نعلم جميعنا هذا الشعور؛ تذهب إلى مكان ما وأنت تفكر في أمر ضروري عليك القيام به، ثم تنسى هذا الأمر فجأة ولا تستطيع تذكره مهما حاولت إلا بمساعدة شخص آخر أو بعد فوات الأوان، تسبب هذه الحالات من النسيان كثيراً من الإزعاج والإشكالات الاجتماعية والمهنية، كما أنها تثير القلق عند حدوثها لدى الأشخاص بعد عمر الخمسين لأنها قد تكون علامة مبكرة لكون هذا الشخص بدأ ’يفقد عقله’ أو ’يتراجع ذهنياً بحكم الشيخوخة وآثار العمر’.
لا يمكن أن ننفي مسؤولية داء ألزهايمر وغيره من أنواع خرف الشيخوخة عن قسم كبير من حالات ضعف الذاكرة خصوصاً مع التقدم في السن، لكن هذا لا يجب إلى يدفعك لليأس والاستسلام قبل البحث عن أسباب أخرى، إذ هناك عدد من الأسباب البسيطة والقابلة للعلاج بسهولة لهذه المشكلة.
في المقال التالي سنتحدث عن الأسباب المتنوعة للنسيان أو عدم القدرة على تخزين ذكريات جديدة لدى المسنين، بالإضافة إلى العلاجات الممكنة لحالات ضعف الذاكرة القابل للعلاج.
 


ذات صلة


الأسباب النفسية والعاطفية لضعف الذاكرة

عوامل عاطفية ونفسية قد تكون مسؤولة عن اضطراب الذاكرة لدى المسن
بما أن الذهن والجسد أمران مرتبطان لا يمكن لأحدهما أن يكون مصاباً دون تأثر الطرف الآخر، نجد أن العواطف والأفكار يمكن أن تترك أثرها على الدماغ والعمليات العقلية التي تجري ضمنه خصوصاً تخزين الذكريات واسترجاعها، فالطاقة التي نحتاجها للتأقلم مع المشاعر أو ضغوط الحياة قد تعيق دماغنا من العمل بشكل مثالي.
غالباً ما يمكن التغلب على الأسباب العاطفية لضعف الذاكرة عبر تقديم المساعدة والدعم النفسي للمصاب، كما أن طلب الاستشارة النفسية من شخص مختص قد تساعد المصاب على تحديد العوامل المحرضة للإجهاد النفسي وتجنب التعرض إليها، أما أهم العوامل النفسية لضعف الذاكرة فهي:

التوتر (Stress): يمكن للضغط النفسي الشديد أن يرهق عقولنا ويسبب اضطراباً واستنزافاً في قدرات الدماغ، نعلم أن الارتباك والتوتر يمكن أن يحرض اضطراباً قصير الأمد في الذاكرة فنحن قد ننسى المعلومات التي حاولنا حفظها على عجل قبل الامتحان بفترة وجيزة، أما المشكلة الأكبر فهي أن التوتر والإجهاد النفسي طويل الأمد يمكن أن يؤهب المريض للاضطرابات العقلية المرتبطة بالشيخوخة، لهذا السبب يعتبر التحكم بالتوتر مهارة هامة للمحافظة على حياة صحية وسليمة جسدياً ونفسياً وعقلياً.

الاكتئاب (Depression): كثيراً ما نغفل عن تقدير الأثر الكبير الذي يمكن أن يتركه الاكتئاب على النواحي الجسدية والذهنية للمصاب، خاصة أن الشخص المكتئب يفقد الاهتمام والرغبة بالتركيز على المعلومات والتفاصيل المختلفة في حياته، وينعكس هذا الإهمال بنسيان لهذه التفاصيل أو عدم القدرة على تذكرها منذ البداية.
إضافة إلى ذلك، يسبب الاكتئاب أرقاً ومشاكل في النوم العميق مما يمنع المريض من الحصول على نوم كافٍ لمعالجة المعلومات وتثبيتها على شكل ذكريات جديدة.
هناك شكل خاص من ضعف الذاكرة المرتبط بالاكتئاب الذي نراه عند المسنين يدعى باسم الخرف الكاذب (Pseudodementia)، وهو مصطلح يصف حالة شبيهة بالخرف التقليدي تنتج عن اكتئاب الشخص المسن وفقدان اهتمامه بشؤونه الخاصة والمعلومات التي يجب أن يتابعها، لذلك يقوم أطباء الأمراض العصبية بإجراء اختبارات للقدرات العقلية من أجل الاطمئنان ونفي ’الخرف الحقيقي’، كما يلاحظ تحسن حقيقي وملحوظ في الحالة العقلية للمريض عند مساعدته على الخروج من حالة الاكتئاب بالعلاج المناسب.

