أبعد من عدم الاندماج مع مجتمع المدرسة والخوف منها وعدم تقبلها، فقد يصل الأمر إلى حد التسبب في تأخره الدراسي والتراجع في تحصيله العلمي أو التأثير على شخصيته وسويته النفسية والاجتماعية ويمكن أن نذكر بعض من هذه الآثار كما يلي:

- تأخر المستوى التعليمي والدراسي: وهي من الآثار الأكثر وضوحاً لعدم تقبل الطفل للمدرسة وأنظمتها، فالطفل شديد الحساسية عندما يكره شيء من الطبيعي أن يفشل فيه وينفر منه، وهذا يؤدي لتأخره الدراسي وتراجع مستواه التعليمي.

- تراجع القدرة على التوافق اجتماعياً: حيث أن فشل الطفل في التكيف مع أجواء المدرسة ومجتمعها، سوف ينعكس بطبيعة الحال على توافقه الاجتماعي عموماً وقدرته على بناء العلاقات المرضية والتوافق مع الآخرين.

- الشعور بالنقص وضعف الشخصية: فعندما لا يتمكن الطفل من التكيف مع المدرسة وتقبل مجتمعها ويفشل في بناء علاقات صداقة فيها ويتراجع في مستواه التعليمي، كل هذا سوف يشعره أنه أقل من الآخرين ومختلف عنهم وغير مقبول بينهم وبالتالي سيؤدي هذا إلى ضعف في شخصيته وتشكل شعوراً بالنقص لديه.

- الشعور بالملل والضيق أثناء الدروس والحصص: فنتيجة لعدم تكيفه مع نظام المدرسة وعدم تقبله لدروسها ووظائفها، سوف يشعر بعدم الادراك والفهم لهذه الدروس وبالتالي الملل والضيق وانتظار انتهاء الدروس والدوام بفارغ الصبر.

- الخجل وعدم الثقة بالنفس والعزلة: فالمدرسة لا تشبه المنزل من حيث أن الجميع مهتم بالتواصل مع الطفل وتحفيزه دائماً على المشاركة في الحياة المدرسية، وإذا لم يتمكن الطفل من إيجاد موقع وتأثير له بين زملائه في المدرسة، فسوف ينعزل ويشعر بالوحدة وبالتالي يخجل من التعامل مع الآخرين والتعبير عن رغباته وتضعف ثقته بنفسه.

كيف يمكن مساعدة الطفل في يومه الدراسي الأول

كون الأيام الأولى في المدرسة تعد من أهم الاختبارات التي يمر فيها الطفل ولها أثر بالغ على باقي مراحله الدراسية والتعليمية أو توافقه النفسي والاجتماعي، فإن الكثير من الأهل يتساءلون ويبحثون عن الطرق الأفضل والخطوات الأنجح والتي يمكنهم من خلال اتباعها مساعدة طفلهم على النجاح في تجاوز هذه المرحلة وصعوباتها ومشاكلها، ويمكن ذكر بعض هذه الخطوات وتوزيع المسؤوليات على كل من المعنين كما يلي:

دور الأهل في دعم الطفل خلال أيامه الأولى في المدرسة
- متابعة الطفل بشكل مستمر مع إدارة مدرسته ومعلميه: حتى لا يشعر بالغربة، فحين يجد الطفل أن والديه لم يتركاه وحيداً ويراهما يتابعان شؤونه ويوصيان معلميه به سوف يشعر بالراحة والاطمئنان.
- تعليم الطفل مهارات التواصل والاندماج الاجتماعي: قبل دخوله المدرسة وتهيئته نفسياً لهذه المرحلة، وذلك عبر إدخاله في نشاطات وبرامج تعوّده مبكراً على الابتعاد عن ذويه وتكوين علاقات ناجحة مع الأقران.
- تشجيع الطفل على الثقة بنفسه وعدم الخجل من طلب حاجاته، حتى لا يجد صعوبة في تلبية حاجاته وبالتالي شعوره بالضيق والتعب.
- تعويد الطفل على النوم والاستيقاظ باكراً: وفي مواعيد محددة حتى لا يختل نظامه ويصبح مجبور على اتباع نظام محدد بشكل مفاجئ.

