من الصعب على أحد أن ينسى فترة المراهقة وما مر معه فيها من صعوبات وأفكار، حتى أن هذه الأفكار كانت تصل في بعض الأحيان إلى حد الغرابة، فالكثير من المراهقين راودهم ذلك الشعور بالرغبة العارمة بترك المنزل والاستقلال عن الأهل، وذلك لدوافع عديدة منها ما كان يتعلق بحرية الحركة والتصرف التي يتسبب النظام القائم في المنزل بفقدان جزء منها، ومنها ما يتعلق بفكرة الاستقلال نفسها حيث أن المراهق بات يرى نفسه كبيراً وبالغاً لا يحتاج لأحد ولا يريد الاعتماد على أحد، وقد آن الأوان ليستقل عن ذويه بأفكاره وقيمه والعيش بالطريقة التي تعجبه ويراها مناسبة وقد يصل فيه الأمر إلى حد الرغبة في ترك المنزل والخروج منه.


ذات صلة


أسباب ودوافع المراهق للخروج من المنزل

هي واحدة من الأفكار الغريبة التي تراود معظم المراهقين، يبدو وكأن هذه المسألة تمثل مغامرةً بالنسبة لهم، وكما أن هذه المغامرة تتنوع في أهدافها ودوافعها فمن البديهي أن نجد تنوعاً في أسبابها، فبين الرغبة بالاستقلال أو التمرد على الواقع المتمثل في العديد من ظروف الكبت والتسلط التربوي ورفضه، يمكن أن نرى أسباب عديدة ومتنوعة من حيث منبعها الأساسي، ويمكن أن نقسم هذه الأسباب إلى:

أسباب نفسية لرغبة المراهق في ترك منزله
• اعتقاد المراهق أنه قد أصبح كبيراً: يشعر المراهق بسبب بعض التغيرات التي تحدث معه وتعطيه مظهر النضوج أنه قد أصبح كبيراً ولم يعد بحاجة لوصاية أحد عليه وعلى تصرفاته وطريقة حياته ولهذا فهو يرغب بالاستقلال والابتعاد عن ذويه ترك المنزل.

• مشاعر الغضب من التقييد:خلال ما يعرف بفورة المراهقين تكثر القيود والضوابط التي يضعها الأهل والمجتمع أمام المراهق وهو يشعر بالغضب حيال هذه القيود ويجد في ترك منزل الأهل طريقة مثالية للتعبير عن غضبه ورفضه لهذا الواقع.

• الرغبة في التمرد:الواقع الذي نعيشه في كثير من الأحيان قد لا يعجب المراهق ولا يشبع رغباته ولهذا نجد المراهقين كثيراً ما يتمردون على هذا الواقع ويخرجون عن سلطته ويعتبر الخروج من المنزل والاستقلال من أهم مظاهر هذا التمرد.

• الأحلام والطموحات:سقف الأحلام والطموحات يصل إلى أعلى مستوياته خلال فترة المراهقة، وليس من السهل التنبؤ بما قد تلهم هذه الأحلام والطموحات من أفكار غريبة عند المراهق ومنها موضوع ترك منزله والاستقلال عن ذويه.

• إثبات الذات وأنه قادر على الاعتماد على نفسه:قد تنبع رغبة المراهق في ترك منزل الأهل من رغبة أو حاجة أخرى وهي إثبات الذات واتخاذ المواقف، ولهذا تجده كثير الحساسية تجاه كل شيء، ويعتبر تركه لمنزل ذويه من المواقف الكبرى التي كثيراً ما يلوح ويهدد بها كي يكتسب احترام الآخرين له.

• الكبت والضغط الذي يراه في المنزل:فالخروج من المنزل يمثل بالنسبة للمراهق في بعض الأحيان هروب من سلطة الأهل عليه وتحديدهم لما يجب عليه القيام به وما لا يجب، والسيطرة على تصرفاته وكبت أحلامه وطموحه الذي قد لا يتماشى مع نظام المنزل.
 

الأسباب الاجتماعية التي تدفع المراهقين لترك منزل ذويهم

• الرغبة بالاستقلال وتكوين الذات:يرغب المراهق في تكوين هويته الشخصية وذاته الاجتماعية ويريد أن يصبح فرداً كامل العضوية في المجتمع، ويرى أن ارتباطه بأهله هو سبب في الانتقاص من شخصيته وحضوره الاجتماعي، وهذا سبب رغبته في الاستقلال عنهم.

• الرغبة في العمل وجني المال:انطلاقاً من الرغبة بالاستقلال فأول ما يعترض طريق المراهق لتحقيق ذلك هو ضعف قدرته على الاتكال على نفسه في المسائل المادية، وعندما يجد رفضاً لفكرة عمله من قبل ذويه بسبب واجباته المدرسية أو صغر سنه فيميل لترك أهله والابتعاد عنهم حتى يتمكن من العمل وجني المال.