الحزن (Grief): يعتبر تأثير الأسى على القدرات العقلية للمريض شبيهاً بما يحدث في الاكتئاب، أما الفرق الأساسي هو ارتباطه بحدث مأساوي مثل موت شخص مقرب مثلاً، وهو يستهلك طاقة ذهنية كبيرة، مما يفقد المريض قدرته على التركيز على الأحداث والأشخاص المحيطين به.
من الطبيعي أن يمر الشخص بفترة من الحزن وفقدان الاهتمام بالعالم عندما يصاب بفاجعة ما، لكن الأمر المهم هو عمل العائلة والأشخاص المقربين لمساعدة المسن على تقبل ما حدث ومعالجة المشاعر الحزينة.
 

ذات علاقة


الأدوية والعقاقير الكيميائية

دور المواد الكيميائية المختلفة في اضطراب الذاكرة
قد يكون ضعف الذاكرة مرتبطاً باستخدام نوع معين من الأدوية أو المواد الكيميائية الموصوفة دوائياً أو الممنوعة، ومن أهم هذه المواد:
- الكحول والأدوية الممنوعة:
تسبب المخدرات والكحول ضرراً على الوظائف العقلية والذاكرة إن كانت قصيرة أو طويلة الأمد، فيزداد احتمال إصابة مدمن الكحول بالخرف مع الزمن.
- المستحضرات الطبية: ليس من الضروري أن يكون الدواء آمناً تماماً لمجرد أنه موصوف طبياً ومرخص للاستعمال من قبل المرضى، فجميع الأدوية تملك بعض التأثيرات الجانبية التي قد تكون بسيطة أو شديدة.
كثيراً ما تنتج التأثيرات غير المرغوبة للأدوية عن تشارك أدوية مختلفة وتفاعلها داخل جسم المريض، لذلك ننصحك دوماً أن تخبر الطبيب بجميع الأدوية التي تتعاطاها في الوقت الحالي خصوصاً إذا كنت تراجع عدة أطباء من أجل أمراض مختلفة.
- العلاج الكيميائي للسرطان (Chemotherapy): تدعى التأثيرات العقلية التي تنتج عن العلاج الكيميائي باسم الدماغ الكيماوي (Chemo Brain)، الذي يوصف كحالة من الضبابية التي تسيطر على الدماغ نتيجة هذه الأدوية السامة، أما الجانب الإيجابي فهو كون هذه التأثيرات مؤقتة في معظم الأحيان إذ تختفي بعد انتهاء شوط العلاج.
- الإجراءات الطبية المختلفة: يمكن أن يحدث اضطراب في الذاكرة بعد الخضوع لعمليات جراحية واسعة مثل عمليات القلب المفتوح أو بسبب إجراءات التخدير العام المطلوبة فيها.
 

