أميرة الفضل
أميرة الفضل إعلامية سعودية. عملت في الإذاعة والتلفزيون

انشغل الفلاسفة على مدى الوعي الإنساني بمحاولة تعريف الجمال ووضع حدودٍ ضابطة للجمال الحقيقي وتمييزه عن القبح والبشاعة، ليس على مستوى شكل الإنسان فقط، بل أيضاً كل ما يمكن أن تطلق عليه صفات تفضيلية بين الجمال والقبح.

وربما كان الطرح الذي قدمه ديكارت وتبنّاه سبينوزا هو الأقرب إلى إدراك نسبية الجمال... وملخصه:
 الجمال ليس إلا وصفاً لموقفنا من الشيء الذي نحكم عليه أنه جميل، وهو وصفٌ للأثر الذي يتركه الجمال فينا أكثر مما يكون وصفاً للشيء نفسه.

في هذا الفيديو تناقش الإعلامية السعودية أميرة الفضل مفهوم نسبية الجمال، وكيف أن علميات التجميل وإن غيرت المظهر لكنها لا تنعكس بالضرورة على الجمال الحقيقي، الذي هو جمال العقل والروح، والذي لا يمكن لأطباء التجميل العبث فيه أو تعديله!.


ما هو الجمال الحقيقي؟

كما ذكرنا؛ فقد أهدر الفلاسفة شطراً كبيراً من وقتهم في محاولة القبض على صفات جامعة لما هو جميل، حاولوا وضع قواعد ضابطة يمكن استخدامها في أي وقت لإطلاق حكمٍ نهائي على كل ما يقبل التفضيل.

بكلماتٍ أبسط؛ حاول المفكرون على مدى قرون أن يضعوا تعريفاً ومعاييراً للجمال يمكن لأيٍّ منّا استخدامها في تحديد صفة ما يتعامل معه إن كان جميلاً أو قبيحاً.

كأن تُخرِج من جيبك كتيباً صغيراً وتبحث عن تطابق المعايير مع صفات وردة جوريّة لتعرف إن كانت جميلةً أم لا!، أو تخرج الكتيب ذاته لتقرر إن كنت ستطلب يد هذه الفتاة أم أنّها تفتقد أحد شروط الجمال، أو تنتظر ريثما تراجع معايير الفيلسوف الفلاني لتقرّر إن كنت ستستمتع بزقزقة عصفورٍ وقف على نافذتك!.

الخبر الجيد هنا أن هذه التجارب فشلت جميعها؛ فما زال كلٌّ منّا يُعدُّ كتيّبه الخاص، ويتبنى معاييره الخاصة عن الجمال، وإن تأثرت معاييرنا بعوامل خارجية أو خضعت لمعايير عامة، لكنها معايير متغيرة أبداً، وغير قابلة للتعميم أو القياس، وهذا لبُّ مفهوم الجمال النسبي.

ما هي معايير الجمال الحقيقي؟

بنظرة سريعة وخاطفة إلى فن القرون الوسطى في أوروبا؛ سنجد أن المعايير العامة لجمال المرأة كانت السمنة والأرداف الممتلئة والوجه المدوّر، فيما أصبحت العظام البارزة والزوايا الحادة هي مميزات الجمال الحديث! وهذا دليل آخر على تعذّر إمكانية وضع معايير ثابتة ومستقر للجمال.
 
بل أن معايير الجمال ترتبط بشكل وثيق بالدور الذي يتوقع أن تلعبه المرأة في مجتمعها، فالمجتمعات التي تهتم بالإنجاب والخصوبة تميل لتقدير المرأة الممتلئة والقوية، فيما تختلف هذه المعايير وبشكل جذري في المجتمع الأمريكي الحديث مثلاً حيث يعتبر بروز العظام هو معيار الجمال، وهي معايير مختلفة أيضاً عن معايير الجمال في نفس المجتمع منذ نصف قرن[1].

وعلى الرغم من ذلك؛ هناك بعض المعايير التي يميل الناس للامتثال لها في تحديد صفة الجمال، مثل التناسق والتناسب، لكن صدق أولا تصدق، المعيار الوحيد للجمال هو "أن يكون متوافقاً مع المعايير الذاتية لمن يحكم عليه!".

مفهوم الجمال النسبي وصناعة كره الذات

مفهوم نسبية الجمال مفهوم راسخ في اللاوعي الجمعي وفي التراث الإنساني، والمشكلة ليست عدم إدراكنا نسبية الجمال أو عدم إيماننا باستحالة وضع حدود مانعة جامعة للجمال؛ وإنما المشكلة بميلنا إلى فرض معاييرنا الخاصة على الآخرين، أو ميلنا إلى اتباع معايير الآخرين كي لا نبدو من كوكب آخر!.

فالصراع على تحديد معايير الجمال برأيي ليس إلا صراعاً على السيطرة والانتماء، حيث نوافق على اعتماد الشقراوات كملكات جمال بلا منازع لأننا لا نريد أن نخالف الذوق العام.
وعندما يرغب التجّار بالتسويق لعملية تجميل جديدة أو موضة جديدة سيبذلون ملايين الدولارات لفرض معايير جمال جديدة ولتعزيز الكره الذاتي عند السيدات أو الرجال الذين لا يمتلكون هذه المقومات[2].
وتعزيز شعورك أنّك "خارج المعايير" يعني أن تدفع مالاً لتصبح مطابقاً للمواصفات، وهذا المال سيذهب إلى جيوب الذين وضعوا المواصفات!.

الكاتب: عامر العبود

المراجع والمصادر

[1] مقال جامعة برادلي "معايير الجمال والجسد"، منشور في bradley.edu، تمت مراجعته في 6/2/2020.
[2] مقال Molly Beane "يمكننا تحديد معايير الجمال الخاصة بنا"، منشور في frommollywithlove.com، تمت مراجعته في 6/2/2020.