• الهروب من واجبات المنزل أو المدرسة:يعتبر المراهق نفسه أنه قد كبر على طلبات أهله والواجبات التي تلقى عليه في المنزل أو المدرسة؛ورغبة منه في التخلص من هذه الواجبات والطلبات، يفكر في ترك منزله هذا والذهاب ليعيش كما يحلو له.

• تأثير الأصدقاء والأقران:يمارس الأصدقاء والأقران التأثير الأكبر دائماً على سلوك وأفكار المراهقين سواءً سلباً أو إيجاباً، وإذا كان المراهق في وسط يشجعه على رفض واقعه وواجباته فإنه سوف يقوم بالتصرفات التي تتناسب مع هذا التشجيع الصادر عن الأقران الذين يعتبرهم مثلاً أعلى له.

• الرغبة في تغير نمط الحياة:يتميز المراهقون بأنهم سريعو الملل من الأشياء الروتينية ويرغب دائماً في التغيير والتجديد وترك المنزل بالنسبة لهم يعتبر ثورةً على روتين حياتهم.

• التسلط التربوي من قبل الوالدين:بعض الأهل قد يلجؤون إلى وضع نظام صارم في المنزل وقواعد تتصف بالتسلط في التعامل مع أبنائهم المراهقين وتربيتهم وهذا يجعل المراهق يشعر بالضغط والكبت في حياته، ويتخذ من رغبته بترك المنزل والاستقلال عن الأهل مهرباً من هذا النظام التربوي المتسلط.

• الخوف من عاقبة بعض الأمور:فقد يقوم المراهق بتصرف خاطئ أو يكشف ذويه أحد أسراره التي يحاول إخفاءها وقد يلجأ للهروب من المنزل خوفاً من رد فعل ذويه على هذه الأمور. 

• الحاجات والرغبات الجنسية: فيعتقد المراهق أن خروجه من منزله سوف يعطيه مساحة أكبر للتعبير عن هذه الحاجات الجنسية وربما في بعض الأحيان لإشباعها بالوسائل غير المشروعة.

ذات علاقة


آثار وانعكاسات الخروج من المنزل على المراهق

قد لا يتوقف أثر ترك المراهق لمنزل ذويه على ما هو ظاهر من نتائج، مثل سوء التربية أو التمرد على سلطة الأهل ونظام المنزل، وإنما قد يمتد الأمر أبعد من ذلك ويحمل معه آثار خطرة على صحة المراهق الجسدية أو النفسية وحتى الأخلاقية أو على مستقبل المراهق وشخصيته، ويمكن أن نعدد بعض هذه الآثار كما يلي:

آثار على دراسة المراهق وتحصيله الدراسي
فعندما تضغط فكرة الاستقلال وترك المنزل على نفسية المراهق، سوف تأخذ حيزاً من تفكيره وربما تصبح كل ما يشغل باله وبهذه الحالة سوف ينشغل المراهق عن دروسه وواجباته ويؤدي كل هذا إلى تأخر مستواه التعليمي.
• سوء العلاقات مع الأهل وخلق حساسية في المنزل: فمثل هذه الأفكار عندما تعترض طريق المراهق سواء قام بتنفيذها أو بقيت ضمن حيز الأفكار والخواطر، ففي جميع الأحول سوف تنعكس سلباً على طبيعة العلاقات القائمة في منزل المراهق وتخلق الحساسيات بين أفراده وبين الأهل وأبنائهم.

• التعرف خلال فترة الغياب عن المنزل على أشخاص مؤذينأو سيئينفي سلوكهم قد يتعلم منهم المراهق ويقتدي بأفعالهم وتصرفاتهم.

• تعلم بعض العادات السيئة: فإذا قام المراهق فعلاً بتنفيذ رغبته في ترك منزل أهله ولو لفترة قصيرة فسوف يتعرض في الخارج للكثير من المغريات التي تعتبر سيئة على أخلاقه وقيمه وتصرفاته مثل،الإدمان على أحد العقاقير المخدرة أو شرب الخمور أو ارتياد أماكن مشبوهة وموبوءة.

• ممكن أن يؤدي هذا الهاجس للانحراف بشكل عام: فغالباً ما ينتظر المراهق خارج منزله أشكال عديدة من المخاطر  والمنزلقات ومنها تعرضه للانحراف بسبب الحاجات والمغريات العديدة التي يفرضها الواقع الجديد، مثل السرقة لتأمين الحاجات الجديدة أو الانضمام إلى عصابات ومجموعات خطرة ومؤذية على المراهق والمجتمع أو تعريض نفسه لمخاطر كثيرة.