الأمراض والأسباب الجسدية المسببة لضعف الذاكرة

ما هي الحالات الجسدية المسببة لاضطراب الذاكرة لدى المسنين؟
هناك الكثير من الأسباب الصحية التي تؤدي إلى اضطراب بسيط أو شديد في عمل الذاكرة، فالصحة العقلية والنفسية لا يمكن أن تنفصل عن الصحة والراحة الجسدية، ومن الأسباب الجسدية لاضطراب الذاكرة:
- التعب والحرمان من النوم: هناك عدد كبير من الفوائد التي يمكن أن يقدمها النوم الكافي والمريح، فهو يمنحنا النشاط، يمنع اكتساب الوزن الزائد الناتج عن اضطراب الهرمونات، ويعطينا القدرة على التفكير بصفاء، لذلك يؤدي الحرمان من النوم لفترات طويلة إلى اضطراب الذاكرة والقدرة على التعلم.
- رضوض الرأس وارتجاج الدماغ: يمكن للإصابات العنيفة على الرأس وارتجاج الدماغ أن تؤدي إلى فقدان مؤقت للذاكرة خلال فترة محددة من وقت الحادث، كما يعتقد أن هذه الإصابات تجعل الشخص مؤهباً للإصابة بالخرف وضعف الذاكرة على المدى البعيد في سنوات الشيخوخة.
- نقص فيتامين B12: هذا الفيتامين شديد الأهمية وضروري من أجل عمل الجهاز العصبي، في الحالات الشديدة يؤدي عوز هذا الفيتامين إلى أعراض عصبية قد تشخص خطأ على أنها داء ألزهايمر أو خرف الشيخوخة، ليس من الضروري أن يكون الضرر العصبي الناتج عن نقص هذا الفيتامين دائماً إذ تتراجع الأعراض العصبية وقد تشفى تماماً عند تعويض الفيتامين الناقص.
- مشاكل الغدة الدرقية: تؤدي اضطرابات عمل الغدة الدرقية إن كانت نقصاً في نشاطها (قصور الغدة الدرقية) أو زيادة فيه (فرط نشاط الغدة الدرقية) إلى بعض الأعراض العصبية مثل ضعف الذاكرة وعدم القدرة على التركيز.
- أمراض الكلى: عند اضطراب عمل الكليتين أو حدوث الفشل الكلوي، تتراكم الفضلات والمواد السامة في الدم دون إطراح مما يؤدي إلى تخريب الخلايا العصبية المسؤولة عن الذاكرة والوظائف العقلية المختلفة.
- أمراض الكبد: يمكن أن تؤدي الأمراض المخربة للكبد مثل التهاب الكبد الفيروسي إلى انطلاق السموم من الخلايا الكبدية إلى الدم مما يؤدي إلى اضطراب وظيفة الجهاز العصبي، تدعى الإصابة الدماغية المتقدمة المرتبطة بمرض الكبد باسم اعتلال الدماغ الكبدي (Hepatic Encephalopathy) وهو حالة خطيرة تشير إلى فشل الكبد والحاجة إلى العلاج بشكل مستعجل.
- السكتة الدماغية (Stroke): تؤدي الجلطات والنزوف الدماغية إلى الكثير من الإصابات العصبية والعقلية التي قد تكون خطيرة، في الواقع يغلب أن يكون فقدان الذاكرة الناتج عن السكتة الدماغية دائماً بينما تتحسن الوظائف المعرفية والجسدية مع العلاج الفيزيائي وإعادة التأهيل.

تلك كانت مجموعة من أبرز الأسباب الجسدية التي تسبب اضطراب الذاكرة لكنها ليست شاملة تماماً إذ أن هذه الأسباب يصعب حصرها وقد تشمل أيضاً التهابات الدماغ وأورامه، الالتهابات وإنتان الدم، أعراض الحمل وسن اليأس، بالإضافة إلى حالات ضيق النفس وانقطاعه خلال النوم مما ينعكس سلباً على تغذية الدماغ وأدائه المعرفي.
 

هل ضعف الذاكرة ناتج عن داء ألزهايمر أم عن سبب آخر؟

ما هي الوسائل الممكنة لتحديد سبب تراجع الذاكرة لدى الشخص المسن؟
يعتبر داء ألزهايمر (Alzheimer’s Disease) السبب الأكثر شيوعاً للخرف لدى المسنين، كما يمكن أن يسبب تراجعاً مدمراً في الذاكرة والوظائف العقلية ينتهي بنسيان الشخص المسن لأولاده وإخوته حتى، فإذا كنت تعتقد أن مشاكلك ناتجة عن هذا المرض ننصحك بقراءة أعراضه في هذا المقال، وطلب الاستشارة من طبيب مختص في الأمراض العصبية من أجل تحديد سبب المشكلة.
لا يوجد اختبار أو تحليل مشخص لمرض ألزهايمر، ويعتمد التشخيص على وجود عدد من المعايير (أهمها اضطراب الذاكرة) بالإضافة إلى نفي الأسباب الشائعة الأخرى (مثل السكتة الدماغية ونقص الفيتامينات) بالاختبارات اللازمة، تذكر أن الحالات المبكرة من مرض ألزهايمر يمكن أن تبدأ بالظهور منذ عمر الـ 40 مع أن العمر الوسطي للمصابين عند التشخيص يتجاوز الخامسة والستين.

وفي الختام.. تذكر أن الحديث إلى الطبيب واستشارته بشأن اضطراب الذاكرة أمر هام وضروري بغض النظر عن سبب هذا الاضطراب، فالاستشارة المبكرة تساعد على علاج الأسباب القابلة للعكس إذا كانت مسؤولة عن المشكلة، كما أن تقديم العلاج بشكل مبكر في داء ألزهايمر وغيره من أسباب الخرف قد يساعد على الحد من تراجع الذاكرة والقدرات العقلية والمعرفية مع الزمن.