واجبات ودور المعلم في تشجيع الطفل في أيامه الأولى في المدرسة
- يجب أن يراعي المعلم الطريقة التي ينظر إليه الأطفال من خلالها: من حيث الشكل أو الطبيعة النفسية أو مدى الاهتمام.
- من الجيد أن تتصف معاملة المعلم للتلاميذ بالمحبة والمودة: دون الخروج عن قيم الالتزام والانضباط، حتى لا يخاف الطفل من معلمه من جهة وينفر منه، ولا يفقد المعلم احترامه وهيبته من جهة أخرى وبالتالي يفشل في أداء مهمته التعليمية.
- يعتبر إيصال المعلومة إلى ذهن الطفل مهمة إبداعية إلى حد ما، وخاصة في المواد التي تعتبر جافة ومملة وصعبة على الأطفال وهنا يأتي دور المعلم في إيجاد الوسائل الأكثر نجاحاً وسلاسة التي يمكن أن تساعد الطفل في تقبل وفهم دروسه بشكل أفضل.
- ومن الضروري أن يعمل المعلم على إدماج كل الأطفال في الصف بكافة مراحل ومهام العملية التعليمة حتى لا يبقى أي من الأطفال منعزلاً وبعيداً عن أجواء المدرسة.
- للمعلم دور كبير في تشجيع قيم المشاركة والتعاون بين الأطفال في غرفة الصف.

دور وواجبات إدارة المدرسة تجاه التلاميذ الجدد
- وضع برامج لاستقبال الأطفال المستجدين في المدرسة وتهيئة بقية التلاميذ نفسياً واجتماعياً لمساعدة زملائهم الجدد في التأقلم مع أجواء وأنظمة المدرسة، وتكوين علاقات صداقة مع أفرادها والتعرف على مرافقها.
- تفريغ بعض الأوقات ووضع خطط خلال هذه الأوقات تهدف إلى تنمية العلاقات الودية والصداقات بين التلاميذ مثل حصص الرياضة والألعاب والفنون التي تتطلب مشاركة وتعاون أو منافسة، فهذا النوع من النشاطات له أهمية كبيرة على مشاعر الطفل نحو المدرسة وتقبله لها.
- العناية ببناء المدرسة: وترميم مرافقها وتحسينها باستمرار، كالفصول الدراسية أو المقاعد أو دورات المياه والأماكن المخصصة لقضاء الاستراحة.
- وضع خطط بين إدارة المدرسة والمعلمين تهدف إلى دراسة ملاحظات ومقترحات المعلمين: في تطوير العملية التعليمية وتحسين الأداء المدرسي وإيجاد الحلول لمشاكل التلاميذ، فالمعلمون هم الذين على احتكاك يومي ومباشر مع التلاميذ في المدرسة وهم الأكثر دراية ومعرفة بشؤون التلاميذ ومشاكلهم سواء التعليمية أو الخاصة.
- التخفيف من الواجبات الإدارية الملقاة على عاتق المعلمين: والعمل على تفريغهم للعناية والاهتمام بالتلاميذ ومشاكلهم التعليمة والتربوية، بدلاً من إشغالهم في مهام أخرى قد لا تكون من اختصاصهم.
- في بعض الحلات الحرجة التي لا يتمكن فيها الطفل من الاندماج في أجواء المدرسة يمكن السماح للأهل بالبقاء جزئياً مع أبنائهم ريثما تعالج المشكلة، ويتم تنظيم ذلك وفق برامج محددة ومدروسة من قبل الاخصائي النفسي أو الاجتماعي في المدرسة.

جميع الأهل ينتابهم السرور والسعادة بعد أن يوصلوا أطفالهم إلى المدرسة لأول مرة ويعودوا إلى البيت دونهم، شعور جميل؛ فابنهم قد كبر وصار تلميذاً في المدرسة وعضواً في المجتمع، ولكن هذا اليوم بالنسبة للطفل هو أكثر من مجرد تجربة جديدة، هو تغيير شامل في أسلوب الحياة على مستوى الواجبات والمسؤوليات وعلى مستوى الحقوق والحاجات والرغبات، هو حياة جديدة بدأها هذا الصغير للتو تختلف كلياً عن حياته السابقة، لذا لابد من معرفة ما يمر معه خلال هذا اليوم من صعوبات ودعمه ومساعدته في سبيل تجاوزها وتعلم الدروس منها والنجاح في اختبارها.