• التدخين: ويعتبر من العادات السيئة التي غالباً ما تغري المراهقين فأغلب المدخنين تعلموا هذه العادة في فترة المراهقة، وخروج المراهق من منزله في أغلب الأحيان سوف يؤدي لتعلمه هذه العادة.

• المرض بسبب عدم القدرة على العناية بنفسه: من الناحية الصحية أو الغذائية أو حتى النظافة وتأمين حاجاته الضرورية.

• آثار نفسية تنعكس في شخصيته: جراء ما مر به خلال فترة خروجه من المنزل، مثل الرغبة في الانعزال أو قلة الثقة بالنفس أو ضعف الشخصية أو الحقد على المجتمع والمحيط.

التعامل مع رغبة المراهقين بترك المنزل

كيف يمكن التعامل مع ظاهرة خروج المراهقين من المنزل وعلاجها؟
رغبة المراهق في ترك منزل الأهل هي ظاهرة جديدة وسلوك غريب لم يعتد الأهل على التعامل معه أثناء مرحلة الطفولة ولا يمكن استخدام أسلوب القمع أو المنع أو حتى الإجبار للوقاية منه ومنعه، فهو أساساً يمثل تمرداً على أوامرهم ورفضاً واضحاً لسلطتهم التربوية، ولهذا كان لابد من وجود طرق أخرى أجدى وأكثر فائدةً في التعامل مع مثل هذه الرغبات عبر عدة خطوات ومنها:

• خلق علاقات مرضية وجو من الألفة والمحبة في المنزل، يبعد فكرة الضيق من الوضع القائم في المنزل وأجوائه المحيطة التي تدفع المراهق للخروج منه والتمرد على نظامه.

• تغيير معاملة المراهق كطفل فهو أصبح أكبر وأكثر نضجاً وأكثر حاجةً لتقدير الآخرين واحترامهم لرغباته وأفكاره، ومعاملته كصغير من أكثر الأشياء التي تثير غضبه، وتجعله يهرب بعيداً عن المنزل الذي يجعله يبدو بهذه الصورة الطفولية.

• توعية المراهق بمخاطر ما هو موجود خارج المنزل ولكن دون إخافته من مواجهة صعوبات الحياة، فخارج المنزل تنتظر المراهق عوارض خطيرة وأكثر صرامة في التعامل معه وقمع رغباته، ولن يجد خارج المنزل المسايرة والتساهل نفسه الذي اعتاد أن يجده عند ذويه، ويجب على المراهق أن يفهم هذا الأمر، ولكن لا يجب إخافته إلى الحد الذي يضعف ثقته بنفسه ويثنيه عن تحقيق أحلامه وطموحاته.

• النظر في مشكلات المراهق والتعاون معه على حلها، بدلاً من تركه وحيداً في مواجهة شؤونه والمخاطر الكثيرة التي تنتظره خارج منزل ذويه، فعلى الأهل فهم فكرة أن ابنهم كبير ويجب تقبل ابنهم المراهق بشكل أفضل لهولهم.

• محاولة إيجاد قواسم مشتركة بين ما يريده المراهق وما يريده الآخرون منه، حتى لا يتمادى في أنانيته وتطويع كل شيء لتحقيق رغباته، ومن جهة أخرى عدم كبت أفكاره وقمعه إلى درجة تجعله يشعر بالضيق من أجواء منزله ويتهرب منه.

• ادماج المراهق في علاقات لا تشجعه على مثل هذه الأمور، وخاصة أصدقاء المراهقين فهم الأكثر تأثيراً في تشجيع المراهق على مثل هذه السلوكيات، ولهذا يجب الانتباه إلى العلاقات التي يكونها المراهق وأثرها عليه وعلى أفكاره.

• إشعاره باستمرار بأهميته وأهمية وجوده في المنزل ومسؤوليته في هذا الخصوص، فجميع أفراد المنزل يكنون له المحبة ويريدون مصلحته وسعادته، وسوف يساعدونه في أي شيء يرغب بتحقيقه ولا ينعكس سلباً على مصالحه.

المراهق يرى نفسه كطائر محبوس في قفص يتكون من العادات والقيم والمعاير وطلبات الأهل وإرشاداتهم وواجبات المدرسة والمنزل، وهو لديه رغبة قوية للخروج من هذا القفص وإلقاء نظرة خارجه، إنه حس الفضول والمغامرة،إنها الرغبة في إثبات الذات، وتعلم اتخاذ المواقف كخطوة في بناء الشخصية والهوية، فلا يمكن قمعه بطريقة ربما تزيد الرغبة فيها أو مسايرتها بطريقة تجعل منها أسلوب للضغط من قبل المراهق على ذويه، ولكل هذا فيجب معرفة هذه الرغبة والإحاطة بحيثياتها وفهم تفاصيلها بغية الوصول إلى الطريقة الأمثل للتعامل معها.